العروبة الجديدة ومفهوم الهوية
د. يوسف مكي
شهدت العاصمة اللبنانية، قبل سنتين من هذا التاريخ، انعقاد ندوة حول تطور مفهوم الهوية . وكان الدافع لاختيار هذا الموضوع هو ما شهده الوطن العربي، من استعار لحروب تفتيتية، في عدد من الأقطار العربية . وقد كان لي شرف المشاركة في هذه الندوة بموضوع حول راهنية الهوية في الفكر القومي العربي، بمعنى موقع الهوية، من المنظور القومي، في ظل الهجمة غير المسبوقة، على الدولة الوطنية، وحالة التشظي الراهنة .
ومع التسليم بتعدد الهويات في المجتمع الواحد بالبلدان العربية وأبعادها المختلفة، فإن مناقشتها من المنظور القومي، هي سياسية بامتياز . إنها ما يميز بشكل حاسم، من صفات وخصائص مشتركة، لأمة ممتدة من الخليج العربي شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، حيث يتكلم أغلبية مواطنيها لغة واحدة، ويدينون أكثريتهم بدين واحد، وجغرافيا ونضال وتاريخ مشترك . ومن هنا فإن موضوع الحديث، هو الهوية العربية الجامعة، التي هي نتاج واقع موضوعي صنعه التاريخ .
تأثر التنظير القومي العربي، الذي انطلق من بلاد الشام، بنتائج الحرب الكونية الأولى، وتحديداً بعد اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور . فقد أسست بعد سايكس- بيكو لتفتيت سوريا الكبرى، ووضعتها تحت الهيمنة الفرنسية والبريطانية، أما وعد بلفور، فقد استمر ولا يزال، عنصر لجم لأي تطلع عربي حقيقي لإيجاد تنمية مستقلة .
لقد وضع المشروعان: اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور الأساس لتأسيس الدولة القطرية، في المشرق العربي . ولذلك تم النظر بشكل سلبي، وصل إلى حالة العداء الصريح، لما هو أقل من الهوية القومية الجامعة، بما في ذلك النظر بشكل سلبي للدولة الوطنية، باعتبارها نتاج التجزئة، وأيضاً نتاج الهجمة الكولونيالية الغربية، بعد سقوط السلطنة العثمانية . وعلى ضوء هذه الرؤية، تشكلت حركات وأحزاب سياسية، انتهجت موقفاً، عدائياً ومنفعلاً من الدولة الوطنية، متأثرة بإفرازات ما حدث في بلاد الشام، ومعممة ذلك على بقية بلدان الوطن العربي .
واتساقاً مع هذه النظرة، تم النظر إلى المجتمعات العربية، باعتبارها كسيحة وعاجزة عن تحقيق تنمية مستقلة، تعتمد على القوى الذاتية المحركة، وتنقل المجتمع من حال الضعف في تشكيلاته الاجتماعية، إلى مجتمع قادر على الإمساك بزمام مقاديره، والالتحاق بالأمم الصناعية المتقدمة . وتم النظر إلى الوحدة العربية، كمفتاح لمعالجة كل المشاكل . وأن تحقيقها يتم من الأسفل إلى الأعلى، وحاصل غليان وصخب، وأنه في معمعان الكفاح تنتصر قضية الوحدة .
وسكن في يقين الكثير من المفكرين العرب، أن نهوض العرب يتحقق باندماجهم في دولة واحدة، وأن ليس هناك ما يمنع من تحقيق ذلك، طالما أنهم يتماثلون في ثقافاتهم وعاداتهم ومصالحهم .
لكن التطور التاريخي، منذ أنجزت البلدان العربية، استقلالها السياسي، أثبت عدمية هذه الرؤية، وحتمية تجاوزها . فليس صحيحاً أن جميع الأقطار العربية، قد تشكلت بإرادات خارجية . فمصر وتونس، على سبيل المثال، هما من صنع التاريخ، ومضى على تشكيلهما آلاف السنين . كما أن طبيعة الكفاح الوطني، قد أبرزت حقائق جديدة، حيث امتشق كل بلد عربي، على حدة سلاحه، من غير امتلاك استراتيجية كفاحية عربية موحدة، فكان من نتيجة ذلك، اختلاف الرؤى والاستراتيجيات، والتصور لحقبة ما بعد الاستقلال .
يضاف إلى ذلك أن التجارب التاريخية، أكدت أن الوحدات السياسية، تتشكل بسياقات مختلفة، وأنها تأتي في الغالب لتلبي حاجات اقتصادية وسياسية، وأن المجتمعات الإنسانية، لا تتماثل حتى وإن جمعتها لغات وثقافات مشتركة . إن المشتركات بين المنتمين لأمة واحدة، هي عوامل مساعدة، لقيام وحدات سياسية واقتصادية، ولكنها بمفردها لا تحتم تحقيق ذلك .
فليس هناك ما يؤكد، أن الاندماج شرط للقضاء على التخلف، والانطلاق نحو التنمية والبناء . إن اعتبار الاندماج هو المبتدأ والخبر في مشروع النهضة العربية، أعفى الدولة الوطنية من تبعات النهوض بمجتمعاتها، وقدم المبررات لتقصيرها في أداء متطلبات التنمية، حيث ربط الفكر القومي، إنجاز هذه المهمات، بقيام دولة الوحدة .
إن الرؤية النقدية، لما يمكن أن نطلق عليها مجازاً بالعروبة الجديدة، أحدثت تطوراً في النظرة للهوية الوطنية، حيث اعتبرت هوية جامعة، وليس مجرد هوية فرعية .
بمعنى أن على الدولة الوطنية، أن تنهض ككيان مستقل بمجتمعاتها، وأن تلبي حاجة مواطنيها من صحة وتعليم وسكن وأمن، وتأمين لمستلزمات الدفاع، بما يستوجبه ذلك من بناء جيش قوي، وما إلى ذلك من متطلبات بناء الدول الحديثة .
ووفق هذه الرؤية، فإن العلاقة بين بلدان الأمة، ينبغي أن تكون تكاملية، حيث تزخر بطاقات حية، وثروات مختلفة، وقدرات بشرية متباينة، من حيث التعداد والخبرات، بما يعني أن التكامل بينها من شأنه أن يوجد كياناً عربياً قوياً، بما يلغي مقولة التماثل . إن هذا التطور، في الرؤية لمفهوم الوحدة، قاد لتطور آخر رأى أن وحدة الأمة يمكن أن تتحقق في ظل نظام عربي، لا مركزي، يتجه نحو أنموذج سياسي عملي، يستفيد من نماذج الاتحادات الكونفدرالية، التي شهدها العصر الحديث، حيث لا تناقض بين الهوية الوطنية، وهوية الأمة .
ويمكن أن يتحقق هذا النوع من الكونفدراليات بشكل تدرجي، ابتداء بالقضايا المرتبطة بحاجات الناس اليومية . فتكون الوحدة الاقتصادية هي نقطة البداية، وتوحيد الأنظمة الجمركية، والكهرباء، ومد السكك الحديدية، واستكمال بناء خطوط المواصلات البرية والجوية . وإعادة الروح، للمعاهدات والاتفاقيات، التي وقعها القادة العرب، في شؤون الأمن والدفاع .
ولعل تجربة الاتحاد الأوروبي، تشكل خياراً ملهماً في هذا السياق . فقد حلق هذا الاتحاد بجناحين، اقتصادي وعسكري . وكانت البداية هي استفادة بلدان أوروبا الغربية، من مشروع مارشال، والتعاون المشترك بين فرنسا وألمانيا في مجالي الحديد والصلب، وانخراط معظم دول أوروبا الغربية، في حلف عسكري مشترك، هو حلف الأطلسي . وقد هيأ هذان الجناحان لقيام السوق الأوروبية المشتركة، ثم قيام الوحدة الأوروبية .
هذه الرؤية لمفهوم الهوية، هي تطور نوعي، بالمشروع القومي العربي، أتت متماهية مع التطور التاريخي، والوعي بحقائق العصر، حيث يتجه العالم بثبات نحو اقتصادات الأبعاد الكبيرة، والكتل التاريخية الكبرى . وهو وعي يضع العرب في المكان اللائق بهم بين الأمم، بما يحقق التطلعات المشروعة، في تأسيس مجتمع عربي قوي ومتطور، يكون الإنسان العربي غايته
‎2017-‎09-‎16