في الثقافة الشرق أوسطية

د. يوسف مكي

هل هناك ثقافة شرق أوسطية؟ سؤال نكرس حديثنا هذا للإجابة عنه. في هذا السياق، لا مفر من تقديم تعريف إجرائي لمفهومي الثقافة والشرق أوسطية، كمقدمة لازمة للإجابة عن السؤال.

لم يواجه مصطلح اجتماعي ما واجهته كلمة ثقافة منذ أن عرفها العالم الانثروبولوجي الإنجليزي تايلور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث عرفها بأنها ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقانون والتقاليد، وكل ما يكتسبه الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع إنساني. في حين عرفها العالم الألماني البرت فيبير بأنها الحضارة التي هي صورة التعبير عن الروح العميقة للمجتمع. أما مظاهر التقدم التقاني والآلي فإنها تعني المدنية. المدنية تقوم على أساس قهر الطبيعة، عن طريق العقل في محيط العلم والفنون الصناعية والتخطيط. أما الحضارة فتختلف عن المدنية، لأنها تقوم على تأكيد الأصالة الروحية، والحقيقة الفلسفية والعاطفية للإنسان.

ضمن المفكرين العرب، الذين ناقشوا بتوسع مفهوم الثقافة، إدوارد سعيد، وقد عرفها بأنها مفهوم يضم عنصراً منفياً ودافعاً إلى السمو، هو مخزون كل مجتمع من أفضل ما تحققت المعرفة به والتفكير فيه. والثقافة مسرح من نمط ما، تشتبك عليه قضايا سياسية وعقائدية متعددة متباينة. وهي ساحة عراك تعرض فوقها القضايا لضوء النهار، وتتنازع فيما بينها.

أما ساطع الحصري، فقد ربط الثقافة بالتربية، وميز بينها وبين العلم. الثقافة كما هي التربية قومية، أما العلم فشأن إنساني عالمي. والثقافة قومية بمعنى أن مقوماتها ذاتية، حتى وهي تتفاعل مع تيارات إنسانية رحبة.

أما الشرق أوسطية فتواجهنا في تعريفها عدة مشاكل، أولاها أن أحد سمات التعابير الجغرافية هو اكتسابها صفة الثبات النسبي، فهي ليست خاضعة في توصيفاتها للمتغيرات في السياسة الدولية واختلال توازن القوى، صحيح أن السياسات والاستراتيجيات العسكرية تتغير، وتتحرك بسرعة تبعاً لتغير المواسم، وكنتيجة طبيعية للتخلخلات في ميزان القوى العالمي، ولكن الجغرافيا: بحار وأنهار ومضائق وجبال ووديان ومناخ، وثروات وبشر وثقافات ومواريث خاصيتها الثبات النسبي، التحولات فيها بطيئة جداً، لا تدرك في الغالب إلا بالتشريح والتبضيع، وتكاد تكون غير مرئية، يمنحها التقادم والمعايشة قدسية وهوية وانتماء، وتعابير وطنية، يصل الالتزام بها حد التضحية بالنفس.

الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وفقاً لهذا التوصيف، ليس توصيفاً جغرافياً، وإنما هو توصيف لاستراتيجيات عسكرية، دخلت قاموسنا السياسي، بقوة منذ مطلع الخمسينات. وكان هذا التوصيف قد ورد في المعجم السياسي للامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. حاله حال مفردات أخرى، أريد لها من قبل المستعمر أن تشكل جغرافيا جديدة لمنطقتنا، كشرق السويس، ودرة التاج البريطاني، والساحل المتصالح.

ولأن الأرض كروية، وقد شاءت حقائق الصراع الدولي، في مرحلة تاريخية محددة، أن تكون لندن عاصمة بريطانيا هي عاصمة العواصم، وأن يكون توقيت مدينتها غرينتش هو التوقيت الدولي، فإن موقعي الشرق والغرب يتحددان في ضوء موقع هذه العاصمة. وهكذا تحدد الشرق الأدنى والأوسط والأقصى تبعاً لموقعه من مدينة المدن. إذاً فالتعبير عنصري ومتحيز ابتداء، لأنه يعتبرنا مجرد أطراف نائية في معادلة الهيمنة والقوة. رفض الاستعمار وملحقاته، يعني في أبسط أبجدياته رفضاً لكل تركته، بما في ذلك رفض سياسة التجهيل والتضليل والخداع، وأيضاً رفض التماهي مع الثقافات الكولونيالية التي يبشر بها الغرباء.

إن الذي يمنح المفهوم الجغرافي مشروعيته، من وجهة نظر صناع السياسة الدولية، هو مدى مواءمته لاستراتيجية الهيمنة، وتبعاً لهذه الاستراتيجية يتمدد وينكمش. إنه إذاً، بمنطق الأشياء، حزام استراتيجي وعسكري، أريد له فيما مضى أن يشكل قوساً أو كماشة تحاصر الاتحاد السوفييتي، أما بعد العصر اليانكي، فهو أمريكي بامتياز، يضيق ويتسع تبعاً لإرادة وقدرة الصانع الأوحد للقرارات الأممية.

وإذا كان علينا أن نتعلم من الذاكرة التاريخية، باعتبارها معلماً أكبر، فقد كان هناك مشروع آخر، مماثل قاده رئيس أمريكي آخر في بداية الخمسينات، هو دوايت أيزنهاور حمل ذات الاسم، مشروع الشرق الأوسط. وهو مشروع شاء صانعوه أن يكون برنامجاً لملء الفراغ الناتج عن هزيمة الاستعمار التقليدي نتيجة للضربات المتلاحقة التي أوقعتها به الحركات الوطنية في آسيا وإفريقيا، وبضمنها وطننا العربي. وكان سقوط حكومة عدنان مندريس التركية، وموقف عدد من القيادات العربية المناوئ لسياسة الأحلاف بذلك المشروع، قد أودى به كما أودى بحلف بغداد، وحلف المعاهدة المركزية السنتو.

إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، اجتمع زعماء عرب في أنشاص وقرروا تأسيس جامعة للدول العربية، عبرت عن انتماء العرب إلى أمة وتاريخ وجغرافيا ولغة وآمال مشتركة. وكانت المشاريع الاستعمارية في جملتها تحاول الحد من تحقيق أي تضامن عربي يؤدي إلى خروج أبناء هذه المنطقة من نفق التجزئة إلى مشاريع نهضوية ووحدوية أرحب. وكانت مواجهة المشروع القومي المعضد بحقائق الجغرافيا والتاريخ، تواجه بمشاريع واستراتيجيات أخرى، تتم تحت شعار مواجهة الخطر الشيوعي. وفي وضع ساده الضعف، أقيم كيان عنصري غريب ومشوه في القلب من الأرض العربية، وفرض على الأمة أن تخوض حرباً غير متكافئة انتهت بنكبة فلسطين عام 1948.

وفي عام 1967 حدثت نكسة حزيران، وهزمت الجيوش العربية. وكانت شروط التوقيع على الاستسلام واضحة وجلية، استبدال المشروع الوطني القومي بمعاهدات وأحلاف مع القوى التي كان لها الدور الأساس في قيام الكيان الغاصب، وتشريد شعب فلسطين. وكانت تلك المشاريع، ولا تزال حتى هذه اللحظة في جملتها تواطؤاً على جملة المنجزات القومية التي تحققت خلال الستين عاما المنصرمة، والتي مثلها نشوء جامعة الدول العربية، وميثاقها، وبرتوكولاتها، بما في ذلك اتفاقيات التكامل الاقتصادي، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك.

سرعت حوادث 11 سبتمبر/ أيلول عام ،2001 في نيويورك وواشنطن من الهجمة الغربية على المشروع الوطني القومي، تحت يافطة مكافحة الإرهاب، وفرض الديمقراطية والتمدين على شعوب هذه المنطقة. وكانت الشعارات الجديدة مقدمة لمقايضات بدأت منذ منتصف السبعينات حين دخلنا في نفق التسوية، وجرى التوقيع على معاهدات مهينة، تنكرت للدماء التي سالت دفاعاً عن الحقوق العربية، وأيضاً لحقوق أربعة ملايين لاجئ فلسطيني لا يزالون يعيشون في الشتات، ولحق المسلمين والمسيحيين في قدس الأقداس. والمطلوب الآن بوضوح ودون مواربة هو استبدال المشروع الوطني القومي، بمشروع إقليمي آخر، قوته الضاربة وعماده الكيان الغاصب إسرائيل، وعلى أولئك الذين يطمحون الى التمدين والديمقراطية أن يراجعوا قدراتهم العقلية، فالمقايضة لن تكون على حساب المشروع الوطني والقومي، فحسب بل ستكون أيضاً على حساب التمدين والديمقراطية، والتطلعات الإنسانية المشروعة في الحرية وحق تقرير المصير.

وإذن، فالبعد الثقافي للشرق أوسطية، هو وافد وغريب، وخارج عن عناصر المكونات الثقافية العربية، ونقيض تماماً للعناصر التي صنعت هوية العرب، عبر تاريخهم الطويل. وكما دحرت في السابق مشاريع كالهلال الخصيب، وسوريا الكبرى، وملء الفراغ، واستراتيجيات شرق السويس، وجميعها حملت معها تعابيرها الثقافية، فإن نهاية المشروع الشرق الأوسطي لن تكون مختلفة عن تلك المشاريع. والدليل الأكثر وضوحاً على ذاته، أن هذه ثقافة الإمبريالية كما يطلق عليها إدوارد سعيد، فشلت بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في أن تجد لها موطئ قدم في أرض الكنانة، وبقيت العربية هوية راسخة في الضمير والوجدان.