إصلاحات وزيرة التَّربية الوطنية تصنع الحدث مجدداً في الجزائر

عميرة أيسر

صنعت السيِّدة نورية بن غبريط وزيرة التربية الوطنية الحدث مجدداً على السَّاحتين السِّياسية والإعلامية ووجهت لها انتقادات لاذعة على خلفية القرارات المتخذة من قبلها ومسَّت الأطوار التعليمية الثلاثة (الابتدائي والمتوسط والثانوي) وأثارت كذلك زوبعة من الانتقادات والتصريحات الإعلامية العاصفة من مختلف الفر قاء والأحزاب السِّياسية والتيارات الدينية وكذلك وسائل الإعلام الخاصة سواءً المسموعة أو المكتوبة أو المرئية، ومن جملة هذه القرارات كان عملية الانتهاء من عملية توزيع كتب الجيل الثالث على مختلف الأطوار الدِّراسية بما فيها من تعديلات ونصوص منهجية تثير الكثير من علامات الاستفهام؟ حول مضامينها الفكرية والدينية والثقافية وكل هذه الإجراءات تأتي في سياق ما يعرف بالإصلاحات التربوية التي يراها الكثيرون غير ذات جدوى على أرض الواقع بل على العكس من ذلك فإنَّ هذه الإصلاحات ما هي إلا مُحاولة من طرف الوزيرة المحسوبة على التَّيار التغريبي الفرانكفوني كما يتهمها خصومها لسلخ الجيل الناشئ والتلميذ الجزائري عن هويته الإسلامية الوطنية واستبدالها بالقيم الغربية العلمانية الليبرالية. فالتَّكتلات النقابية المنضوية تحت لواء الاتحاد العام لعمال الجزائريين بمختلف تكتلاتها وفروعها النقابية دعت قواعدها النضالية إلى التحرك الواسع في صفوف أساتذة وعمال القطاع بعد المراسلة التي بعث بها السيِّدة نورية بن غبريط إلى مديرية الوظيف العمومي تطالبها فيها بتجميد مسابقات التوظيف لرتبة أستاذ على المستوى الوطني في قطاع التربية والتعليم في كافة الأطوار والمراحل التعليمة إلى غاية نهاية سنة 2018 كما أنَّ الوزيرة بن غبريط منعت كذلك عمليات التعويض في مناصب الأساتذة في حالات الترقية إلى المناصب والرتب المستحدثة مع توسيع استعمال قوائم الاحتياطيين في حالات الانتداب والعطل الطويلة والإحالة على الخدمة الوطنية. وحتىَّ الأساتذة الذين كانوا موظَّفين في القطاع عن طريق عقود ما قبل التشغيل سيجدون أنفسهم مُحالين على البطالة قريباً إن تمَّ تطبيق القرار الرسمي الصَّادر عن مصالح الوزيرة المختصة تنهي به توظيف الأساتذة والمعلمين عن طريق التعاقد والاستخلاف.

هذه القرارات المفاجأة والغير مبنية على استشارات موسعة مع الشركاء الاجتماعيين من نقابات مستقلة وكذلك جمعيات أولياء التلاميذ والمراجع الدِّينية المعتمدة في البلاد بما فيها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف جعلت الوزيرة أمام مرمى السِّهام الموجهة ضدَّها وخاصة في موضوع حذف البسملة من الكتب المدرسية، لأنَّ البسملة كما أشار إلى ذلك العلاَّمة عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين موجودة في بداية الدستور وفي بيان 1من نوفمبر/تشرين الثاني 1954 وبالتالي فإنَّ حذفها وغيرها من الآيات القرآنية في المناهج التربوية هو اعتداء ومساس بالهوية الوطنية وتشويه متعمَّدٌ لتاريخ الجزائر المستقلة، فالأزمة الكبيرة التي خلقتها قرارات السيّدة نورية بن غبريط والهجمة الشَّرسة التي استهدفتها دفعتها إلى نفي هذه المعلومة جملة وتفصيلاً وادعت بأنها ثابتة في الكتب المدرسية وبأنَّ الناشرين فقط من يتحملون مسؤولية ما حدث وأنه قد تمَّ حذفها وبدون علمها المسبَق، وهذا ما لم تقتنع به النخب المثقفة والمرجعيات الدينية في البلاد والتي طالبت بفتح تحقيق لمعرفة ملابسات ما حدث بالضبط وحمَّلت الوزيرة المسؤولية القانونية والتاريخية كاملة عن ما يجري داخل قطاعها من تجاوزات. الجزائر التي تعيش منذ سنوات أزمات اجتماعية واقتصادية متلاحقة بما فيها الأزمة الخانقة في قطاع التَّربية الوطنية الذي يعاني مُنذ عهد الوزير الأسبق السيِّد أبو بكر بن بوزيد من التَّرهل و تدني المستوى التعليمي والبيروقراطية الإدارية ونقص التكوين للأساتذة والإطارات وبالتالي فالتخبط الذي يعيشه هذا القطاع الحساس حالياً يعتبر نتيجة رئيسة لتراكم سياسات تربوية فاشلة وغياب رؤية إستراتيجية لكيفية التَّعامل مع المستجدات والطرق الحديثة في التعليم وكذلك إقصاء جمعيات المجتمع المدني والطبقة السِّياسية والإعلامية وأهل الرأي والاختصاص عن مناقشة هذه الإصلاحات في ندوات مفتوحة يحضرها كل المهتمّين بالشأن التربوي في الجزائر. فاستفراد السيِّدة نورية بن غبريط بإجراء إصلاحات جزئية و إتباع سياسية الولاء والانتقائية في اختيار الكفاءات الوطنية المشرفة على تلك الإصلاحات يعتبر من الأسباب الأساسية حسبما يرى الكثير من المراقبين لفشلها الذريع في إحداث التغيير المأمول من ورائها في النهاية. وعليها إشراك الجميع دون تحيز أو إقصاء إن أرادت إنجاحها في النهاية.

 

-كاتب جزائري