اعتقال علماء الوهابية في دولة القمع الأعمى

عميرة ايسر

تقوم السّلطات الأمنية في السعودية التي تتبنى المذهب الوهابي والذي أجمع علماء مؤتمر مدينة غروزني الشيشانية العام الماضي على عدم انتمائه لمذهب السني، هذا المؤتمر الذي حضره حوالي 200 من كبار علماء السّنة في العالم الإسلامي وفيه تمَّ سحب البساط نهائياً من الرياض باعتبارها راعية لمذهب السّني في العالم، باعتبار أنَّ الوهابية فرقة ضالة سلفية لا تمثل إلا فئة لا تكاد تذكر في عالمنا الإسلامي. فالمذهب الوهابي الذي كان يعتبر في أرض الحجاز حتىَّ القرن 18 عبارة عن مذهب ضالٍ وشاذّ عن إجماع الأمة بل وصل الأمر ببعض علماء السُّنة في أرض الحجاز يوم إن كانت أرضاً تابعة لخلافة العثمانية إلى اعتبارهم ينتمون لطائفة الخوارج والمرتدين ويجب قتالهم وجوباً والوثائق موجودة في دار الوثائق القومية في القاهرة، هذا المذهب الذي تدعمه الآلة الإعلامية والمالية الكبيرة التي تملكها العائلة الحاكمة في السعودية والمتحالفة مع أحفاد محمد بن عبد الوهاب مُؤسس المذهب عقائدياً والذي له أتباع كثر من المغترين به في دول الخليج العربي وفي الكثير من دول العالم وكانت العلاقة الدِّينية والسِّياسية تقوم على المصلحة المتبادلة وضمان الحياة الرغيدة والمرفهة لكبار أقطاب الطريقة الوهابية المسماة كذباً وزوراً مذهباً دينياً يعتمد على كتب ظلامية غارقة في الجهل والتخلف والرجعية والملاحظ أنَّه ومنذ تأسيس الدولة السعودية سنة 1932 عمل كل ملوك الأسرة الحاكمة وأمرائها الكبار على عدم إغضاب ما يعرف بلجنة كبار العلماء في الدولة وما يصدر عنها من فتاوى تعمل على تنويم الشعب مغناطيسياً وتجيز للملك وأسرته فعل ما يريدونه والتَّحكم بمصائر البلاد والعباد وبقبضة من حديد ولا يسمحون لأحد من عامة الشَّعب أو النخب الليبرالية المثقفة في المملكة بانتقادهم أو الانتقاص من قدرهم في الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن ومع إمساك الملك سلمان بن عد العزيز بمقاليد الحكم في البلاد وتعيينه لابنه الشَّاب محمد بن سلمان في منصب وزير الدفاع بالإضافة إلى أنه الوريث الشَّرعي للعرش في السعودية، وهو الأمر الذي جعل هذه العلاقة التاريخية بين آل سعود والكثير من مشايخ الوهابية محلَّ حالة من الشًّد والجذب أثارت الكثير من التساؤلات والتخمينات؟ فقيام أجهزة الأمن في البلاد وبأوامر شخصية من محمد بن سلمان ولي العهد في المملكة بسجن عدد من مشاهير الدعاة مثلما تسرَّب في وسائل الإعلام المختلفة وأيدَّت تلك المعلومات المتداولة إعلامياً تغريدة على توتير لمغرد الشهير مجتهد وبأسلوبه الخاص أكد قيام رجال الأمن السعودي بإلقاء القبض على عدد من مشاهير الدعاة والعلماء المقربين من أمراء معروفين في الأسرة المالكة ويعتبرون من أشدّ المدافعين عن خياراتها وفي كافة المجالات ومنهم سلمان العودة وعائض القرني يضافون إلى أكثر من 30 ألف سجين من سجناء الرأي ومنهم كذلك رجال دين يعتبرون من طرف لجنة كبار العلماء في السعودية من الخارجين عن المذهب والعاصين لولي الأمر وتهمتهم هي أنًّهم قالوا رأيهم بصراحة في مسائل سياسية ودينية محرم عليهم الخوض فيها، فالملك بالنيابة محمد بن سلمان والذي حسب رأي الكثير من المراقبين هو الآمر الناهي في البلاد قام بسجن هؤلاء العلماء رغم ولائهم التَّام له لأنهم عارضوا سياسته الخارجية اتجاه دولة قطر والذي يوجد في عاصمتها الدوحة مسجد يحمل اسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولكن هذا لم يشفع لها عند الرياض ولا عند علماء الوهابية. فدعوة عائض القرني ومن على شاكلته قبل اعتقالهم بأيام السُّلطات السعودية إلى انتهاج طرق الحوار البناء مع دولة قطر والعمل على تهدئة الأمور ونبذ الشِّقاق والخلاف معها، لأن الأزمة الخليجية الحالية حسب رأيهم تصب في خدمة مصلحة أعداء الأمة بالدرجة الأولى وهذا ما أزعج كبار الأمراء في الأسرة الحاكمة الذين يوالون محمد بن سلمان وطالبوا بإسكات هؤلاء الدعاة والمشايخ وسجنهم لأنَّ جناح الصقور في المملكة لا يريد الحوار، بل المضي قدماً في تبني سياسة المواجهة المفتوحة والاستمرار في ممارسة مختلف أنواع الضغوط السِّياسية والاقتصادية في محاولة منهم لكسر إرادة الدوحة غير عابئين بصوت العقل والمنطق، وكل من يخالف هذه الرؤية يتمّ سجنه حتىَّ ولو كان من علماء البلاط الملكي أو أميراً مرموقاً وابناً لملك سابق كما حدث قبل أيام مع الأمير عبد العزيز بن فهد آل سعود والذي يحتجز في مكان مجهول مع منعه من الاتصال بالعالم الخارجي دون وجود أخبار رسمية تؤكد خبر اعتقاله. انتهاج سياسة القمع والقبضة الحديدية التي تتعامل بها السُّلطات السعودية مع علمائها ودعاتها وأمرائها الذين يخالفون مواقفها من القضايا الدَّاخلية والخارجية سيؤدي حتماً إلى عواقب وخيمة وإلى توجيه ضربة موجعة إلى صورة الوهابية ومرجعيتها الدِّينية الرسمية والتي لم تتفوه بكلمة واحدة لنصرة الدعاة المعتقلين في السُّجون السعودية، وسيضرب مصداقية المؤسسات الدِّينية الرسمية باعتبارها راعيةً للإسلام الوسطى المعتدل كما تدعي والذي أصبح العالم أجمع يعرف وجهه الحقيقي وهذه المرة دون مساحيق تجميلية.

عميرة أيسر-كاتب جزائري

2017-09-13