البارزاني وسياسة الزوايا المظلمة

د. عمر ظاهر

ليفهم المقامرة التي يقدم عليها الملا مسعود البارزاني، فهما منطقيا، لا يحتاج المرء إلى شي أكثر من أن يضع أمامه خارطة كردستان العراق، ويحركها شمالا، ثم شرقا، ثم غربا، ثم جنوبا، فيرى منطقة جبلية وعرة مغلقة تحدها شمالا دولة تركيا التي لا يمكن أن تقبل بأي شكل من الأشكال وجود دولة كردية تكون ظهيرا للحركة الكردية الانفصالية في جنوب شرقيها؛ وشرقا دولة إيران التي لا يجوز بالنسبة إليها لكردي أن يرى مثل هذه الدولة حتى في الأحلام؛ وغربا امتداد شبه كردي في سورية مغلق هو الآخر بسندان عربي ومطرقة تركية؛ ثم جنوبا بدولة العراق التي وجد فيها الأكراد على مر الأجيال الرئة الوحيدة التي يتنفسون بها. سيستنتج المرء حتما أن إعلان البارزاني دولته تعني عمليا انسداد هذه الرئة أيضا، واختناق حوالي مليون ونصف مليون كردي هم تعداد سكان المدينتين الكرديتين الرئيسيتين، أربيل والسليمانية، وضواحيهما.

معنى ذلك أن مثل هذه الدولة ستولد ميتة، وإذا حصل ما ليس في الحسبان، وتأججت بين العرب في العراق الروح القومية، كما هي الحال في إيران وتركيا، حيث تأجج الروح القومية في ذروته، فإن مليون ونصف مليون كردي آخر يعيشون في المحافظات الأخرى في العراق سيضطرون إلى ترك العراق والانحشار في المنطقة الجبلية، وتشكيل ضغط بشري واقتصادي مميت على الدولة الميتة أصلا.

حقا، كيف ستعيش مثل هذه الدولة، إذن، إذا لم تكن تستطيع لا أن تصدر ولا أن تستورد، مثل كل دول العالم؟

لو أن الإجابة عن هذا السؤال تركت للملا مسعود البارزاني، وهو صاحب عقلية قبلية جبلية متحجرة، فإنه لن يتردد عن القول بأن الأكراد يمكنهم العيش على تهريب البضائع من جيرانهم، وهم يجيدون هذا النشاط الاقتصادي، تساعدهم على ذلك الطبيعة الجبلية للمنطقة، وانتشار الأكراد على الجوانب الأخرى لكردستان العراق.

غير أن الأمر ليس كذلك، فالبارزاني ليس أكثر من دمية تحركها أيادي في العتمة، فهو محاط بفوج من المستشارين الذين درسوا في بلدان الغرب، وبعضهم تتلمذ على أيدي الإسرائيليين. وهؤلاء ليسوا متحجري العقول مثل الملا مسعود، وهم يدركون معنى “الدولة”، ويعرفون دور الاقتصاد في إنشائها، وضرورة وجود منافذ أمامها للاتصال بالعالم من حولها، وإلا فكيف سيسافر دبلوماسيو هذه الدولة إلى الخارج، مثلا، وكيف سيصل دبلوماسيو الدول التي تعترف بها إلى أربيل، إذا كانت أجواء الدول المحيطة بها مغلقة أمام الطيران إليها، والحدود الأرضية مغلقة أيضا؟ هل سيقوم المهربون بهذه المهمة أيضا؟

لا يمكن، والحالة هذه، الافتراض بأن مستشاري الملا مسعود يريدون تعريض حوالي ثلاثة مليون كردي لمخاطر الانغلاق في بقعة جبلية لمجرد أن يحقق البارزاني حلم أبيه بتأسيس دولة يرث الحكم فيها أولاده وأحفاده.

مستشارو البارزاني يفكرون، بلا شك، وهم جالسون في ثلاث زوايا مظلمة، يظنون أنهم يرون الناس منها، ولا أحد يراهم. لكن السلوك الهستيري للبارزاني يفضح كل شيء، وكذلك خارطة كردستان العراق فإنها تخبر كل من يتطلع فيها عن تلك الزوايا المظلمة. دعونا نرى:

الزاوية المظلمة الأولى: من هنا يرى مستشارو البارزاني أن بإمكانهم الاعتماد كليا على جهد إسرائيلي فوق العادة ستقوم إسرائيل ببذله، ربما بالتزامن مع الإعلان عن دولة الملا مسعود. هذا الدعم لا يتمثل فقط باعتراف إسرائيل بهذه “الدولة” الميتة، بل سيكون على شكل عدوان عسكري واسع، وغير مسبوق، باتجاهين، إما مساعدة أكراد سورية على فتح ممر لهم نحو البحر الأبيض المتوسط، أو إقامة همزة وصل بين كردستان العراق والأردن، وبالتالي إسرائيل. وسيكون هذا الممر الرئة الجديدة لدولة الملا مسعود وشريانها.

إن مثل االسيناريو كان واردا قبل فترة قصيرة، وتجلى ذلك في الدعم الأمريكي العسكري الواسع النطاق للحركات الانفصالية الكردية في سورية بحجة الاستفادة منها في “تحرير” الرقة. لكن السيناريو، بشقيه – البحر الأبيض المتوسط والأردن، أصبح في الفترة الأخيرة أقرب إلى الطوباوي منه إلى الواقعي، وذلك بفضل التغيرات العسكرية الستراتيجية في شرق سورية لصالح الدولة السورية. مناطق الأكراد ستبقى مغلفة بطوق تركي-إيراني-عربي محكم.

الزاوية المظلمة الثانية: ومن هنا يرى المستشارون المخضرمون ضرورة الاعتماد على مكافأة أمريكية لخدمات الأكراد لها وذلك بعقد مؤتمر دولي حول الأكراد، بعد إعلان “دولة” البارزاني، وتمرير قرارات في مجلس الأمن تلزم الدول المحيطة بهذه “الدولة” بتوفير ممرات آمنة لصادراتها ووارداتها واتصالاتها بالعالم. هذا السيناريو أكثر احتمالا وواقعية من الاعتماد الصرف على العون الإسرائيلي، خاصة إذا وجدت مثل هذه الفكرة دعما روسيا.

هناك تصور، قد يكون خاطئا، حول من يمكن أن يعترف بدولة البارزاني عند الإعلان عنها. بالتأكيد، لن تكون إسرائيل وحدها من ستعترف بها، بل إن دولا أوروبية في مقدمتها ألمانيا ستبادر إلى ذلك، بل وإن دولا عربية أيضا، خليجية، قد تفعل ذلك. أما المانيا فإنها ستفعل ذلك من باب معاقبة تركيا وإيران معا، أمام الدول الخليجية فإنها ستفعل ذلك نكاية بتركيا، لا غير.

هناك توجه واضح لدى حلف شمالي الأطلسي والاتحاد الأوروبي نحو تقرير مصير تركيا في حال بقيت تبتعد عن الحلف والاتحاد، وذلك بعزلها، والاستعاضة عنها بكردستان الملا مسعود، خاصة فيما يتعلق بالقواعد العسكرية، ومنها قاعدة إنجيرلك. لذلك فهناك، على ما يبدو، وعود أمريكية بدعم هذه “الدولة” رغم الامتعاض الأمريكي المعلن عنه من الاستفتاء.

ورغم أن هذا السيناريو أمر وارد، وأكثر واقعية، إلا إنه قد يواجه صعوبات عملية، فهناك حدود لما يمكن أن يفرضه مجلس الأمن على دول مثل تركيا، وإيران، لكن الرهان على تعاون العراق الغارق في الفوضى، بشكل خاص، مع الرغبة الأمريكية ليس مستبعدا. وحتى لو جرى فرض مثل هذه القرارات فإنها ستشمل مرور البضائع التجارية، لكن ليس السلاح، فتصبح هذه “الدولة” البارزانية منزوعة السلاح، وبلا فائدة لإسرائيل. ويكون المقوم الأساسي لوجودها هو قرارات من مجلس الأمن، لا غير. وإذا أبدت هذه الدول الأربع وحدة في موقفها، وأقامت حلفا ستراتيجيا ولو محدود الأهداف فإن عمل مجلس الأمن نفسه لن يكون فعالا.

الزاوية المظلمة الثالثة: ومن هنا يقوم هؤلاء بمقامرة خطرة، وحدية في الظاهر، لكنها ترمي في الحقيقة إلى شيء آخر. قد لا يكون هذا الاصرار الأخرق على الاستفتاء والتهديد بإعلان دولة كرتونية بهذه الطريقة الحمقاء إلا وسيلة لتغيير علاقة كردستان العراق بالدولة العراقية، بتحويلها من فيدرالية إلى كونفيدرالية. مستشارو الملا مسعود يريدون أن تكون لديهم، في الاستفتاء، ورقة ضاغطة تعفيهم مما التزموا به في ظل حكم بول بريمر، وفرض دولة، ليس فقط بحكم استفتاء شعبي، بل وبرضى العراق وقبوله.

إن الكونفيدرالية ستضمن للأكراد، ولإسرائيل، ولأمريكا أفضل وأسهل حل ممكن. أما بالنسبة إلى الأكراد فسوف تكون لهم دولة مستقلة إلى أقصى حدود الممكن مع البقاء على صلة بالعراق تضمن لهم بقاء العراق رئة لتنفس هذه الدولة، وبقاء انتشار مليون ونصف مليون كردي حيث هم في المدن العراقية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل فإنها ستكون الحليف الأقرب لكردستان الكونفيدرالية، وتكسب كل ما تريد دون أن تضطر إلى التضحية بجندي إسرائيلي من أجل عيون الأكراد. أما أمريكا فإنها ستكون أولا وأخيرا صاحبة هذه الكونفيدرالية، تتصرف بها كما تشاء.

ولكن ماذا يعني حل الكونفيدرالية للعراق ولبقية منطقة الشرق الأوسط؟

هناك مقدمات وهناك نتائج. أولا، ولكي تتغير العلاقة بين كردستان العراق والدولة العراقية من فيدرالية إلى كونفيدرالية، فإن تغييرات أساسية يجب أن تحدث في العراق نفسه، ولعل التغيير الأساسي هو تحرير العراق من الهيمنة الإيرانية، فإيران تدرك أبعاد مثل هذه الخطوة، ولن تسمح للعراق بالإقدام على هذه الخطوة مهما كلف ذلك من ثمن. ولكنْ أيضا لا بد أن في العراق أطرافا سياسية قوية مستعدة للتعاون مع أمريكا، والقبول بتغيير دستور بريمر، وبالكونفيدرالية مع الأكراد مقابل إيصالها إلى الحكم في بغداد، وتخليص العراق من هيمنة طهران.

أمريكا وإسرائيل لهما استعداد تام لفعل ذلك. والقيام بهذا التغيير يعني عمليا إطلاق صراع دموي جديد بين العراقيين يجب حسمه في فترة زمنية قصيرة، هي الفترة التي يمكن أن تبقى فيها “دولة” البارزاني على الورق قبل الإعلان عن موتها رسميا إذا لم يأت نظام جديد في بغداد يقبل بالكونفيدرالية.

لو أن العراق أصر على رفض الدولة البارزانية فإن هذه الدولة ستولد ميتة حتما، وتبقى على الورق لفترة قصيرة، ويكون العقلاء من الأكراد بعد ذلك على استعداد لفعل كل شيء للعودة إلى أحضان الدولة العراقية. إن الحكم الذاتي سيكون بالنسبة إليهم حينها مكسبا كبيرا.

إن مصير مقامرات البارزاني يتقرر في العراق الذي يتحمل أصلا مسؤولية فسح المجال أمام حركة البارزاني للظهور والنمو والخروج عن السيطرة عبر سياسة تدليل لم تتبعها لا إيران ولا تركيا، ولا سورية.

أما النتائج، فقيام مثل هذه الكونفيدرالية في العراق هو مقدمة لتفكيك تركيا وإيران، وتغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة بشكل جذري. في ظل الكونفيدرالية ستتصرف كردستان البارزاني كدولة مستقلة تماما، تصدر وتستورد عبر العراق ما تريد وما تشاء، بما في ذلك السلاح.

وستكون في الوقت نفسه ظهيرا للحركات الكردية الانفصالية في تركيا وإيران، وتكون رسميا قاعدة عسكرية لحلف شمالي الأطلسي، وقد يتم ضمها إلى هذا الحلف فلا يكون بإمكان تركيا أو إيران مهاجمتها لأن ذلك سيعني المواجهة مع الحلف المذكور.

‎2017-‎09-‎12