من اشتراكَ باعكَ !!

ثريا عاصي

من غرائب هذا الزمان العربي الرديء أنك تسمع تصريحات وأخباراً تنم عن ذهنية  حكام يسمحون لأنفسهم بأن يضربوا المنطق عرض الحائط.  
خذ إليك مسألة استعداد لبنان الرسمي، لأن يتحول إلى منصة لإعمار سورية، بعد أن كان بحسب رأيي منصة للـ«معارضات» السورية، بالإضافة إلى منصة للحرب على سورية، تدعم هذا القول الأدخنة التي ما تزال تتصاعد من قمم السلسلة الشرقية ومسيرات تشييع شهداء الجيش اللبناني الذين اختطفوا ثم تمت تصفيتهم، ولم يتفق اللبنانيون على تجريم  القاتلين!
 هل نفهم من الإعلان عن التحضير لمنصة لبنانية لإعمار سورية، انه سيكون لكل منصة من منصات «المعارضة» السورية، منصة لإعمار سورية، وبالتالي لكل معارضة مدينة أو منطقة، أو مستعمرة  في سورية ؟ منصة إعمار عثمانية، منصة أميرية قطرية، منصة ملكية سعودية، منصة مصرية، ومنصة أطلسية ! بكلام آخر هل سيكون لكل دولة من الدول التي ساهمت في «عملية الإرهاب الإسلامي» في سورية منصتها للإعمار؟!
من البديهي أن هذا السيناريو الخيالي، العبثي، يفترض «حلولا سياسية»، بصيغة الجمع، تلائم أصحاب كل منصة. وبالعودة إلى منصة الإعمار اللبنانية في سورية، التي يروى أن البحث في موضوعها قد بدأ  مع الروس، فإن مجرد ذكرها يرجع أمام المراقب ملف الحرب اللبنانية التي رافقتها منصة إعمار لبنان تحديداً تحت إشراف الحريرية السياسية. فحرب لبنان كما هو معروف كانت دموية إلى درجة عالية ومدمرة على نطاق واسع.
يحسن القول هنا خطة الحريرية السياسية  لم تقتصر في الحقيقة على لبنان وإنما  كانت تشمل أيضاً سورية، بدليل أن كثيرين من أركان الدولة في سورية إنخرطوا فيها كما كشفت عن ذلك في ما بعد إنعكاسات  غزو العراق على الساحة اللبنانية!

 

وأغلب الظن ان الحروب اللبنانية التي سبقت وقوع الفاجعة العراقية، كانت الغاية منها هي التمهيد لهذه الأخيرة وللفاجعة السورية أيضاً التي تدور فصولها منذ استهلال ما يسمى بالربيع العربي. وتوخياً للدقة والوضوح، يمكننا القول أن غزو لبنان وإحتلاله سنة 1982، كان متمماً للصلح الذي أبرمه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات مع المستعمرين العنصريين الإسرائيليين. الذي أخرج مصر من ساحة العمل العربي مفسحاً المجال أمام الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية، التي وافقت على الأرجح على انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية اللبنانية، كما رغب بذلك الإسرائيليون الذين كانت دباباتهم في شوارع العاصمة بيروت هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فإن أجواء الانسحاق العربي التام، التي نتجت عن  هذا كله، كانت ملائمة إلى أبعد الحدود لإنطلاق السيرورة التفاوضية بين المنتصر، المستعمر الإسرائيلي وبين  المتعاونين اللبنانيين حيث أسفر ذلك عن إتفاقية 17 أيار 1983.
 من المعلوم أن اللبنانيين، كالعادة، لم  يتوافقوا على تطبيق هذه الإتفاقية، أي أن إنقسامهم التقليدي القديم، حال دون تبني هذه الإتفاقية. فاستعاضوا عنها باتفاقية أخرى، سلموا بموجبها جميع أوراقهم إلى المملكة السعودية التي كانت في نهاية المطاف، الرابحة الأولى على الساحة اللبنانية، توج ذلك اتفاق الطائف في أيلول 1989.  
 
مجمل القول أن الإتفاق السياسي، بين الأطراف اللبنانية، الذي تبلورت معالمه في مدينة الطائف السعودية فتح جميع الأبواب أمام «منصة الإعمار» اللبنانية، التي راحت تعمل بحرية تامة موظفة أموالها الطائلة وعلاقاتها الواسعة، لبنانياً وسورياً وعربياً ودولياً، إلى حد أن المشرفين على إدارتها توهموا أن الأمر لهم، وأنهم  جزء من الحاكمية المعولمة .
ولكن إغتيال الرئيس رفيق الحريري، أوقف  من وجهة نظري هذا الجموح . ولكنه سمح بطرد السوريين من لبنان، أكاد أقول «نفي  السوريين»، مثلما نفيت قبل ذلك الفصائل الفلسطينية إلى تونس، ومثلما استغل الإسرائيليون الظروف في سنة 1982 فدخلوا مخيمي صبرا وشاتيلا حيث ارتكبوا مجزرة رهيبة، بحجة تصفية بعض الناشطين الفلسطينيين، شنوا بعد ترحيل السوريين في 2005، حرباً مجنونة على  المقاومة الإسلامية اللبنانية. ولكن هذه الأخيرة استعصت على الكسر. فكان لا بد من تدخل «منصة الإعمار» الأميركية القطرية، حتى لا تظهر بوضوح فضيحة التواطؤ بين الخليجيين من جهة وبين الإسرائيليين من جهة ثانية، بقيادة المايسترو الأميركي طبعاً.
الصفح عن الجرم، كمثل الهزيمة في بلاد العرب، يمحوها المال ويبدلها بعكسها. هذا النفاق يمارس بوقاحة لا حدود لها في قطاع غزة. هناك تتوالى حروب الإبادة  التدريجية بالتلازم مع استعراضات «منصات الإعمار « الخليجية. كلما ذكر ممثلو التيار السعودي في لبنان، أولياء نعمتها، ذكّروا مملكة الخير، التي كانت  ترسل مواد «الإغاثة» كلما كان الإسرائيليون يجبرون أهل الجنوب على النزوح . هؤلاء أنفسهم شكروا إمارة قطر بعد حرب تموز 2006، فغيرهم المتعاونون  مع المستعمرين! هكذا هم مرضى العصبية وأصحاب الكيد.
عندما يتحدث التيار السعودي في لبنان عن «منصة لبنانية» من أجل إعمار سورية لأن ذلك يعيد إلى الأذهان الشروط التي  يجب أن تتوافر في البلاد حتى يهرع إليها أصحاب منصة الإعمار السعودية.