الطريق المسدود

صباح علي الشاهر

 

كم نحتاج من الضحايا والدمار لنعترف أننا نغذ السير في طريق مسدود، لا يفضي إلى نتيجة، طريق وضعه لنا من لايريد الخير لنا، لأنه بكل بساطة يريد أن يتحكم بنا، أسموه بكل وضوح وصلافه، ومن دونما تورية " الفوضى الخلاقة ".

كي نفكك هذا الطلسم، ونعرف كيف تكون الفوضى خلاقة، علينا أن نتساءل أولاً، هي فوضى بالنسبة لمن، وخلاقة بالنسبة لمن؟

فوضى بالنسبة لنا نحن سكان هذه البقعة من جغرافية العالم، التي قد تضيق أوتتسع، وفق ما يريده من يمسك الخيوط بيديه، ويوجه اللعبه وفق ما يرتئيه، أو ترتئيه مصالحه، ولأن هذه الفوضى مبتكرة ومُستحدثة ومطلوب منها أن تكون خلاقة ، فإن لا أحد بمقدوره تحديد عمقها ومداها، الذي سيتسع ويضيق  بناءأ على إشتراطات تستلزمها مصالح الآخرين، التي لا ناقة لنا بها ولا جمل، والتي لا ندرك الكثير منها ، وبمدى ما يتحقق من هذه المصالح، ومدى ما لا يتحقق تتحدد نسبة ودرجة هذه الفوضى، ومن الواضح حتى الآن أن لا صورة جاهزة لهذه الفوضى، ولا حدود لها، ولعل أفضل وصف مُبهم لها هو وصفها بالخلاقة !!

لقد تعلم المُحتل من دروس الماضي القريب، سواء من دروسه هو أو دروس غيره، لقد عرف ان قتله لنا سيوحدنا بمواجهته، تماماً مثلما حدث في كل بقاع الأرض التي تعرضت لكارثة الإحتلال، حيث إصطف أبناء البلد المحتل بغض النظر عن طوائفهم ومذاهبهم، ومللهم ونحلهم، بوجه محتليهم، وأجبروهم على الرحيل، مهما كانت قوة المحتل، ومهما كان ضعف الشعب الرازح تحت الإحتلال، من هنا ينبغي وضع اليد على السمة الأولى والأهم من سمات "الفوضى الخلاقة " ألا وهي إيكال أمر القتل (القتل المجاني والعبثي) لنا تحديداً، أبيح لنا أن يقتل بعضنا بعضاً، تحت يافطات كانت وإلى الأمد القريب لا تنتج سوى حزمة نكات يطلقها بعضنا ضد بعض، نتداولها فيما بيننا في أقبية السجون التي تجمعنا، أو في قاعات الكليات التي تضمنا، أو في سوح النضال والعمل المشترك، فأبدلنا هذه النكات بفضل الفوضى الخلاقة بالصاعق والخارق والحارق يوجهه بعضنا بوجه بعض، بحيث أصبح كل منا قاتل ومقتول، أو مشروع قاتل ومقتول، ولا بأس من مساعدة ( إنسانية !) في بعض الأحيان تأتي من المحتل ذاته، دعماً لهذا الطرف أو مناصرة لهذه الطرف، ومع تصاعد الفوضى يصبح المحتل الملاذ الذي يلجأ إليه المتخاصمون، الذين لا يتوقفون ليسألوا أنفسهم لماذا وعلام نتخاصم، لأن المصائب تترى وتتفاقم، والقتل والدمار المتقابل لا يتوقف، وبهذا لا يعود ثمة مجال أو فسحة للتفكر والتبصر، فيساق الناس إلى حتوفهم وهم نيام أو منوّمون .

لقد نُصب الفخ بإحكام، يُخطيء من يتصور أن الفخ منصوب لفئة دون فئة، أو لطائفة دون طائفة، أو لجماعة دون جماعة، أنه فخ خلاق منصوب لكل من تسري به قدم على هذه الأرض، حتى يقول أهلها ( إن الله حق )، ويوكلوا أمرهم كله، لا بعضه، لمن سيكون بيده الحل والعقد، والذي سيأخذهم في نهاية المطاف إلى بر الإمان.

في كل موسم سنكون أمام فلم، يموت الزرقاوي فيأتي البغدادي، وتنتهي القاعدة فتأتي داعش، وستنتهي داعش ليأتي الخرساني، وهكذا دواليك، يحترق فلم ويأتي فلم آخر، وبين فلم وآخر تسيل دماء العراقيين، وتُدمر البلاد، وتتعمق الخنادق بين أبناء الشعب، ليس فقط بين أبناء المذاهب والطوائف، ولا بين القوميات والأثنيات، وإنما ستتسع الهوه، ويشتد الصراع بين أبناء المذهب الواحد، والطائفة الواحدة، والعشيرة الواحدة، و التيار الواحد، والحزب الواحد، بحيث لايبقى شيء موحد، فالتكتلات تتشظى، والتحالفات تتهاوى وتتشرذم، لتنشا تحالفات وتكتلات من دونما مُبرر ومسوغ، سرعان ما تتلاشى هي الأخرى وتندثر حتى قبل أن تعلن على الملأ.

وخلاقة بالنسبة لهم، لأنها ستجعلهم يحصلون على كل شيء من دون أن يسفكوا قطرة دم واحدة، ومن دون أن ينفقوا دولاراً واحداً، كما هو الحال سابقاً بالنسبة لكل محتل ومهيمن، فالدم المسفوك دمنا ، واللحم المفروم والمحروق لحمنا، والأموال المهدورة أموالنا، والبلد المدمر بلدنا. 

لسنا ممن يزعم أن أمريكا كليّة القدرة، بل نحن نبصر أن هذه الأمريكا تنهزم في أكثر من موقع  لكنها في جغرافيتنا، وبالأخص في  البقعة التي إستباحتها قصد تحريرها لم تهزم، أو في الأقل هزيمتها مؤجلة إلى حين، وهذا الحين آت لا ريب، لكنه لم يأت حتى هذه الساعة، هي اللاعب الأرأس الذي  يجب أن يحسب له ألف حساب ، وهذا ما ينبغي الإعترف به وليس إقراره، فمن أجل مواجهة أي شيء عليك باديء ذي بدء أن تشخص هذا الشيء، وتعترف بوجوده، ومن ثم تحدد طرائق وأساليب مواجهته، أما أن تدفن رأسك في الرمل، وتدعي أنك تحررت، وأن أمريكا غادرت بقضها وقضيضها، فهذا ليس سوى خداع بائس للنفس، مآله مخيف، يستتبعه لا محال سوء العاقبة والمصير. علينا أن نقر بأن واحدة من أهم معضلاتنا أن المحتل ما زال يتحكم، ليس بسمائنا كما إعترفنا مؤخراً، وإنما بكل مفصل من مفاصل الحياة في عراقنا الذي حسب البعض أنه جديد، وأن هذا التحكم هو السبب الأول في النكسات، والدمار، والهزائم ، وإستشراء الفساد والتقاتل العبثي بين أبناء الشعب، وإنسداد الأفق الكلي.

لقد أوكلوا مهمة تدمير البلد لأبناء البلد، وبات الذين ينبغي أن يكونوا المكلفين بتعميره، هم ذاتهم، وبإرادتهم من يقوم بتدميره، وعندما ينبري أبناء البلد لتدمير البلد، تحت أية يافطة، فإنهم سوف لن يبقون فيه حجراً على حجر، وعندها (َتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى) يساقون لحتفهم وهم لا يدركون ولا يبصرون، ومن هنا تبدأ الفوضى الخلاقة التي لا يعلم أحد اين ستنتهي .

  ‏27‏/02‏/2015