حروب ” تغيير الانظمة ” قادت إلى خلق الأزمة الكورية ؟

بقلم : روبرت بيري
5 أيلول/2017
ترجمة : د.إقبال محمدعلي

“جريمتا الحرب اللتان ارتكبتهما الولايات المتحدة في ليبيا و العراق و البشاعة التي تم بها قتل رئيسَي كلتا الدولتين ما زالت متواصلة ، لتأخذ مجراً سياسياً مخيفاً ، لرفض كوريا الشمالية ،طلب الحكومة الامريكية التخلي عن ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل ،كي لا يتكرر معها ما حدث في العراق و ليبيا” .روبرت بيري
التاريخ يُعيد نفسهُ
تشن وسائل الإعلام الأميركية ، كعادتها، حملة إعلامية شعواء ضد زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون متهمةً إياه بالجنون ،لرفضه التوقف عن تطوير سلاحه النووي و الصواريخ الحاملة للقنابل. ان سبب اتخاذ الرئيس كيم مثل هذ الموقف المتصلب إتجاه الولايات المتحدة هو حروبها العدوانية المتواصلة لكل من لا يرضخ لإرادتها، ولعدم نزاهة وعودها .
قد تنتهي الأزمة الحالية لكوريا الشمالية إلى مقتل الملايين من البشر ،لأنها كما يبدو، تكملة لمسلسل حروب الاحتلال الإمريكية التي افتتحها جورج دبليو بوش بغزو العراق، و اكملها باراك أوباما بإحتلاله ليبيا .جاءت هذه الحروب بعد ان تخلى رئيسا كلتا الدولتين عن تطوير برامج اسلحتهما الخطرة لتصبحا عاجزتين في الدفاع عن ارضهما ، ان قررت الولايات المتحدة احتلالهما ،يوما ما. استغلت الحكومة الامريكية نفوذها على الأعلام العالمي، لبث الأكاذيب عن هذين النظامين المستهدفين ، لتبرير إحتلالهما ، مستقبلاً . واخفق المجتمع الدولي في فعل شئ ،لدرء مثل هذا الاعتداء. وما زلت شخصياً ، اتذكرالفظاظة التي تم فيها قتل الرئيسين، صدام حسين و القذافي: الأول تم تعليقه و إعدامه والثاني حشرت مجموعة من الرعاع السكين في مؤخرته.
الحجة التي روجها المحافظون الجدد لإحتلال العراق كانت ، لحماية العالم من اسلحة الدمار الشامل المزعومة . وكانت حجة الحزب الديمقراطي غزو ليبيا ، خرقها لحقوق الانسان . اليوم، هناك احتمالات كبيرة بتحالف هذين الحزبين ، لتأجيج و إشعال الأزمة الحالية المخيفة بشأن كوريا الشمالية التي سيكون ضحيتها الملايين من البشر في كوريا الجنوبية ، اليابان، كوريا الشمالية و مناطق أخرى من العالم ،بسبب أسلحة الدمار الشامل التي ستهطل عليهم كالمطر من كوريا الشمالية أو الولايات المتحدة . على خبراء السياسة الخارجية في واشنطن الذين يختلفون مع نهج ترامب المتقلب العدائي، ان يمعنوا النظر في المرآة ،كي يتذكروا ، مدى اسهامهم في خلق كل هذه الفوضى وما ترتب عليها من عواقب وخيمة بغزوهم ليبيا .كما ان علينا اليوم ، ان نتذكر، مدى التحمس لخطابات بوش بشأن ، “الحروب الاستباقية” التي لا تمتلك %1 من الصحة ، حين وصف العراق ،” بالدولة المارقة ” وكيف ستقوم مستقبلاً، بتزويد العناصر الارهابية بأسلحة الدمار الشامل. و علينا ان نتذكر أيضاً ، هيلري كلينتون التي كانت مهووسة بترويج سياسة “الإدارة الفطنة” في خطاباتها، التي انتهت، بإقناع الحكومة الامريكية “تغيير النظام”في ليبيا.الكل يدرك جيداً ،ان هذه الحروب بُنيت على أكاذيب. فلم يكن لدى العراق خزين من اسلحة الدمار الشامل كما إدعى بوش ولم تَقُم ليبيا بقتل المدنيين في المناطق الواقعة شرق البلاد، كما إدعى أوباما و التحقيقات التي جرت بعد الغزو ، نفت تخريفات بوش بشأن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، كما البرلمان البريطاني أعلن في ختام تحقيقاته : ان حكومات الغرب حرفت الاحداث بشأن ما جرى في شرق ليبيا ،لأن قوات القذافي استهدفت المتمردين، لا المدنيين .ان مساعي تقصي الحقائق جاءت ، متأخرة جداً ، ولم تكن ذات نفع لا لصدام حسين ولا لمعمر القذافي ولا لدولتيهما اللتين اصبحتا ضعيفتين مفككتين و تعرض مواطنوها لمجازر الذبح و القتل الجماعي على يد الولايات المتحدة، الرأس المدبر للغزو . لم تجرِ أية مساءلة قانونية لبوش أو أوباما لجرائم الحربين ، بل العكس ،كوفئ كلاهما بدورتين رئاسيتين .و لم يعاقب أي من مستشاري بوش الكبار و رشح الحزب الديمقراطي هيلري كلنتون لمنصب الرئاسة عام 2016.
وسائل الإعلام السائدة في الولايات المتحدة ،كانت البوق لتبرير تلك الغزوات. صحافيو الأمس، دعاة الحرب يواصلون مآثرهم اليوم ، لتأجيج الرأي العام ضد كوريا الشمالية .تناسوا سلوك المهنة و إستمروا بالكذب لتحريف الحقائق و الوقائع حين كتبوا :يقع اللوم ،كل اللوم على صدام حسين لتظاهره امتلاك اسلحة دمار شامل و ضربوا عرض الحائط التقرير المفصل ، الذي قدمه العراق للأمم المتحدة : ” قدمت الحكومة العراقية ، تقريرا مفصلا من 12 ألف صفحة إلى الأمم المتحدة في كانون الأول، 2002 ،عن تفكيك و تدمير أسلحة الدمار الشامل “. ماذا فعلت صحافة الحرب ؟ واصلت زعيقها و تجاهلت، بل وسخرت من المعلومات الدقيقة التي قدمت إلى الأمم المتحدة و مجلس الأمن الدولي .
إستشراء الكذب
الأكاذيب المستشرية المستمرة من قِبل الحكومة الامريكية ووسائل إعلامها المهيمن،كانت من العوامل التي ساعدت في تأجيج الأزمة ضد كوريا الشمالية اليوم .ولا اعتقد ان أي كائن يمتلك ولو ذرة من العقل ، يثق بالضمانات التي تقدمها الحكومة الأمريكية . الأعلام الأمريكي السائد هو المؤسسة الوحيدة التي تثق و تصدق أكاذيب و تلفيقات الحكومة الأمريكية !. علينا ان نتذكر ما قاله جورج بوش في خطابه عام 2003عن الخزين النووي لكوريا الشمالية الذي كان تحت عنوان ( تحالف الشياطين) الذي كان يقصد به، العراق و إيران اللتين كانتا ( متعاديتين) آنذاك، و ربط إسميهما بكوريا الشمالية . مما حدا بكوريا الشمالية إلى الإنسحاب من اتفاقياتها السابقة بشأن الحد من تطوير سلاحها النووي وبدء التفكير بصنع قنبلة نووية : ” ان أية دولة تطالبنا التخلى عن تطوير برنامج اسلحة الدمار الشامل عليها ، ان تقوم بالمثل “. العراق و ليبيا ، تخلتا، تجنباً للغزو الأمريكي. لم تجدِ، مساعي الحكومة العراقية في إقناع المجتمع الدولي بأنها ستفي بكل التزامتها بشأن التخلص من أسلحة الدمار الشامل وسماحها لمفتشي الأمم المتحدة دخول اراضيها للبحث عن السلاح ،بأي نفع . إذ أمر بوش بإيقاف التفتيش عام 2003 ، وضربَ العراق مستخدماً ستراتيجة ” الصدمة و الترويع “التي ادت إلى ،سقوط نظام صدام حسين ،ثم القبض على الدكتاتور و اعدامه.
مبادرات القذافي
ليبيا : سعى القذافي إلى الإمتثال للمطاليب الدولية بشأن ترسانة اسلحة الدمار الشامل، واعلن في الأشهر الاخيرة من عام 2003، تخليه عن برنامج تطوير الاسلحة غير التقليدية و مشروع السلاح النووي الوليد .كذلك حاول القذافي تخليص ليبيا من الحصار الأقتصادي وتحميل نفسه ضرب طائرة أي إيم 103على الأجواء الأسكتلندية و استمر هو وحكومته على نفي علاقتهم بالحادث الأرهابي الذي أدى إلى مقتل 270 شخصاّ .. لكن هذه الجهود ، لم تساعده في إعادة علاقاته مع الغرب . ضرب و قمع القذافي إنتفاضة ميليشيا الأسلاميين على ابواب بنغازي ، كانت الحجة التي استخدمتها هيليري كلينتون للتدخل العسكرية ضد ليبيا بالتعاون مع بعض الدول الأوربية للقضاء على نظام القذافي وإحتلال ليبيا . وافق مجلس الأمن الدولي على خطة تقديم المساعدات الأنسانية وحماية الناس في المناطق المحيطة ببنغازي ، لكن حكومة أوباما وحلفاءها الاوربيين إستغلوا الوضع لإمرار مخططهم” تغيير النظام في ليبيا “.
طَرَبت شخصيات مهمة في محطات الأنباء الامريكية كأندريا ميتشل للحرب بدعوى ان يد القذافي ملوثة بدم ضحايا طائرة البان- امريكان ،وانه اقر بمسؤوليته عن الحادث رغم النفي المتواصل لحكومة القذافي ،علاقتها بهذا الحادث .و تعتبر محاكمة عبدالباسط المقراحي، واحدة من المهازل القضائية على الصعيد الدولي . لم يجرؤ الغرب و ليومنا هذا، مساءلة قطعان الاعلام الامريكي، عن الجرم الذي اقترفته ليبيا .في تشرين الثاني 2011 ،ألقى المتمردون القبض على القذافي في مدينة سرت وتم تعذيبه و إدخال السكين في شرجه . شعر مساعدو هيلري كلنتون ان من واجبها الاحتفاء على الملأ بنجاح خطتها السياسية في القضاء على القذافي . في مقابلة تلفزيونية معها، قالت بضحكتها الصفراوية الساخرة : جئنا؛شهدنا؛ و مات .ولكن شبح تحذيرات القذافي بصدد الأسلاميين الإرهابيين عاد ليطاردها عام 2012 عندما هجموا على السفارة الامريكية الذي أدى إلى مقتل السفير كرستوفر ستفن و ثلاثة آخرين من مستخدميها. فشلت تحقيقات حزب المحافظين في اتهام كلنتون بلإهمال ، لكنهم استطاعوا ان يصلوا لبريدها الألكتروني الشخصي ليجدوا انها ارسلت عن طريقه ، رسائل رسمية ذات خصوصية لوزارة الخارجية، مما دعا مكتب التحقيقات الفدرالية إلى أن يفتح تحقيقاً معها بهذا الشأن. هذه التحقيقات، أضرت بترشيحها عام 2016 لمقعد الرئاسة .
تعلم الدرس
نعود إلى كوريا الشمالية ثانيةً : تشير الكثير من المصادر إلى ان الدكتاتور الشاب كيم جونغ أون ،تعلم من التاريخ . الرئيس كيم و مستشاروه كانوا واضحين في انهم : لن يتخلوا عن اسلحتهم النووية الصغيرة وكل حديث حول هذا الموضوع غير قابلٍ للتفاوض ، لأن الولايات المتحدة غير مأمونة الجانب و لم تف بألتزامتها في حالات مشابهة ، حين تخلى بعض القادة عن ترسانة أسلحتهم وفقاً للقوانين الدولية ،إلا انه تم احتلالها و قتل رؤوسائها بطريقة مقززة ، شنيعة لم تعرف الرحمة .
عالمنا اليوم في مأزق، بسبب الرئيس ترامب الذي تعوزه الخبرة والدراية علاوة على عدم قدرته على مواجهة مخلفات الرئيسين السابقين مما زاد الطين بلة . ترامب يهدد بإشعال الحرائق في كوريا وضربها بالقنبلة الذرية ان لم ترضخ لمطاليبه .كوريا الشمالية بدورها ، اقسمت ، ان ترد عليهم بالمثل .مما يعني ان الملايين من البشر في شبه جزيرة كوريا الجنوبية ،اليابان و مناطق اخرى في العالم سيصبحون، ضحايا هذه الحرائق المدمرة ، كما وستحدث خلخلة كبيرة في الأقتصاد العالمي، لما لهاتين الدولتين من قوة و تأثير على الصناعة الثقيلة و سوق الاستهلاك العالمي. ان حصل هذا فعلاً : ستقوم الحكومة الامريكية و الاعلام السائد بإلقاء اللوم على الرئيس كيم و إتهامه بالجنون ، وانه هو، من جلب هذه النهاية الكارثية لنفسه. وسيتهم الحزب الديمقراطي ترامب ،لإخفاقه في إستخدام الطرق الدبلوماسية لحل المشكلة . ان نخبة صانعي السياسة في واشنطن من جمهوريين و ديمقراطيين و وسائل الاعلام الامريكي المهيمن، يتقاسمون اليوم، ذنب كل ما يجري من احداث .

By Robert Parry

September 05, 2017 “Information Clearing House
‎2017-‎09-‎19