على درب التبانة:
(5)
من حكايات بعثة اعلامية في حرب الكويت (الحكاية الاولى):

عبدالرضا الحميد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ساعة متأخرة من احدى ليالي شباط عام 1991 وصلنا (الزميل شوقي كريم حسن وانا ) الى مدينة العمارة مركز محافظة ميسان مبعوثين صحفيين من جريدة (العراق) بعد ساعات قليلة من قصف طائرات التحالف الثلاثيني الجسر الجديد في المدينة.
كان علينا ان نقطع الجسر وصولا الى مبنى المحافظة لاشعار ادارتها بوصولنا ورغبتنا في لقاء المحافظ عبدالاله المشهداني.
حين وصلنا الى نقطة القطع في الجسر بدا لي نهر دجلة هوة سحيقة مرعبة ولاني اعاني من رهاب الاماكن العالية فقد تعذر علي العبور الا بمساعدة شباب الدفاع المدني فيما كان شوقي الاخشن مني ( والاكرش) يعبر كوعل بري.
وجوه المارة القليلين قرب الجسر كانت تشي بحزن عظيم على الجسر التاريخي والعلامة الافرق في المدينة وتنبئ بخوف من المجهول.
حين انحدرنا على بلاطات كتف الجسر نحو شارع دجلة انبجست امامي كل مباهج وذكريات الاعياد التي عشتها في طفولتي على تلك الباطات وحولها.
وبدا شارع دجلة مقفرا الا من رجال الشرطة والجيش والمنتدبين لاغراض الدفاع والحماية في المدينة ، حتى نادي المعلمين ( دار العز الي بيها صليوا) كانت مباءة للخفافيش.
بعد دقائق من مشي سريع لا نسمع فيها الا اصوات خطواتنا وقهقهة البرد الشديد وانين دجلة، وصلنا الى مبنى المحافظة واعطينا اشعارا بوصولنا لضابط امنها واعلمناه بالفندق الذي سنسكنه، وتمنينا عليه اخبار المحافظ.
كنا جائعين جدا ، لكن لم نجد مطعما ولا بائع خبز ولا مقهى، فخببنا في ظلام السوق المسقوف ومحلة الجديدة نحو بيت عمي عبدالله والي ( ابو الروائي المعروف نجم والي)، وكانت لحظة الزيارة مدهشة وملتبسة في الان معا ، وبعد زمن قصير، نلنا فيه ضيافة محمودة، عدنا للفندق لنكتب الرسالة الاولى للصحيفة.
في السادسة صباحا ايقظتنا ادارة الفندق منبئة ايانا بوصول ضيف لنا، وفي بهو الفندق وجدنا ضابط امن المحافظة واقفا، وبعد تحية الصباح، اخبرنا بان المحافظ سيكون بانتظارنا الساعة السابعة صباحا، فقلنا له اننا سنفطر، ونتوجه اليه، لكن مفاجأتنا كانت اقسى مما نتوقع، فصاحب فرن الصمون الوحيد في الزقاق رفض ان يبيعنا صمونا لاننا غرباء من المنطقة والحصار الذي انشب اظفاره الوحشية فرض انماطا من السلوك لدى البعض.
في مكتب المحافظ ، شربنا معه الشاي، وظن اننا سنجري معه حوارا ونغادر كسائر ما يفعله الصحفيون، لكنه فوجيء عندما اعلمناه بان حوارنا معه ليس اكثر من جولة نشاركه فيها في انحاء المدينة، فلم يجد الرجل مناصا من الاستجابة، وكانت لنا جولة في سوق المدينة واحياء مركزها نشرنا تفاصيلها على مساحة صفحتين كاملتين حينذاك.
ثلاث مفارقات حدثت في الجولة لن انساها ابدا:
الاولى لرجل مسن بعدما وجد صعوبة في الوصول الى المحافظ رفع بوجهه رغيفين من الخبز بحجم الكف محترقين قائلا : هل يرضيك ان يقتسم تسعة افراد هاتين الفحمتين؟ فربت المحافظ على كتفه وهمس باذن احد مرافقيه ان يقدم شيئا ما لم نتمكن من معرفته للرجل.
الثانية لرجل آخر ممتلئ عافية تقدم نحو المحافظ غاضبا لان حصته من اطارات وبطاريات السيارات لم تصله، وبعدما رأينا المحافظ يحاول كظم شرار غضب اعتراه، عرفنا ان هذا الرجل تاجر اطارات وبطاريات سيارات، وان ما كان يقصده هو حصته الشهرية مما تنتجها معامل عراقية حكومية.
الثالثة لصاحب الفرن الذي رفض بيعنا الصمون اذا ما ان رأنا صحبة المحافظ نمر من باب فرنه حتى هب الى الفندق يندب حظه، ويعرض خدماته على النزيلين اللذين رفض بيعهما الصمون عند السادسة فجرا ورآهما عند التاسعة صحبة المحافظ.