(البحث عن الأمل وسط كل هذا الخراب)

أحمد الناصري


التاريخ ومقدمات الخراب
(مقاربة حول علاقة الحاضر بالماضي).. منطقتنا نموذجاً
يشكل التاريخ السابق بتقاليده وغموضه وثقله ومفاهيمه بشكل عام، مقدمات متسلسلة وفعالة ومتراصة، تؤثر في خلق وتحديد الحاضر، عندما لا يجري تجاوزه، والدوران في كهوفه ودهاليزه والتعفر بغباره الخانق. والتاريخ لا يعمل بشكل ميكانيكي جامد ودائم، لذلك لا يمكن إسقاط الماضي على الحاضر بشكل تعسفي أو إجباري، أو استدعائه بطريقة إرادوية ضيقة، لتحقيق هدف أو إثبات فكرة معينة، مهما كانت صحيحة أو صادقة وجميلة، في المجالين الفردي والعام.
علينا النظر للأفكار والأدوات والأحداث التي أدت الى تكريس حالات تاريخية معينة، وتحديد المنهج الذي فرضها لقرون طويلة، لم يجر الفكاك من نتائجها حتى الآن، خاصة ما يتعلق بحالة الانحطاط والتخلف في المنطقة العربية، وأقسام من المحيط الإسلامي، وأسباب هذا الارتداد والتخلف والتدهور والانحطاط، وكيفية اقتراح مشروع نهضوي ناجح، يساهم في تكوين الحداثة التاريخية، للدخول في المستقبل الطبيعي لسير التاريخ والحياة، بمعالجة مشكلة القطيعة والانقطاع (التوقف) عن الحياة الإنسانية الطبيعية كقضية تطور!.
فلو تابعنا المراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة العربية، وبعض المحيط الإسلامي، منذ سقوط بغداد على أيدي المغول، باعتبارها مرحلة تحول (انقطاع وقطيعة ) نوعي تاريخي، تمثلت بتوقف مرحلة التقدم والتطور السابق، بالمقاييس (الإمبراطورية) العالمية آنئذ، وحلول مراحل الانحطاط والتأخر السائدة الى اليوم، فإننا نرى بدقة ووضوح، فساد الفكر والعقل كمقدمة لنشوء وتأسيس هذا الخراب واستمراره، في ميادين المجتمع والدولة، وتراجع وتوقف الفكر الفلسفي خاصة، عن المشاركة والإنتاج العقلي، ثم توقف هذا الفكر الفلسفي ومواته، بعد موت بن رشد في سنة (1198 م) ومن ثم موت بن خلدون سنة (1406 م)، وعدم إحياء واستكمال منهجه التاريخي – الاجتماعي، الذي يعد فتحاً منهجياً جديداً، في دراسة تاريخ المجتمعات والحضارة وأسسها الاقتصادية والعمرانية، فيما كانت بغداد قد تراجعت وفقدت مؤسساتها العلمية والثقافية والأدبية، كمقدمة وشرط لتسهيل عملية سقوطها التاريخي.
فمنذ ذلك التاريخ لم يظهر فلاسفة في المنطقة العربية، ولم تظهر مدارس فلسفية كبيرة وهامة، وتراجعت العلوم الدينية والاجتماعية والطبيعية، كما تراجعت اللغة، لارتباطها الوثيق بالعملية الفكرية والنشاط الإنساني، ونمط حياة الناس وسلوكهم، والدورة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بكل إشكالها وطبقاتها ومراحلها، وكتعبير عقلي اجتماعي عن لحظة الوعي العام. واللغة مؤشر دقيق وحساس عن كل ما يجري في محيطها وفي داخلها، وهي حامل وكاشف للآداب والفنون والعلوم.
وكنتيجة طبيعية لهذا التوقف والخراب العقلي والمعرفي، تكرس الانحطاط الطويل والعميق، وساد السبات والظلام والركود، في جميع المدن والمناطق والحواضر، وفي جميع المجالات، وانعكس مباشرة على حياة الناس ومستواهم، الذي بدا بدائياً ومشوهاً وخاملاً، وسادت حالات التقوقع والمحلية، والشح والاكتفاء الذاتي بالقليل والمحدود، نتيجة لتخلف وسائل وأدوات الإنتاج، الذي أدى الى تدهور الإنتاجية ورداءتها، وتراجع الرفاه والرخاء العام، الذي يوفر بدوره مناخاً للاستقرار المجتمعي وللتفكير المتطور.
لقد توقفت المنطقة العربية وتراجعت وأصبحت مثل اوربا المتراجعة منذ قرون طويلة، وفقدت هذه المناطق منطقها ووعيها الخاص والتاريخي، واختلطت عليها وفيها المفاهيم، التي أصبحت عائمة وغير محددة، لا تؤدي الى المقاصد والغايات الصحيحة أو المطلوبة. لكن في تلك الفترة المشتركة والمتشابهة في خرابها العام، تحركت أوربا، وأفاقت رويداً رويداً، عبر الفن والتشكيل والعمارة والترجمة والرحلات والانفتاح على الآخر، وبما تركته تجربة الأندلس من بقايا فكرية وعمرانية بالغة الأثر والتأثير والوضوح، رغم قسوة وهمجية محاكم التفتيش، لتكوين ذوق عام عالي، وحالة اجتماعية تنتج وتستقبل الفكر الفلسفي المعقد والمجرد، الى جانب التلمس التدريجي للعلوم الاجتماعية والطبيعية، وهكذا استطاعت أوربا، أو العقل الأوربي تحديداً، أن يتمرد على السائد ويكسر المفاهيم التقليدية، الخاطئة والبطيئة، او غير المكتشفة، لذلك بدأ يكتشف ويرتب مفاهيمه الجديدة، ويتخلص من السائد القديم، واستطاع العقل التنويري الجديد، أن يضع أسس النهضة الأوربية، التي أطلقت الحداثة، وغيرت وجه التاريخ، وبنت حضارة كبيرة، ساهمت في تغير المسار الإنساني، رغم ما رافق هذه العملية التاريخية من أفكار وممارسات لا إنسانية خطيرة، خارج القارة وداخلها أيضاً.
ولكن ماذا حصل في منطقتنا العربية؟ ولماذا لم تحقق مشروعها النهضوي الخاص؟ وكيف يمكن لنا تجاوز القطيعة التاريخية، وحالة الارتكاس الراهنة والطويلة؟
طبعاً من البديهي أن نقول، إن منطقتنا لم تكن مرتبطة زمنياً بالحالة الأوربية، ولم تكن تمتلك نفس الشروط والمواصفات، التي بدأت تتشكل هناك، لذلك لم تكن تواجه نفس الأسئلة أو نفس المهمات، وسوف لن تلتقي بالنتائج أيضاً، لأن التحرك والحراك والتحول التاريخي الأوربي له أسسه وشروطه الخاصة، التي اعتمدت على عقل ومنطق جديدين، أزاح وأطاح بالمفاهيم البالية القديمة، المتمثلة بسلطة الكنسية والنمط الاقطاعي، وعقلها الذي تحجر آنئذ، ودخل في تصادم كامل مع الواقع والمتطلبات الحياتية.
التطابق الزمني بين المنطقتين (المكانين) غير مطلوب، ويبدو إسقاطاً إجباريا على حالتنا وواقعنا المحدد، التي لم يتأسس فيها فكرها الخاص. فقد ظل العقل مغيباً وبطيئاً، بل ملغياً في أحيان ومجالات كثيرة، وظلت المفاهيم المتهرئة والخاطئة، هي السائدة، وهي التي تقرر كل شيء في حياتنا الخاصة والعامة، وبقي التعليم محدوداً وغير مؤثر وغير منتشر، بل كان ينتج ويساعد في إنتاج الجهل والتجهيل، من خلال غياب منهج التطور والتقدم، وغياب العقل، وسيادة الخرافة، ولا تزال أجزاء كبيرة وخطيرة من هذه الأسس التعليمية الخاطئة سائدة في المؤسسات التعليمية في الوطن العربي، ولم تحصل تحولات علمية حاسمة للآن، وهذا جزء من الأزمة المستمرة منذ عقود طويلة.
لقد ظلت القطيعة العقلية هي المتحققة، ولم تطرح الأسئلة والأسس الضرورية والمتكاملة لإطلاق ونجاح مشروع النهضة في المنطقة، وكانت كل المحاولات، محدودة ومتقطعة، ولم تتجمع لتشكل تيار تغيري جارف، يقود ويفرض التحول والانتقال من الحالة السابقة، الى حالة جديدة مختلفة. وأحد الأسباب الهامة، هو عدم قوة وشمولية هذه الأفكار التنويرية لتفرض نفسها، عبر تحولها الى فكر اجتماعي مؤثر وقابل للتطبيق، يقبل به المجتمع والدولة في آن، باعتبارهما الطرفين المعنيين والمنفذين لكل الأفكار والمشاريع والبرامج الإصلاحية والتحولات الحديثة، ويقيم مؤسساته الخاصة التشريعية والتنفيذية، ويفتح المجال واسعاً للعقل الفردي والجماعي، كي يمارس انطلاقته الخلاقة، والتي لا تتم إلا بتوفر الحرية الشخصية والعامة، كشرط في الحياة والعلاقات الحديثة، وهذا ما كان ولا يزال غائباً عنا، الى جانب تشتت وتبعثر الفكر التنويري، والذي هو فكر نقدي تغييري بالضرورة.
لا تزال مشكلتنا في نقص المفاهيم الحديثة، وضبطها ومنعها من الاختلاط والتشوش، كمقدمة وأساس لابد منه لطرح الفكر الاجتماعي الجديد، الذي يتحول الى مشروع نهضوي كبير، ولا زلنا في مرحلة ما قبل التخصص والتخصيص بكل شيء تقريباً، الى جانب المشكلة الرئيسية، بعدم وجود استمرار وتواصل التراكم المعرفي التأسيسي.
إن أغلب هذه النواقص متأتية من عدم دراسة وفهم الواقع، للعمل على نقده وتغييره، بسبب الابتسار الخطير، الذي قامت به الدولة – السلطة المشوهة لكل شيء تقريباً، وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة بطريقة قسرية متخلفة، بعيدة عن المؤسسات الحديثة، وبعيدة عن العقل، ثم قيام الانقلابات العسكرية، وتكريس حالة الفوضى وغياب التخطيط في جميع المجالات، ومحاربة الفكر والثقافة وعزلهما، الى جانب الصراعات الداخلية والخارجية الدامية، والتي لم تزل مستمرة الى الآن، وبأشكال عسكرية وحربية ضارية، تهدد وجود الأوطان والمنطقة برمتها، كما جرى في فلسطين والعراق، ومناطق أخرى مهددة أو مشوهة مثل مصر ودول الخليج العربي، رغم أهميتها ومركزتيها في المنطقة على الأقل، أو لبعضها في حوض البحر المتوسط الذي يشاطئ ويطل على أوربا من الجانب الآخر.
هناك أسئلة كثيرة، أثيرت حول هذا الموضوع الكبير والخطير، بل الأخطر في بحث حاضر ومستقبل شعوب المنطقة، ومن هذه الأسئلة، ما هي ملامح وبوادر النهوض الذي بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر، والقرن العشرين؟ ولماذا تقطعت وتوقفت، ثم خسرنا القرن العشرين برمته؟ وأين الخلل الحقيقي، هل كان في المجتمع، أم في الدولة – السلطة؟ أم في كليهما معاً؟ وما هي أشكال الخلل الرئيسية؟ وهل كان للشعر الحديث في العراق، والغناء والسينما والرواية في مصر مثلاً، أن تلعب نفس الدور الذي لعبته الفنون الجميلة في أوربا، بداية عصر النهضة، وخاصة التشكيل والعمارة والموسيقى الكلاسيكية، في تكوين وتطوير الذوق والحس العام، لتقبل الأشياء الجديدة، وترك ونبذ الحالة القديمة المتخلفة، بل وتقاليدها الغارقة في التخلف والبدائية؟ رغم الفارق البين، بين التجربتين وأنواع هذه الفنون والآداب، من حيث تأثيراتها البصرية والذهنية والذوقية المتفاوتة، ومن حيث انتشارها وارتباطها بالفلسفة وتأثرها بها، لكي تفعل فعلها كعامل تغييري كبير، وهو ما حصل في التجربة الأوربية، واستدعى ظهور مدارس وتيارات فنية وأدبية متلاحقة، إلى جانب التيارات الفكرية والفلسفية الكبرى، المتناقضة والمتصادمة، لكن الفعالة والغنية والمتنوعة، والتي قادت في النهاية الى انتصار الحداثة بشكلها المعروف، التي أحدثت الانقلاب التاريخي بشكله الراهن.
في تجربتنا العراقية، كان المجتمع يسير أحياناً أسرع من الدولة التي تأسست في بداية القرن العشرين، والتي كانت تكبح التطور أو لابساهم به، وقد تركز التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في بغداد، التي كان لها أن تلعب دور مركز إشعاع يصل الى كافة المدن العراقية بسهولة، نتيجة لترابط البلاد الجغرافي السهل، وتطور وسائل الاتصال، وكان من الممكن نمو وتكون مراكز أخرى خاصة في الموصل والبصرة والنجف والحلة، ينتقل تدريجياً ولكن بسرعة الى كافة المدن الأخرى، لكن غياب التخطيط وغياب المؤسسات التعليمية المتطورة، وغياب الإعلام والصحافة الحرة، كل هذه الأمور ساهمت في إيقاف وتخريب عملية النهوض، حتى في أشكالها البسيطة، على إن السياسة العامة للدولة، وثقل الارتباط في الخارج الكولونيالي، وقله خبرة العناصر التي تقود التحول السياسي والاجتماعي، لعبت الدور الحاسم في تكريس التخلف والانحطاط، وكان للتعليم المؤسس على أسس علمية حديثة أن يلعب الدور الحاسم في عملية التطور، لكن التعليم، وكما في كل البلدان العربية، ظل مكاناً لإنتاج التجهيل والتخلف، بسبب العقل الممنهج، الذي يقوده ويفرض آراءه عليه.
أما بالنسبة للأفكار السياسية فقد كانت ناقصة وقاصرة في عمومها، ولم تتطور التجارب الفكرية لأسباب عديدة لا مجال لبحثها الآن، ولكن يبدو لنا إن من أول هذه الأسباب، إمكانيات المؤسسة أو الجهة التي تطلق هذه الأفكار، الى جانب مستوى التطور الاجتماعي العام، كجهة مستقبلة لهذه الأفكار، إضافة الى قضية الحريات العامة، والسماح للنشاط الفكري والسياسي، في الجدل والانتشار والتفاعل الطبيعي في جميع المجالات.
وإذا كانت التجارب القومية في العراق ضعيفة من حيث طرحها وتأسيسها الفكري، حيث لم تنتج أي شيء مهم أو مؤثر، وقد اكتفت بالشعارات السطحية، وتوجهت الى السلطة والحكم مباشرةً، مما أنتج حالة سياسية مشوهة، اختلط فيها القمع والتخلف والتخريب، فإن التجربة الفكرية الماركسية لم تنجز ما يمكن الاعتداد به، لأسباب عديدة، يقف في مقدمتها القمع والإرهاب، إضافة الى تركيب الماركسيين العراقيين، وعدم اهتمامهم بهذا الجانب، بتأثير من المدرسة الفكرية السوفيتية، التي أصيبت بالجمود والتخلف منذ زمن بعيد، ولم تكن هناك مراكز وتيارات فكرية مستقلة أو جامعية مؤثرة، وظلت القضايا الفكرية في العموم، تتسم بالفقر والموسمية والسطحية والتأثر بالخارج، وكصدى مردد له، مع غياب الدوريات والمجلات الفكرية المتخصصة، وتراجع دور الثقافة والآداب في الحياة العامة، بسبب الحروب الطويلة والقمع العام، وحالة الفوضى السياسية والأمنية والنفسية الراهنة، والتي وصلت الى الدرك الأسفل، وربما يستمر التدهور.
ثم جاءت مرحلة الثورة (ثورة 58) والتي أرادت وبشكل مفتعل وسريع لكن صادق، أن تقوم بتحولات وطنية كبيرة في جميع المجالات، ربما لم يكن المجتمع مهيأ لها، أو ربما لم تهيأ أسسها وشروطها الضرورية والتدريجية، وأول هذه الشروط تطور عقل النخبة الحاكمة ومجموعة السلطة، وهل يمكن لمجموعة من العسكر أن تقوم بهذه المهمة الجديدة والمعقدة، وتنجز مهمة التحول الاجتماعي؟ إضافة الى تخلف وسطحية جميع القوى السياسية والاجتماعية، والتي هي تعد انعكاسا لجميع العمليات الاجتماعية السابقة، وخاصة الطرف الذي قاد صراعاً عنيفاً، ضد البرامج والتحولات الجديدة، نتيجة لتهدد مصالحه، أو نتيجة لمطامح سياسية ضيقة، أو لارتباط بعض هذه القوى بالخارج المعادي، والذي تهددت مصالحة من الوضع الجديد، هنا في هذه اللحظة، تكشف كل شيء، وتكشفت الإمكانيات الفكرية والسياسية والنوايا لجميع الأطراف، كما تكشف المستوى العام الذي وصله المجتمع، والوعي الخاص بذاته، وما سيقوم به لاحقاً. ولما كانت إمكانيات البناء والتغيير محدودة ولم تتجذر بعد، سقطت التجربة، وسقط معها المجتمع في دوامة رهيبة، وصلت أصداءها الى آخر الدنيا، بعد إن انتهت بحرب (عالمية) كبيرة ضد بلادنا، قادت الى احتلال وتخريب وطننا، تلك الحرب والاحتلال وما قبلها من حروب إقليمية وداخلية وعقود سوداء طويلة، هشمت وحطمت كل بذور الخير والتقدم، وأطلقت كل أدوات وعوامل الخراب الاجتماعي الشامل، وفي مقدمتها حالياً، الطائفية السياسية المقيتة والقتل الجماعي والفساد والفوضى العارمة، حيث يبدو الآن إن فكرة الوطنية والبناء الاجتماعي الحديث، قد سقطت حتى وقت آخر غير معلوم، خاصة مع عدم وجود تراكم تأسيسي راهن، مهما كان بسيطاً، يصر ويعمل على استعادة الوطن والمجتمع ووضعهما على الجادة السليمة، ومن هنا، من هذه اللحظة الخطيرة والمعقدة، يمكن لنا أن نراجع ونكشف ونطل على دور العامل الخارجي الفعال، والمساهمة في نسف وتخريب الوضع وإيقاف التقدم، ليس في العراق، ولكن في عموم منطقتنا المستهدفة، لكي يبدو لنا التفاعل والترابط الموضوعي بين العامل الداخلي الأساسي والرئيسي، وبين العامل الخارجي الذي يقرأ أوضاعنا بعمق ويشتغل عليها، لكنه يبقى خارجياً، رغم خطورته البالغة.
ليس المقصود إطلاقاً أن نقول من خلال هذه الآراء، إن كل ما يجري اليوم هو موجود في طيات التاريخ السابق، وإن العملية جرت وفق قوانين الحتمية الميكانيكية، وإن دورة وسلسلة التخلف والتخليف، لا يمكن قطعها والتخلص منها، وتحويلها بشكل آخر، مثلما جرى لمحاولات التقدم التي توقفت. وهل يمكن للفكر السياسي الوطني المتطور أن يطرح المهام المطلوبة للخروج من الأزمة الوطنية الكاسحة الحالية، من خلال دراسة كل تجارب التاريخ السابق، وليس العودة إليها، أو فرض أفكار وتجارب قديمة، وتشخيص علل الحاضر، عبر قراءة الواقع الحالي ونقده؟ والقيام بمراجعات تدريجية شاملة، لكل تجاربنا القريبة، وحيثما توفرت الإمكانية لذلك، وعدم التحجج بالظروف العصيبة الراهنة، لأننا سنواجه إنتاج الخراب من جديد، في كل مرة تفلت من بين أيدينا، ولا نؤسس لها التأسيس السليم والمطلوب، ونتخلف عن طرح وإنجاز هذه المهمة.. أعتقد أنها المهمة الرئيسية المطروحة على الجميع، رغم صعوبتها وثقلها.
أحمد الناصري

2017-09-18