الحريق اليمني


 

ثريا عاصي

بصرف النظر عن الثرثرة والهذَرِ عن «الثورة» و«الديموقراطية» في موضوع الفواجع التي شهدتها بعض الدول التي اعتدنا التعويل عليها في بعث النهضة العربية من أجل توفير الشروط الضرورية واللازمة لإنجاز التحرر الوطني، كقاعدة للقرار المستقل ولبناء شراكة وطنية تتولى الإنماء والمحافظة على الأوطان، من البديهي القول أنه لم يبق في الراهن بلاد عربية تنعم بالهدوء خارج دول مجلس التعاون الخليجي، إذا استثنينا الحراك الشعبي في البحرين !
الحريق الليبي في الغرب يتهدد مصر والجزائر وتونس معا . حريق الشرق يلتهم الإنسان والعمران في العراق وسوريا. أخشى ما يخشى هو أن يتمدد إلى لبنان والأردن. نشب اللهب الآن في اليمن في جنوب الجزيرة العربية.

 تجدر الإشارة هنا إلى دور دول مجلس التعاون الخليجي الفاعل في إيقاد هذه النيران . يحسن التذكير بالمنازعة التي وقعت سنة 1986، في اليمن الجنوبي، بين أعضاء الحزب الحاكم نفسه .

 آنذاك كان اليمن يمنين (كاسك يا وطن !). ثم اتفق اليمنان في سنة 1990 على أن يتحدوا. ولكن حركة إنفصالية نهضت في سنة 1994 ضد هذه الوحدة. المعروف أنه قبل ذلك كان الجزء الشمالي ساحة لحرب ضروس، عقب إطاحة النظام الملكي في سنة 1962. التي كانت في الواقع حرب استنزاف للجيش المصري، قام بتمويلها دول الخليج إستمرت إلى أن تعرضت مصر ومشروع الإتحاد العروبي، لهزيمة ماحقة في حزيران 1967 على يد المستعمرين الإسرائيليين وحلفائهم وأعوانهم .


ما أود قوله بعد هذه التوطئة، أن بعض دول الخليج استطاعت شن حرب في اليمن ضد المصرين دامت خمس سنوات، وأن نار هذه الحرب خمدت عندما وافقت بعض هذه الدول على إخمادها. بمعنى آخر ان في اليمن مجتمع قبائلي، مثلما أن المجتمعات في بلدان عربية غير اليمن، متعددة الديانات والمذاهب ومتعددة الإثنيات، أي اننا حيال مجتمعات متخلفة، دون مستوى الشركة الوطنية الفعلية. ينبني عليه أنه ليس مستبعدا أن ترتبط بعض القبائل اليمنية بعلاقة مادية، ببغض دول الخليج أو بجهات إستعمارية، وأن تتوكل بتنفيذ خطة لن تعود بالخير على اليمنيين جميعا، في المدى القصير وفي المدى البعيد أيضا .


مجمل القول أن الحرب في اليمن لا تتوقف إلا إذا ارتضت بعض دول الخليج ذلك أو إذا أجبروا على أن يكفوا عن صب الزيت على نار الفتنة. مهما يكن لا يمكننا البحث في القضية اليمنية، في ضوء ما يتناهى إلى العلم عن تدهور الأوضاع هناك وتعقيدات العلاقات بين الأطراف المتنازعة، دون إلقاء نظرة على ما يجري على الضفة الأخرى لمضيق باب المندب، أي في جيبوتي والصومال بوجه خاص، حيث يمكن القول أن الدولة في هذه البلاد تلاشت، وما يجري أيضا في القرن الأفريقي على وجه العموم .


اللافت للنظر أن مسؤولا مصريا صرح، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي إذا أغلق الأخيرون مضيق باب المندب، كأن باب المندب مسيـّب، وكأن القواعد الأميركية والفرنسية في جيبوتي، ومعهم المستعمرون الإسرائيليون أيضا، لا يمكلون جميعا قوة عسكرية، أكبر من قوة مصر، تسمح بإغلاق وفتح هذا المضيق .


مما لا شك فيه أن الخطاب الرسمي العربي متفكك . وبالتالي لا يمثل بالقطع الحكام العرب شيئا، و أن هدف المستعمرين هو هدم الإنسان العربي !

‏24‏/02‏/2015