كلمات من دفتر الاحوال ..((5
كاظم الموسوي
ما لا يمكن نسيانه جرح صديق او من هو بمنزلته لك دون سبب حقيقي او مبرر مقبول. ويظل هذا الجرح مؤلما حتى لو اندمل ظاهريا، كما هي اثاره الباقية مهما تغطت بالمساحيق والعلاجات التجميلية. او مر زمن طويل عليه.. لاسيما إذا كان في موضوع حساس او قضية مبدأية.
وجرح الصديق تجاوزا قد لا يكون بسكين حادة جارحة، او بخنجر قاتل، والاغلب يكون بكلام أمضى من السكين او الخنجر، خاصة اذا كان مستندا على تلفيق كذبة لغاية في نفسه أو ترويج إشاعة طلبت منه، بأمر او بتوصية من جهة تأمره وهو مطيع لها دون سؤال او استفسار، ومعروف عنه التزامه القطيعي في كل شيء. فكيف إذا كان من ذاك المصدر الآمر له. والانكى أن ما يبثه ليس هينا او عابرا، وليس عاديا او سهلا. ونحن نعيش في بلد ومجتمع مازالت التقاليد الاجتماعية التقليدية سيدة فيه، والجهل والأمية متحكمة باطنابه. ويصبح الخبر السيء عنده مثل كل الاخبار الاخرى المتداولة، او اكثرها، في النقل والتبادل، دون حساب او مساءلة مع النفس اولا ومع الموضوع والصديق ثانيا ومع الضمير في كل الاحوال.
استل كاتب مقدمة كتاب المفكر علي شريعتي ” مسؤولية المثقف” من كتاب لشريعتي عن حياته، ما يلي: “الرجل الصالح لا يتركه الزمن ولا تتركه الحياة لوحده، فحياته تدافع عنه، والزمن يبرؤه، ولا يتمكن الانذال من أن يدنسوا الطاهر من الرجال، مهما رموه بحجر، او أطلقوا عليه من كلاب”. وحين قرأت النص المنقول لصاحبي وذكرته بقصته مع صديقه او جماعته، متحفظا على بعض المفردات، ابتسم وقال هذه اقل ما يمكن أن تقال بحقه وبهم، فان ما حصل اكثر من حجر وما قام به هو والانذال و”كلابهم” اكبر من هذه التي تقول او قيلت هنا.
كان مترددا في البوح، ولكن السؤال لابد له من إجابة، فذكر أنه كان في زيارة اصدقاء دعوه الى مقهى يلتقون فيها كل يوم خميس، ولبى الدعوة وحضر واستقبل بالقبل والسلام والترحيب الحار، ومن بينهم ذلك الذي كان يوما ما صديقا او “رفيقا”، تعرف عليه ايام حرب الانصار الشيوعيين في كردستان العراق، أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ولقاءات في أكثر من منفى واستقبله مثل غيره بكل تقدير ولم يكشف عن ما في داخله من غل وحقد وغرض دفين. كان أحد الأصدقاء بين الحضور هو الداعي الرئيس وكان رغم الأجواء الاعتيادية والترحيب والنقاش العام وتبادل الآراء كالعادة في ابرز ما حصل وجرى في تلك الايام، كان ذاك الصديق قلقا وغير مرتاح، وبعد الخروج من المقهى وتوديع الجميع، لفت الإنتباه فلابد من سؤاله، وحاول أن يحفظ ألمه، لكنه انطلق وشرح السبب، قائلا: أن ” الكلب” ساءلني واغتاض من دعوتي لك، متهما اياك بتهمة وزعها هو وجماعته بأنك كنت تزور السفارة العراقية في موسكو، ايام دراستك نهاية السبعينات، في زمن معارضة الحكم، ولا يرغب باللقاء بك هنا، ولم يظهر مثل هذا الامتعاض في التقبيل والاستقبال. وسألت لماذا لم تقل ذلك حين كان معنا لأرد عليه واوضح القصة له وللمشتركين معه في التشكيك والاشاعات والتشويه الذي يدخل في أكثر أبواب النذالة والحقارة والخسة وكل المفردات المشابهة او المرادفة لهذه الكلمات، وللاسف انها لا تجتمع مع التاريخ والنضال وملاحم البطولات، التي غابت عن ذاك الكلب وامثاله من الانذال، والذين يعرف الجالسون، وغيرهم، أنه وافراد من عائلته الصغيرة كانوا اكثر من خدم رخيصين للسلطة الفاشية، ولدى بعض الرفاق الأحياء وثائق عن دور لهم وذويهم في استشهاد شيوعيين في التعذيب بسبب وشايتهم والمشاركة في كشف ارتباطاتهم الحزبية حين كانوا معهم في التنظيم. للاسف الانسياق هذا، وهذه تهمة سياسية وأخلاقية مركبة، ليست بسيطة في أي معيار لها، ولا يمكن تجاوزها لهذا اصبح الجرح فاغرا فاهه، ويتطلب تطمين صاحبي عنه، واسكات امثال هؤلاء الكلاب من التعيش على التشويه والإساءة لاي انسان، دون دليل او اثبات، والاعتماد على الاشاعة والحسد والحقد واوبئة الفشل والخسران والتهرب من المهمات الأكبر والاستعانة بهذه الصغائر التي لا تنفعهم بشيء ولا تعفيهم من التحسب والتدقيق في التصدي لأي خطر قاصم لبنائهم الذي يزعمون. لاسيما وقد تهدم الاتحاد السوفيتي واستولي على وثائقه، وكذلك حصل مع مبنى السفارة العراقية، وما كشف منها فضح جماعته الانذال ولم يأت ذكر لك، ولو حصلوا عليه لما خرسوا ولنشروها واعادوا نشرها الى اليوم، لا كما تستروا على جماعتهم، الذين وردت أسماؤهم وأعمالهم.
عدت لصاحبي بعد أن عرفت “جرحه” شارحا له ما ذكرت، ومستذكرا نصا لرفيق سوري شيوعي ايضا نشره رسالة مفتوحة بعد أن اعتذر الحزب وزعيمه منه ومن تصرفهم معه واعلنوا خطأهم وتبرئته من كل التهم التي كانوا قد وجهوها له وكالوها دون حساب، وجمدوه من عضويته للحزب وموقعه القيادي، وكان الأبرز فيها هو التسابق في كيل الشبهات والرضا بها أو باشباهها، وتقبلها من قيادة تزعم حديديتها وثوريتها. انها ماساة فعلية ولكنها حصلت وتكررت ومازالت، لاسيما سيادة روح القطيع واستئثار القيادة بموقعها او بمواقعها ومصالحها الفردية والعائلية. وسماها الرفيق السوري ساخرا في رسالته “رد اعتبار بعد فوات الاوان”، ولكن للتاريخ لابد أن تكشف الأوراق.
اختراق الأحزاب والتأثير في قراراتها وسياساتها معروف في التاريخ السياسي وليس جديدا، ولكن الأمر المهم فيه هو دور القيادة في حماية أحزابها وامنها وباساليب رصينة ومتبعة واصبحت مسجلة في مصادر ومراجع متعددة. والحذر في أي إجراء يشكل ام القضايا التي ينبغي أن يتصف بها القيادي، والقرار المتخذ بها اهم ما تعرفه به، والحكمة فيه أساس مهم، والعدالة والقانون والاحترام تبقى من المبادئ الرئيسية لان اثار القرار خطيرة وسمعة الرفيق والحزب الأبرز فيها. حيث يجب الابتعاد عن صناعة الخصوم والاعداء من الرفاق والمضحين المخلصين للحزب وأفكاره وكفاحه، بذات القدر من كشف الخصوم والأعداء الحقيقيين.
كيف تداوي ألم الرفيق، صاحبي، بعد هذا وتضمد جرحه؟، وهو يرى أن أغلب من جاء من بعده، من (هم) اصحاب القيادة، امثال ذلك صاحبهم، وان اخبار الاغلب فيهم لا تسر الناظر او السامع. والجرح عميق والحزن شفيق. اجل.. ارتكب بحقه خطأ، او خطيئة ولابد من التصحيح. وليس وحده وفقط، القضية اوسع والجراح أعمق..
قلت له وما العمل؟، ألم يقل لينين عن أخطاء الحزب وجدية القيادة ما يكفي ويوضح الامر، ماذا تفعل اذا (هم) لا يقرأون لينين اليوم؟!. قال لينين: “موقف الحزب السياسي تجاه أخطائه يمثل واحداً من المقاييس الأكثر دقة في تقييم جدية وإخلاص هذا الحزب، وكذا أمانته في التزاماته تجاه طبقته. التعرف بصراحة على الخطأ، التأكد من الأسباب التي أدت إليه، تأمين طريق تصحيحه – تلك هي السمات المميزة للحزب الجاد، والتي هي كيف يمارس دوره ويؤدي واجباته، وكيف يجب عليه تثقيف وتدريب طبقته، ومن ثم الجماهير”. فأين الحزب واين العبرة والاعتبار؟!.
وهو حزين، قال، كم مرة اذكرك بقول الامام علي: اذا غشك صديق فاجعله مع العدو.
فقلت له، ألم يقل ايضا: اذا سكت اهل الحق عن الباطل، توهم اهل الباطل أنهم على حق.
‎2017-‎09-‎24