السرد السلس يندفق لدى قراءة كتاباته
طعان لـ«البناء»: أتّبع الأسلوب النظريّ الوصفيّ… ولكل كلمةٍ وظيفة ولا وقت للتضييع

حاورته: رنا صادق

 

إن هزّ قلمه كتب الحقّ ودافع عن المظلوم ونشر الوعي. أنّى حلّ تحلّ معه روح الإنسانية والبلاغة. هو من أبرز الكتّاب اللبنانيين بالفرنسية، إذ يكتب الرواية بالروح السينمائية. أي أنّ عينيه هما الأداة التي يكتب بها.

روائيّ بجدارة وروح جديدة. لمع نجمه مع روايته «سيّد بغداد» عام 2006، وفي رصيده عشرة مؤلَّفات حتى اليوم، يجري العمل على معظمها لتحويلها إلى أفلام سينمائية.

محمد طعان، الدكتور الروائي، والكاتب باللغة السلسة ذات الحبكة المشوّقة، هو أوّل من كتب رواية الاغتراب اللبناني في أفريقيا. يحاول جاهداً الوصول دائماً إلى العقل الغربي «المتحجّر»، وينقل حقيقة الواقع اللبناني تحديداً، ويعمل على فرملة الأكاذيب وتهميش الحقائق.

عانى طعان منذ البدايات من مشكلة الفرز الطائفي الديمغرافي في لبنان حتى في الآداب، في حين أنه حورب من عدّة جهات، فقط لإجباره على التخلّي عن الكتابة بالفرنسية، لكنه لم يرضخ.

الحبكة والسلاسة

روائي يبتعد عن الفذلكات الإنشائية، الحبكة والسلاسة من منشطّات الكتابة لدى طعان، وهو المعروف بأسلوبه النظري الوصفي وابتعاده عن الروتين والحشو، فلكل كلمة لديه… وظيفة.

مركز قوّته يظهر في السرد السلس الذي يندفق لدى قراءة كتاباته التي تندرج تحت خانة السهل الممتنع. والقمة في رواياته هي الحبكة ومعها الحسّ الإنساني، إذ إنّ الحبكة تشّد القصة وتنعشها. ففي كتاباته لكلّ كلمةٍ وظيفة ولكلّ معنى رسالة، لا وقت للتضييع، يعتمد على الأسلوب النظري الوصفي للأحداث لا العواطف الإنسانية، وذلك لأنه يكتب للسينما، ومن هنا أثبت نجاحه.

محمد طعان، من مواليد صور، عاش فيها لفترة وجيزة، ثم توجّه إلى أفريقيا مع عائلته. تخصّص في الطبّ والجراحة في فرنسا. طمح لممارسة مهنته كطبيب في لبنان، لكن وضع الحرب لم يسمح بذلك. لذا، لجأ إلى المغرب حيث يعيش بعض من أصدقائه أيام الدراسة. هناك بقي خمس سنوات. مراهنته على لبنان ظلّت في أولوية حساباته المهنية، لذا رجع مجدّداً وعاش فترة الحرب في ظروف الاجتياح «الإسرائيلي» القاسية الصعبة.

شاهد الاستغلال والظلم وقتل المدنيين والأطفال. هذه الأحداث كلها ترسّخت في باله وحزّت في قلبه وتركت أثراً كبيراً، وشدّت العصاب على جراحه طوال فترة مكوثه خارج لبنان.

يقول طعان: بدأت الحرب في لبنان حين أنهيت دراستي، تعرضّت حينذاك للتهديد، ما اضطرني مجدداً للهجرة إلى نيجيريا حاملاً معي آمالي وآلامي وطموحي وحلمي. حلمي بفتح مستشفى في مدينة صور الجنوبية ومعاينة الناس ومساعدتهم.

عاش في نيجيريا 32 سنة. سنون مشقّات وتعب، لا حياة اجتماعية، لم يشعر يوماً بالراحة، لذا وجب عليه إيجاد متنفّس جديد له يروّح عنه هذا الكمّ من التعب النفسي والقلق، على ضوء ذلك بدأ بالكتابة السينمائية.

عام 1993 كتب سيناريو لـ«مهرجان السينما الأفريقي» في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، حيث التقى رئيس المهرجان آنذاك التونسي الجنسية، أُعجب بكتاباته ونصحه باستغلال موهبته هذه، حيث رأى في كتابه نَفَساً روائيّاً.

أما عام 1996 أي بعد ثلاث سنوات، فرغب طعان أن يعمل بالنصيحة التي أسديت إليه، وبدأ العمل على السيناريو المكتوب باللغة الفرنسية، وحوّل كتابه إلى رواية، وقام بنشرها على نطاقٍ واسع. لاقت روايته اهتماماً واسعاً من دور النشر الفرنسية، حتى صار في رصيده اليوم عشر روايات باللغة الفرنسية ترجمت جميعها إلى خمس لغات.

في بادئ الأمر، لم تكن لدى طعان أيّ نيّة لكتابة الروايات، عشق السينما منذ صغره.

حورب طعان في لبنان لأنه تمكّن من النجاح بالكتابة باللغة الفرنسية، فالتقسيم الديمغرافي والمذهبي وصل إلى حدّ الإبداع والفنون، يقسمّها البعض، باعتبار أن العربية حكرٌ على المسلمين والفرنسية للفئات المسيحية، مع العلم أن هذه التصنيفات لا تنطبق على أيّ قاعدة أو أسس، والتفرقة بالعلم هو الجهل بحدّ ذاته كما يشير طعان في حديثه إلى «البناء»… اللغة ليست حكراً على أحد!

«فول سوداني»، هي ترجمة لرواية «أرشيد» بالفرنسية الصادرة عن «دار الفاربي»، وتؤرّخ للوجود اللبناني في أفريقيا، وهي الأولى من نوعها تحكي هذا الواقع.

من الرواية: «ذات يوم يا صديقي، عندما تكبر، ستعلم أن كلّ إنسان قادر على القتل. فهذا من طبيعة الإنسان بالذات. عبثاً يقال إن الإنسان حيوان ناطق أو حيوان ضاحك أو حيوان عاقل… وآسفاه، هذا كلّه صحيح لكنه لا يمثل الحقيقة كلّها. فما يُنسى، أن يضاف أن الإنسان أيضاً حيوان يقتل أنداده الناس الآخرين نظراءه. وتعرف لماذا؟ لأنه إنسان ولأن الطبيعة شاءت أن يكون الإنسان هكذا… الطبيعة أو فلنقل الله».

«الخواجا»، من كلاسيكيات الرواية اللبنانية كما يصفها طعان، تتحدّث عن علاقات اللبنانيين في ما بينهم، في ظلّ الواقع الطائفي والحلم بالعيش المشترك في ظلّ سيادة الدولة. لبنان في الثمانينات من القرن العشرين والصراع المذهبي في أوجّه. يلتقي الطبيب الراوي في أحد ملاجئ بيروت بـ«الخواجا»، وهو رجل مسنّ لا مثيل له، هُجّر من دارته، وقد حمله تعلّقه الشديد ببيته على القيام بكلّ ما في وسعه ليعود إليه ويستعيده. فتنشأ صداقة بين الرجلين تحمل الوجيه على رواية قصته الفريدة والإفصاح عن المهمة المقدّسة التي أوكلها إليه القدر، فكانت له الحرب بالمرصاد.

تُدخلنا رواية «الخواجا» هذه، بإيجاز ورشاقة مستلهمين من روح قصص الشرق، عمق بلاد يرتسم فيها المستقبل عبر الماضي، بلاد يتجاور فيها مسيحيون ومسلمون ودروز من مسالمين ودعاة حرب، ويتآلفون ويتجابهون وهم يتداولون تباعاً أدوار الضحية والجلاد في حرب عبثية تافهة لا مبرّر لها. إنها رواية «العيش المشترك» بلا منازع.

«سيد بغداد»: تُرجمت هذه الرواية إلى عشر لغات، ويتمّ العمل عليها لإنتاج فيلم سينمائي. واكتسبت بعداً عالمياً، رغم أنها حوربت كثيراً. حيث أُصدر 4000 نسخة منها في عام 2006 التي بيعت جميعها خلال تسعة أشهرٍ، وقرّر طعان إعادة طبع الرواية نفسها. تواصل مع الناشر في فرنسا، والناشر لم يتجاوب مع طلب طعان. تتكوّن الرواية من 25 فصلاً وتتمحور قصّة الكتاب حول جندي أميركي اسمه «جيمي». والقارئ يواجه في هذا الكتاب رواية جنود يدخلون العراق ويظنون أن اجتياز بلد واحتلال أرضه أحسن الطرق لتحقيق «أهدافهم السامية».

تحكي «سيّد بغداد» عن الإسلام الحيّ الحقّ، يخاطب الغرب بلغته، وهو من أقوى الدفعات العربية لحماية الهوية العربية في ظلّ محاولة الغرب تشويه الحقيقة ومحاولته نشر رسالة مسيئة عن الإسلام، أي الظلامي الأسود.

خلال كتابته حاول طعان مخاطبة العقل الغربي بقصة مثيرة تشدّ، لكنها مُنعت لما فيها من عوامل توصلها إلى العقل الغربي وتصنع منه جمهوراً له رأي محاذٍ للحقائق. نشرت طبعتها الأساسية بالإنكليزية، ثم ترجمت إلى العربية. وتميّزت لغتها بالبساطة، فيما سيطرت على أحداثها الوقائع التاريخية واستعادة ما جرى في الفتنة الكبرى.

معاناة الرواية في لبنان ذات وجهين، الأولى، اعتيادية المواضيع، إذ لا جديد فيها، ولا خلق أو إبداع، الثانية الركاكة والابتعاد عن التشويق في السرد حسبما يقول طعان لـ«البناء».

يشير طعان إلى أن للسرد الروائي والسرد السينمائي مميزاتهما الخاصة بهما، حتى وإن التقيا في الكثير منها، ذلك أن السرد الروائي باعتماده على اللغة المكتوبة وحدها، يستطيع الكاتب، أن يشخّص الحياة النفسية للشخصيات الروائية تشخيصاً داخلياً عميقاً، اعتماداً على تقنية المونولوج، في حين أن السرد السينمائي لا يستطيع فعل ذلك، إنما يكتفي بالقبض على الصورة وهي تتشكّل خارجياً، من خلال تعبيرات الشخصيات الإشارية التي يمنحونها لملامحهم.

رواياته كلّها تمثله، أي أنه يظهر بطريقة أو بأخرى بقلمه أثناء الكتابة. و«سيّد بغداد» هي الأقرب إلى ذاته.

ويرى طعان أن الحبكة والسرد السلس من أهم عناصر الرواية، في حين يعتبر نفسه راوياً لا أديباً، من خلال ابتعاده بشكلٍ ملحوظ عن الفذلكات الإنشائية بالعربية والفرنسية، ويكتب القصة كأنه يسرد أحداثها لطفلٍ صغير كي ينام.

يجري العمل اليوم على خمس روايات لطعان كأعمال سينمائية، بين لبنان وفرنسا وإيران وأميركا. كما أن طعان لم يعد يزاول مهنة الطب وتفرّغ للكتابة أكثر وأكثر. خصوصاً أن كتاباته تتطلّب منه الوقت والجهد أكثر من قبل.

2017-09-26