العراق: هل انتهى شهر العسل السياسي؟

العراق: الرجوع الى الوراء… أسوأ الخيارات!
بغداد ـ عادل الجبوري

 

ثمة مؤشرات ومعطيات غير قليلة برزت خلال الاسابيع القلائل الماضية، تذهب الى ان اجواء الهدوء التي سادت الاجواء السياسية العراقية بعد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة حيدر العبادي في الثامن من شهر ايلول/سبتمبر الماضي، اخذت تتبدد شيئا فشيئا لتحل محلها اجواء التصعيد والتأزيم والتهديد بين الفرقاء ، لتعود ذات التساؤلات والاستفهامات في مراحل سابقة تطل من جديد وتفرض نفسها على مجمل الحراك العام في البلاد.

الاكراد واتفاقهم مع بغداد

ولا شك في ان تعثر الاتفاق النفطي الذي ابرم بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يعد احد مؤشرات التصعيد والتأزيم، فالمعروف ان العلاقة الملتبسة بين بغداد واربيل طيلة اعوام عدة، تمحورت في واقع الامر حول مفردة "النفط"، لذلك فان التوصل الى اتفاق مرضي نسبيا لكل من بغداد واربيل، وفي ظل واقع سياسي جديد، اوجد قدرا غير قليل من التفاؤل لدى اوساط ومحافل سياسية وشعبية.

بيد ان تلك التفاهمات اصطدمت بأكثر من قضية ادت الى تعقد الامور بين الطرفين، من بينها المواجهة مع تنظيم داعش الارهابي، وسيطرة القوات الكردية "البيشمركة" على بعض المناطق المتنازع عليها، وفرض امر واقع في محافظة كركوك، اثار حفيظة التركمان والعرب من ابناء المحافظة، وكذلك الانخفاض الكبير في اسعار النفط، الذي تسبب بعدم قدرة الحكومة الاتحادية على تأدية التزاماتها تجاه الاقليم، فضلا عن عجز الاخير عن تصدير الكميات المتفق عليها (550 الف برميل يوميا) لاسباب بعضها فنية وبعضها الاخر سياسية، ناهيك عن التصريحات الاستفزازية لبعض المسؤولين الاكراد، من قبيل ما قاله رئيس الاقليم مسعود البارزاني خلال زيارته لكركوك قبل حوالي اسبوعين، من ان "الحدود سوف ترسم بالدم"، في اشارة ضمنية واضحة الى ان الاكراد مستعدون للقتال والتضحية من اجل ضم المناطق التي يعتبرونها كردية –وبالتحديد كركوك-الى اقليم كردستان، ورافق ذلك مواقف كردية واضحة وصريحة تؤكد رفض مشاركة اية تشكيلات من قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي في التصدي لداعش في كركوك دون موافقة الاقليم.

العلم العراقي
العلم العراقي


ولعل الزيارة الاخيرة لرئيس حكومة الاقليم نيجرفان البارزاني الى بغداد، وما صرح به بعد لقاءاته المسؤولين في الحكومة الاتحادية تشير بما لا يقبل الشك الى ان مصير الاتفاق بات في مهب الريح، وان الاكراد في حل من اية التزامات ما دامت الحكومة الاتحادية لم تسدد لهم رواتب موظفي الاقليم، وهذا يعني ان مناخات وارضيات التصعيد والتأزيم بين بغداد واربيل اصبحت تفوق مناخات وارضيات التهدئة والتنفيس.

 

التهديد بالانسحاب

الى جانب ذلك، فإن وضع المكون السني المتمثل باتحاد القوى العراقية يتسم بالارتباك والتخبط الكبيرين، لا سيما بعد انطلاق التهديد والتلويح بتعليق المشاركة في جلسات مجلس النواب ومجلس الوزراء، على خلفية اختطاف وقتل شيخ عشيرة الجنابيين قاسم سويدان ونجله وعدد من افراد حمايته، الى جانب اختطاف نجل شقيقه النائب في البرلمان زيد الجنابي واطلاق سراحه فيما بعد.

وللعلم فإن التهديد والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية كان قد سبق حادثة مقتل شيخ الجنابيين بعدة اسابيع، وارتبط حينذاك بمدى التزام رئيس الوزراء حيدر العبادي بتنفيذ بنود وثيقة الاتفاق السياسي التي تشكلت بموجبها الحكومة الجديدة قبل اكثر من خمسة شهور.

وما هو واضح منذ البداية، ان المكون السني يفتقر الى مرجعية القرار السياسي، التي يمكن ان تساعد في بلورة رؤية سياسية مقبولة ومرضية في الاطار العام، فهناك مجموعة اسماء لشخصيات سياسية بينها الكثير من نقاط التقاطع والخلاف، وهناك زعامات عشائرية لا يختلف واقع العلاقة فيما بينها عن واقع العلاقة بين الساسة، فالبعض يؤيد العملية السياسية ـ هكذا يظهر ـ ويدعم الحكومة، بينما البعض الاخر يتحرك بالاتجاه المعاكس، والاكثر من ذلك فإن بعض الزعامات السياسية والعشائرية من المكون السني لا تتردد في التعبير عن تعاطفها مع التنظيمات الارهابية المسلحة، وتعدها " مقاومة مشروعة"!.

في ذات الوقت وجدنا ان البعض يطالب بقوة باللجوء الى الولايات المتحدة الاميركية لمحاربة داعش وطرده من المناطق التي يحتلها في المحافظات الغربية، في حين يوجه اخرون انتقادات حادة ولاذعة لواشنطن ويعتبرونها غير جادة في مساندتهم، بل على العكس من ذلك فانهم يتهمون واشنطن بدعم واسناد داعش وتقويته.

وما يزيد من وضع المكون السني ارتباكا وتخبطا، هو ان اكثر المناطق التي احتلها داعش، هي تعد من المناطق ذات الغالبية السنية، وان القسم الاكبر من النازحين هم من ابناء المكون السني، وهذا يولد ضغطا اكبر على الزعامات السياسية والعشائرية والدينية السنية من قبل قواعدها الجماهيرية، ويجعلها بدلا من ان تتبنى مواقف حازمة ومتماسكة ومثمرة، تقوم بردود افعال سلبية لا تنسجم مع التوجهات المطلوبة لانجاح العملية السياسية والتصدي والقضاء على الارهاب.

التحالف الوطني وصياغة الموقف الموحد

ولم يكن المكون الشيعي بمنأى عن تداعيات الواقع السياسي وتجاذباته في هذه المرحلة.

فالمكون الشيعي اشتمل على جملة من نقاط القوة ساعدته على البقاء كمحور اساس وفاعل في توجيه زمام الامور، ومن بين نقاط القوة تلك، وجود كتلة برلمانية تشكل اغلبية عددية في مجلس النواب تتمثل في التحالف الوطني، وتشكيل قوات الحشد الشعبي من قبل معظم مفاصل التحالف الوطني (المجلس الاعلى والتيار الصدري ومنظمة بدر وعصائب اهل الحق وعناوين اخرى)، ووجود المرجعية الدينية التي تمثل صمام الامان، والطرف القادر على نزع فتيل الازمات الكبرى، وتصحيح المسارات الخاطئة.

بيد ان ذلك كله لم يمنع من استمرار التجاذبات والحساسيات وتفاوت وجهات النظر والمواقف بين بعض مكوناته، حول طريقة التعاطي مع المطالب الكردية، ومع تهديدات المكون السني بتعليق المشاركة، او الانسحاب من العملية السياسية، ومع طبيعة الدور الاميركي في محاربة تنظيم داعش. فضلا عن قضايا اخرى، من قبيل، رئاسة التحالف، التي لم تحسم حتى الان، واعلان زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر تجميد سرايا السلام ولواء اليوم الموعود التي تعد من تشكيلات الحشد الشعبي، الى جانب الانتقادات التي توجه لرئيس الوزراء حيدر العبادي واتهامه بالضعف والتردد وعدم اتخاذ قرارات ومواقف حاسمة بشأن قضايا حساسة وخطيرة.

ورغم ان التحالف الوطني يعد الطرف الاقوى في المشهد السياسي العراقي، كما ونوعا، الا انه يعاني هو الاخر من بعض الارتباك والضبابية في مواقفه وتوجهاته بسبب غياب الانسجام الكافي بين مكوناته، ناهيك عن قيام البعض منها بالبحث عن تحالفات جديدة خارج اطار التحالف الوطني دون التنسيق مع اطرافه الاخرى.

يستطيع التحالف الوطني البقاء في موقع محوري ومؤثر، والامساك بقوة اكبر بزمام الامور من خلال اختيار رئيس له يتمتع بثقل وتأثير وحضور وطني فاعل، وكاريزما قوية، وامتداد وتواصل اقليمي ودولي، لا سيما مع القوى المؤثرة في الوضع العراقي، ومن خلال تعزيز موقعية ومكانة الحشد الشعبي، واضفاء الطابع الرسمي عليه، ومعالجة وتطويق المظاهر والسلوكات السلبية فيه على ضوء وصايا وتوجيهات المرجعية الدينية التي اصدرتها مؤخرا، وكذلك تقليص مساحات الاختلاف بين كتل التحالف الوطني تحت قبة البرلمان والحرص على صياغة مواقف موحدة ومنسجمة تجعل من التحالف الوطني اغلبية سياسية لا اغلبية عددية فقط.

ضعف التحالف الوطني لا يخدم اي من مكوناته، فضلا عن كونه لا يعود بالنفع والفائدة على المكونات الاخرى السنية والكردية، ان لم يعد عليها بالضرر، مثلما ان الاستراتجية الكردية القائمة على منهج رفع سقف المطالب والشروط غير مجدية، ومثلما ان التهديد والتلويح السني بتعليق المشاركة في العملية السياسية يفقد هذا المكون حضوره ودوره بعدما فقد جمهوره وميادينه.

2015-02-25