لماذا أوقفت إسرائيل استضافة اصدقائها الهولنديين؟
صائب خليل
25 تموز 2017
لسنوات خلت، كنت ضمن فريق عمل قسم الشرق الأوسط البرلماني، للحزب الإشتراكي الهولندي.  وكان أحد الأعضاء المشاركين يكثر من النصائح لنا، نحن العرب المدافعين عن القضية الفلسطينية، بان نتعاون ونتواصل مع بعضنا بشكل علمي وكثيف.
وذات مساء كنا خارجين من مقر البرلمان الهولندي في دنهاخ (لاهاي) بعد محاضرة لعضوة في الحزب عن العلاقة بين إسرائيل والعرب، قال لي ان الإسرائيليين كانوا يمتلكون من العلاقات ما بينهم قبل اختراع الإنترنت، وكأنهم كانوا يمتلكونها! ولما رأى في عيني تساؤلا، أضاف:
أنا أكثر النصح لأصدقائي العرب، لأني اشعر بتأنيب ضمير تجاههم.
لماذا؟
لأني خدمت إسرائيل كثيرا في الماضي، وكنت متحمساً لها، ثم شعرت بخطأي بعد فوات الأوان. لذلك أحاول تعويض بعض ما أسأته.
وكيف شعرت بالخطأ؟
لست وحدي. الكثير من الهولنديين يشعرون مثلي. في سنوات السبعينات كانت إسرائيل تنظم سفرات دورية كل عام للمتعاطفين معها، لزيارة إسرائيل. ثم أوقفوها.
كانت تكلف كثيرا؟
لا.. لقد اكتشفوا أنهم يأخذون في كل سفرة خمسين صديقاً متحمساً لإسرائيل من هولندا، ليعودوا خمسون متحمساً ضدها!
كلهم؟ ولم ذلك؟
كلهم! لأنهم كانوا من النوع الذي يشعر بإنسانية أكبر من غيرهم، فكانوا متحمسين لمساعدة إسرائيل لاعتقادهم انها دولة مظلومة. وهناك يشاهدون الحقيقة القبيحة بأعينهم. يشاهدون العنصرية التي استولت على هذا الشعب والوحشية في النظر إلى الفلسطينيين واستلابهم أراضيهم وكرامتهم. لم نكن نرى هذه الحقائق هنا في الإعلام، لكن حين ذهبنا الى إسرائيل اكتشفت من اليوم الأول للزيارة أن هناك خطأ كبير، وشعرت بصدمة وخيبة أمل. تحاول في البداية أن تبررها، ولكن قبل ان تنتهي الزيارة يكون ضميرك قد تعب تماما وشعرت بالأسف لكل لحظة قمت بها بدعم هذه الدولة العنصرية. هذا ما حدث لي ولكل الفريق، وهناك قررت أن أحاول جهدي أن أعوض ما فعلت من خطأ عند العودة إلى هولندا.
ولم يجدوا حلا لذلك؟
حاولوا مرات عديدة تغيير مناطق الزيارة والإقامة والبرنامج، ولا شك انهم حذروا المسؤولين عن الضيافة، لكنهم فشلوا تماما. إسرائيل دولة عنصرية إلى العظم ولا سبيل لإخفاء مشاعر الناس فيها ابدا. (وأكمل كأنه يتذكر حدثا مؤلما) إنه شيء بشع لم أر مثله من قبل.
بقيت كلماته ترن في اذني سنوات عديدة: “يذهبون خمسون صديقا لإسرائيل، فيعودون خمسين معادياً لها”. وعادت تلك الجملة لي حين قرات أمس، خبر زيارة نادية مراد إلى إسرائيل. وحين نشرت الخبر محتجاً، آلمني كيف أن عدداً من القراء تساءل (ببرود مدهش): “وما الضير في ذلك؟”… قال أحدهم: “ما المشكلة في إسرائيل “؟ وقال آخر: “إنها تخدم قضيتها”.. طيب لنفرض جدلا أنها تخدم قضيتها، ماذا عن قضيتك انت؟ ليس في تلك الحجج أية حقائق، ولا تعبر عن صدق في مراجعة التاريخ والاعتراف بخطأ، إنما عن ضياع أخلاقي وإحساس بالدونية مثير للأسى!
ويبدو لي ان البعض قد تورط وزار إسرائيل هو ايضاً، لذلك يستميت لجعل عمله منتشرا وطبيعياً. اليس أجدر به ان يتصرف كما فعل الهولنديون حين اكتشفوا خطأهم فعادوا عنه، بدلا من التحول من إنسان كريم، إلى بوق بشع لنظام غير انساني بشع؟
لقد شعر بالضيق، الهولنديون الذين زاروا إسرائيل، رغم انه لا علاقة لهم بجرائمها، ورغم ان إسرائيل لم توجه لهولندي أية إهانة ولا تسببت لهم بضرر مباشر، ولا تشكل بالنسبة لأمتهم أي تهديد، بل بالعكس، هناك فائدة متبادلة. فما الفرق بينكم وبينهم؟ ولماذا فشلت إسرائيل في اقناعهم بالتخلي عن انسانيتهم واضطرت أن توقف كشف عورتها امامهم، لكنها لا تخجل من شيء أمامكم؟
الفرق الوحيد أن هذا الإنسان بقي سليم النفس يحس بإنسانيته ويعتز بها وهو مستعد للدفاع عنها، أو على الأقل ان لا يكون هراوة بيد اعدائها. الفرق هو إنسان يصر على أن يبقى انساناً ويرفض أن يصير كلبا يطلقه اسياده ليعض ضحاياهم. هذا الإنسان يحس بالتأكيد بأن هناك “مشكلة في إسرائيل”.. أما من لا يملك ضميراً يوجعه لظلم ضحية، أو كرامة تحتج على إهانة أهله أو إنسانيته، فعندها…”لا ضير في ذلك”!
‎2017-‎08-‎15