كلمات من دفتر الاحوال .. (4)
كاظم الموسوي


ان تكتب عن الغياب والغربة والمنافي أمر محزن بعمومه، رغم كل ما حصل في هذه الاصقاع، وما نتج عنها، وما كسب بسببها، او تمت الاستفادة خلالها بامور غير قليلة وليست عابرة. فرغم المعاناة فيها لا يمكن إنكار الكثير من الفوائد منها وفيها. فضلا عن تعلم لغة جديدة، في أغلب الاحيان، وتتوفر الى المهاجر او اللاجئ او المنفي فرص لا تعوّض في التعلم والتطبيق والبحث عن عمل ملائم لاختصاصه او رغبته. هذا على الصعيد الفردي الخاص، اما العام، فالإنسان يشعر بأنه انسان فعلا، وعليه التزامات وواجبات مثلما له حقوق وامتيازات، لم يحصل عليها سابقا، وقد تكون لاكثرية المهاجرين السبب الرئيس للهجرة والتغرب. وهذه الخصلة مكسب كبير، استعادة الإنسانية التي فطر المرء عليها والمطالبة بالحقوق لغيره او الاحساس بها عمليا. وقد تكون هذه وحدها الأهم والاغنى في الحياة و معاناة الهجرة.
طريفة تروى وتتناقل كثيرا بين الطلاب الاجانب، أنه في درس اللغة كتب طالب من وسط أوروبا، أنه يتمنى أن يعامل كالكلب في هذه البلاد، حيث توفر له كل مستلزماته ويرعى باكثر مما يحتاج او يتطلب، وثمة قواعد سارية بمراعاته حتى في الجلوس في مقاعد الحافلات في التسلسل قبل الرجال. حيث يتسلسل عرفا احترام الطفل والمرأة والكلب ومن ثم الرجل في الجلوس او الأدوار في الحافلات والمترو، او النقل العام عموما. وحين قراتها المعلمة تفاجات بهذه المشاعر والاحاسيس، وظلت تقرا النص وتطلب من كاتبه أن يعيده أمام الطلاب والزوار، متألمة من المعنى والدلالة وشاعرة بقسوة التشبيه وفظاعته، رغم احترامها الكبير للكلب ومعاملته. اذ ما كتبه هذا الإنسان هو تعبير عن الفقد والظلم والانتهاك، وسجل ما رآه وما حلم به في بلاده او اي مكان اخر. انها طريفة ولكنها واقع مؤلم وصورة أخرى عن المكابدة الإنسانية والصراع البشري والامل بالتغيير والبناء.
مثلما هناك ايجابيات كثيرة ثمة سلبيات كثيرة ايضا، قد تكون بالتوازي معها. ولابد من العقل والإرادة في الحكم والتحكم، في الدور والادارة، في العيش والحياة. فليس كل شيء كما يرغب المرء، كالشراع والسفن والرياح. ولابد من اختبار الوعي والجلد والصلابة والصبر، فكم أودت العجلة او التسرع في جهل المحنة او تعميقها او تضخيمها الى مآس وكوارث لا تحمد في كل الاحوال، كالانتحار الفردي أو الانقسام والانفصال العائلي وما شابه.
تبقى المنافي محطات، او خطوات كتبت علينا، ومن كتبت عليه خطى مشاها، كما قال قاؤلها، عبد العزيز الدريني. وبين الاستفادة من منافعها وما تقدمه على جميع الصعد والمستويات، فهي في كل الاحوال تسرع ولا تحس فيها بمرور الزمن، او العمر. ومن هنا فمهما اختلفت الصور ومهما تعددت المشاهد، تظل هي تجارب حياة ومعابر طريق، لها بدايات ونهائيات.. لها لحظات لا تنسى. كم مرة اشتقت الى استكان شاي في مقهى في شارع الرشيد او المتنبي او دعوة اصدقاء في مطعم ومشرب في الكرادة او المنصور او في المدن الاخرى، التي عشت فيها أو تنقلت حسب الظروف والتزامات الاهل والاقارب.
وكم مرة تحس بالرضا والهدوء الغريب وانت تشرب شايا في مقهى الروضة او الكمال او هافانا او غيرها من مقاهي الشام، دمشق الياسمين. وتتميز الروضة عن غيرها باللقاء بالسفير الدائم فيها ابي حالوب، واحسن الشاعر محمد مظلوم والمخرج الفنان باسم قهار في تارخة اللحظة مع الرجل ومقهاه في حلقة تلفزيونية بعنوان” سفير في مقهى”، وحين اهديته كتابا جديدا صدر لي هناك، سجلت فيه أيضا صفته هذه، لم اجد افضل منها، سفير المغتربين والمنفيين والمعذبين، الذي يلتقيك بابتسامته المتميزة وببساطته الجاذبة وروحه المرحة، التي تغطي غلالات القهر والظلم والعسف والانتظار المديد. حين تزوره كانك تدخل عبره الى بوابات الشام، فهو المساعد والمرشد والدليل، في كل حاجة او طلب، عنوانا او هاتفا او مكانا او مرجعا. تجد فيه دائرة استعلامات ناطقة، قبل نزول أجهزة الحاسوب والهاتف المحمول الذكي.
تتذكر المنفى والمقاهي والاصدقاء فتتذكر من سبق ومن كابد، من عاش بكرامته ومن اذلها، من صدق مع نفسه وحاسب ضميره ومن تنكر لموروثه واغتنم غير فرصته. ولخص المبدع يحيى علوان في ترجمة انيقة معاناة الشاعر الالماني برتولت بريشت في نص طويل، منه هذه الكلمات والنص الشعري الذي تداولناه وتوقفنا عنده ودمعت اعيننا دون رؤية ما حل وما صار بعده..
مثل العديد من اللاجئين انتظر بريشت (ولد في أوغسبورغ في 10 شباط/ فبراير 1898، ومات في برلين في 14 آب/أغسطس 1956، وهو شاعر وكاتب ومخرج مسرحي ومنظّر ألماني) يوم العودة إلى مرابعه الاولى. “يرصد أقل تغيير، ويُمطر بأسئلته كل قادم جديد. في البداية اعتقد أن سفره مؤقت، وهجرته لن تدوم طويلاً فكتب قصيدته الشهيرة:
“لا تدق مسماراً في الجدار
ارمِ بمعطفك فوق الكرسي!
لماذا تتموّن لأربعة أيام
وأنت عائد غداً؟.. إلخ”
وهكذا نراه يجهد دائماً للتحدث إلى مواطنيه، إلى المنفيين في الخارج و “المنفيين” في الداخل ليشد أزرهم للوقوف بوجه الفاشية. وكانت تلح عليه وتشغله فكرة الاتصال بهم في الداخل، عن طريق برامج إذاعية سرية! أو عن طريق بيانات ومنشورات تدخل إلى ألمانيا سراً! ونظراً لصعوبات إدخال تلك المنشورات إلى الوطن، ومن ثم توزيعها، كتب بريشت سلسلة من التعليمات عن الدعاية السرية تحت عنوان: “المصاعب الخمس إزاء كتابة الحقيقة” قال فيها:
“من الضروري التحلّي بشجاعة كتابة الحقيقة حيثما قُمعت، والتعرف عليها بدهاء مهما كان مخبؤها مستعصياً، وبفن تحويلها إلى سلاح، وباحتيال يُمكِّن من بثّها، وبالبصيرة الضرورية لاختيار أولئك الذين ستكون الحقيقة أكثر فاعلية بأيديهم”.”
اجل، الشجاعة مطلب رئيس وكبير في المنفى، او حتى ” الملفى” كما أطلق عليه بعض المنفيين. الشجاعة والقدرة على التحمل والصبر من مقومات الحياة، ومرتكزات الكينونة للبقاء والتحدي، وتحويلها إلى سلاح ضرورة ماسة، وتبقى في كل الاحوال، وفي المنافي خصوصا، تختصر بأنها حالة غير عادية وغير معتادة، يتكيف المرء معها وبها ويتعايش مع مرور السنوات، ولا يشعر بأن دولاب الزمن قد مر او دار، وان القطارات قد فاتت، ونحن من منفى الى منفى.. مُدنٌ بلا فجرٍ تنامْ، كما نادى الشاعر عبد الوهاب البياتي:
ناديتُ باسمكَ في شوارعِها ، فجاوبني الظلام
وسألتُ عنكَ الريحَ وهي تَئِنّ في قلبِ السكون
ورأيتُ وجهَكَ في المرايا والعيون
وفي زجاجِ نوافذِ الفجرِ البعيدْ
وفي بطاقاتِ البريدْ
(****)
أهكذا تمضي السنون؟
ونحنُ مِنْ مَنْفَى إلى مَنْفَى ومن بابٍ لبابْ
نَذْوِي كَمَا تَذْوِي الزَّنَابِقُ في التُّرَابْ
فُقَرَاء ، يا قَمَرِي ، نَمُوت
وقطارُنا أبداً يَفُوت
بعد أن أختار صاحبي المقطعين من القصيدة، ردد ما روي عن الامام علي، أنه قال:
تَغَرَّبْ عَنِ الْأَوْطَانِ فِي طَلَبِ الْعُلَى …….
فَإِنْ قِيلَ في الاسْفَارِ ذُلٌّ وَ مِحْنَةٌ وقَطْعُ الْفَيَافِي وَارْتِكَابُ الشَّدَائِدِ
فَمَوْتُ الْفَتَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَعَاشهِ بدار هوَانٍ بَيْنَ وَاشٍ وَ حَاسِد ”
‎2017-‎09-‎11
يتبع