حُمى الدجل الديني تصيب الترجمة

د. عمر ظاهر

لا نعرف على وجه الدقة إن كان قد مر على عالمنا العربي زمن وصل فيه استخدام الدين لممارسة الدجل حدا كالذي نعرفه اليوم. نحن الآن نشهد ذروة نرجو الله أن يجعلها هي الذروة، ولا يقيض لأحد بلوغ ما هو أعلى منها. الدين كوسيلة لشرعنة القتل، ومنطلقا لجعل اغتصاب الأطفال ممارسة قانونية، ونشر الفساد على أوسع نطاق! الدين غطاءً للعمالة وتمكين الأعداء من غزو البلدان واحتلالها! الدين تبريرا لتدمير المدن، وإطلاق أيدي المرضى النفسانيين في ممارسة الوحشية. ثم استغلال النزعة الدينية لدى الناس البسطاء لخداعهم، بمختلف وسائل الدجل، ونشر الجهل، والتخلف، والشعوذة بينهم، والسير بالمجتمعات نحو الهاوية.

كان الدين في البداية وسيلة لإصلاح حال الإنسان، وتحقيق حد أدنى من العدالة، والمساواة بين البشر، وأصبح اليوم وسيلة يستخدمها الدجالون لاستعباد الإنسان، واستغلاله، وإفساد عقله وأخلاقه. المصيبة الكبرى هي أن رواج الدجل الديني لم يعد ظاهرة فردية كما كان قبل بضعة عقود من الزمن، بل تحول إلى موجة عارمة تركبها أحزاب، ومنظمات، وجماعات منظمة. الدين يصبح في عالمنا العربي، إضافة إلى إساءة استخدامه لشرعنة القتل والخيانة والفساد، تجارة رائجة كثر العاملون ببضاعتها، والمتكسبون من وراء بيعها، والذين يحسنون فن الدجل عن طريق حشوها بالغش، والكذب، والنفاق. والمحصلة دمار أخلاقي شامل في المجتمع، يتحمل مسؤوليته من يسمون رجال الدين، ومن لف لفهم من تجار الدين الصغار الذين يغرقون أسواق الكلام بحديث فاسد يردونه إلى الدين، حتى لم يعد من الإجحاف أن يقول الإنسان العادي عمن يفرط في مظاهر التدين، وخاصة اللفظية منها، “اللهم إني أعوذ بك من شر ما خلقت”، فاللغة الدينية أصبحت عباءة تلف ليس الفساد وحسب، بل والعقلية الفاسدة أيضا، والتي تجر على هذه الأمة الويلات.

والدجل الديني ينتشر في كل مرافق المجتمعات العربية انتشار النار في الهشيم، ويصيب كل مفاصل الحياة فيها، السياسية، والاجتماعية، والدراسية، والأدبية، والإعلامية، كمرض خبيث، وشرّه يستفحل استفحالا مريعا، إذ تصيب الحمى القاتلة لهذا الدجل تدريجيا كل شيء. والخوف كل الخوف من أنها في طريقها لتصيب المجالات العلمية. ألم تفعل ذلك بعد؟ ألا نرى علماء صار شغلهم الشاغل تفسير ظواهر الحياة، وما يتوصل إليه العلم من نتائج، بطريقة تدخل الأوهام في الرؤوس المتعطشة للإيمان؟ هؤلاء هم أخطر الدجالين لأنهم يدخلون الناس في متاهات لا مخرج منها، وهمهم الوحيد هو إخافة الناس، وتثبيط همتهم عن بناء الحياة، وتحسين ظروف المعيشة. إنهم يريدون للناس ترك أمور حياتهم ومجتمعهم والانشغال بهموم ما بعد الموت وبطريقة سمجة.

تقع، مثلا، على كتاب لأستاذ كبير يتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهو جميل في إخراجه، وطباعته، وألوان حروفه وصوره، وتأمل أن تقع على شيء جديد، وتقع بالفعل، فبعد استعراض أمور كثيرة، كلاسيكية، يدخل الأستاذ في عالم الفراعنة، ويعرض بعض الصور لمومياءات بينها صورة لمومياء لفرعون وهو فاغر الفم. وقد اجتهد الأستاذ بأن الفرعون لم يحنط حتما وهو فاغر الفم، وأن الوضع الذي اكتشف فيه فاغر الفم يثبت أن الفرعون قد تعرض في القبر لعذاب شديد جعله يصرخ، حتى بقي فمه مفتوحا ليعطي من يكتشفونه دليلا على وجود عذاب القبر.
يقينا فإن الإنسان إن كان عالما حقا فإنه لن يقبل أصلا بفكرة عذاب القبر ناهيك عن أن يبحث عن إثبات له في مومياءات الفراعنة لأنه دليل مخجل، فكم فرعون كشف عنه وهو فاغر الفم؟ أم أن ذلك الفرعون وحده كان كافرا وتعرض لعذاب القبر؟ ثم إنه لو كان عذاب القبر حقيقة ففيه غبن شديد لأولئك الذين يدفنون بعد الموت، فالدفن ليس طريقة كونية تمارس في كل العالم، وفي كل زمان، فهناك مئات الملايين من الهندوس الذين يحرقون بدلا من أن يدفنوا. بل وهناك مراسيم لا حصر لعددها بين الأمم لما بعد الموت! في اليابان مثلا، وبسبب ضيق مساحة الأرض، صارت المقبرة على شكل مبنى من عدة طوابق فيه صناديق لآلاف من الموتى في توابيتهم. وكم هناك من ملايين الجنود الذين مزقت أجسادهم القنابل في الحروب، أو تركوا بعد المعارك في العراء، وصاروا طعاما للوحوش، بل وكم من المسلمين، صالحين أو طالحين، يتحولون كل يوم إلى أشلاء تختلط ببعضها جراء الأعمال الإرهابية! أم أن الملائكة يستكثرون على الإنسان أن يموت موتا طبيعيا، ويحظى بمراسيم الدفن، فيستقبلونه بالتعذيب، ويجعلونه يصرخ حتى يفغر فاه؟

إننا نعرف جميعا أن الدين سلاح ذو حدين، فهو من جهة وسيلة لتشذيب أخلاق الإنسان، وتعليمه الفضائل وطمأنة نفسه بأنه لم يخلق عبثا، وأن الوجود والحياة فيهما معنى فوراءهما خالق مقتدر يكافئ ويعاقب. وهو من جهة أخرى أسهل وسيلة لإقناع الناس بالذهاب طوعا إلى الموت طمعا في حياة أفضل من هذه التي على الأرض، بل وإقناع المتطوع بأن يأخذ معه إلى الموت أرواحا بريئة بحجة أن تلك الأرواح كافرة. إنه لأمر غريب أن يغلب استخدام هذا السلاح بشكل سيء على استخدامه بشكل أخلاقي، فقد تمكنت أجيال عديدة في كل الأديان من استخدامه بفظاعة منذ الحروب الصليبية وإلى اليوم.

سؤالان في حياتنا يتوق كل إنسان إلى الحصول على إجابة عنهما، أولهما إن كانت هناك حياة في أماكن أخرى من الكون، وثانيهما إن كانت هناك حياة أخرى بعد الموت. السؤال الأول متروك أمر الإجابة عنه، لحسن الحظ، للعلم، ومع هذا لا نعرف حتى اليوم جوابا قطعيا عنه، ولكن يبدو مما يسمح العلماء والسياسيون بتسريبه إلى الإعلام أننا على وشك سماع خبر قطعي بالعثور على دليل بوجود الحياة في مكان آخر غير كوكبنا الأرضي. بالتأكيد فإن مثل هذا الخبر سيغير شيئا ما في حياتنا، خاصة إذا كان شكل الحياة في مكان آخر متطورا، مشابها لحياتنا أو متفوقا عليه فيما يخص التطور العلمي والتكنولوجي. ربما سيكون التغير هو انبثاق شكل جديد من الحروب الكونية في المدى البعيد!! من يدري. ومثل هذا الخبر قد يكون مكتوبا الآن وينتظر الوقت المناسب للإعلان عنه. قبل بضعة شهور وأثناء انهماكها في خوض الحملة الانتخابية الأخيرة وعدت هيلاري كلينتون بأنها في حال فوزها ستنشر معلومات مهمة عن سر الصحون الطائرة (UFO) التي لا يكاد يمر يوم واحد دون سماع شيء عن رصدها هنا وهناك. ولكن معظمنا ربما لن يبالي كثيرا لهذا الأمر.

أما السؤال الثاني بخصوص وجود حياة أخرى بعد الموت، فكان أمر الإجابة عنه منذ البداية في نطاق الدين، وكانت القناعة بوجود حياة أخرى بعد الموت، وما تزال، تقوم أصلا على الاعتقاد والإيمان الغيبي المحض. إن آلاف الملايين من البشر قد عاشوا حياتهم في نعيم الاعتقاد بوجود حياة أخرى بعد الموت دون أن يحتاجوا إلى دليل علمي. كل ما استندوا عليه هو أقوال الحكماء، والأنبياء، أو ما تمنته نفوسهم، أو اقتنعوا به قناعة عقلية دون دليل مادي. ولعل أكثر ما نعرفه في هذا المجال اليوم يقع ضمن ما اصطلح على تسميته بتجربة الدنو من الموت (Near Death Experience) حيث يدخل بعض الناس في مرحلة الموت ثم يعودون منه فجأة، فيتحدثون عن تجارب متشابهة، مثلا الدخول في نفق، ورؤية نور في آخره، أو غير ذلك. لكن العلوم الطبيعية ترفض هذا كدليل على انتقال الميت إلى شكل آخر من الحياة، وتفسر تلك التجارب بحصول تداعيات تخيلية نتيجة انهيار خلايا الدماغ، أو حصول اضطراب وارتباك فيها. والشيء نفسه يسري على مسألة وجود الروح وما يسمى “تجربة الوجود خارج الجسد” (Out-of-body experience) حيث هناك أيضا حالات كثيرة شعر فيها مرضى في حالة تخدير تام تحت عمليات جراحية بأنهم موجودون خارج أجسادهم، ورأوا وسمعوا أشياء يفترض أنهم لم يكونوا قادرين على رؤيتها أو سماعها وهم في حال غياب تام عن الوعي.

إن كل إنسان، حتى ذلك المؤمن إيمانا مطلقا بالله وباليوم الآخر، قد يشعر في لحظة من اللحظات إلى دليل على صحة اعتقاده، وقصة النبي إبراهيم حاضرة في الأذهان {قال أوَلم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}. لكن نقل أمر الإجابة عن السؤال حول الحياة الأخرى إلى نطاق العلوم الطبيعية أمر شائك وخطير، فأي دليل علمي على وجود هكذا حياة سيقلب حياتنا، ومواقفنا من كل شيء بشكل لا يمكن أن نتصوره.

ماذا سيحدث لو جاء عالم أو علماء بدليل علمي دامغ على وجود حياة أخرى بعد الموت؟ يقينا فإن حياتنا على الأرض ستتغير بشكل يصعب تخيله. مثلا لا يحزن الناس بعد ذلك على فقد أحد لأنهم يعرفون أنه ليس ذاهبا إلى العدم، وأنهم سيلاقونه عندما يموتون هم أيضا.

ويزول الخوف من الموت الأمر الذي سيؤدي إلى ما لا نستطيع أن نتخيله سلبا وإيجابا، فقد ينتحر كل شخص لم يعد راضيا عن حياته، وقد نلغي عقوبة الإعدام لأن قتل أحد لن يكون له معنى، وغير ذلك كثير.

وفي الوقت نفسه فإن تأكد وجود حياة أخرى سيجعلنا نحسب ألف حساب لما سنلاقيه في تلك الحياة، ولكيفية ارتباط تلك الحياة بحياتنا الأرضية.

لكن مثل هذا الدليل “العلمي” لن يأتي، فالعلوم الطبيعية لها نظرياتها ووسائلها في البحث، وهي تكاد لا تتزحزح عن تلك قيد أنملة، والبت في مثل هذه المسألة، مسألة الحياة الأخرى، لا سبيل إليه بوسائل العلوم الطبيعية. إن توفير هذا الدليل العلمي عن طريق وسيلة ما، علمية في طبيعتها وخارجة عن نطاق ما هو معروف، سينسف معظم العلوم من أساسها، ولهذا فإن العلماء لن يتحدثوا عن موتهم العلمي إلا إذا توفرت لديهم إثباتات لا تُدحض – ومن أين وكيف يمكن أن تكون الإثباتات علمية، والعلم لا وسيلة علمية لديه للبحث في هذا الأمر؟

العلوم الطبيعية لا تبالي لمن يفسر نتائج بحوثها كما يشاء، ولكن أن تقول هي شيئا من قبيل وجود حياة أخرى بعد الموت فمسألة فيها وجهة نظر، ولا تشبه مسألة الإعلان عن وجود الحياة في أماكن أخرى في الكون، رغم أن هذه العلوم لا تستطيع أن تنفي وجود حياة أخرى بعد الموت – إنها أصلا لا تبحث في مثل هذا الأمر.

بيت القصيد من كل هذه المقدمة هو أن القول بوجود دليل علمي على وجود حياة أخرى دجل تجاري محض لم يشتغل فيه حتى المختصون بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فهؤلاء ينشطون في تفسير آيات القرآن على ضوء الاكتشافات العلمية، ولكن لم يتطرق أحد منهم إلى مسألة الحياة الأخرى باسم العلم لسبب بسيط هو أن العلم لا يدخل في هذا المجال. فمن هو هذا الذي يريد أن يكون رائدا في إدخال هذا الفرع الجديد من فروع الدجل الديني إلى حياتنا، ولماذا؟

أليس شيئا مخيفا أن تتولى الترجمة أمر هذا الدجل، وتفتح بابا للتخصص فيه عبر التزييف واستغلال جهل الناس باللغات التي تنقل الترجمة منها علومها، وأخبار أبحاثها واكتشافاتها؟ يبدو أن رواج سوق الدجل الديني في العالم العربي، وهذه النزعات الدينية المخيفة الغارقة في التشاؤمية والتي تعصف بعالمنا العربي اليوم، يحاول بعض الناس صب المزيد من الزيت على نارها، ورفدها بالمزيد من  الخرافات والأكاذيب باستغلال كلمة “العلم” ونقل تقارير مصادر البحوث العلمية نقلا مشوها بشكل متعمد. هل بات الإعلام العربي يراهن على الدجل في كسب القراء والمتابعين؟

وقعت في الشريط الأخباري لموقع “العرب تايمز” بتاريخ التاسع من آذار 2017 على خبر مفاده (علماء كنديون : اكتشفنا اول دليل علمي على وجود حياة بعد الموت). الخبر مثير حقا، أليس كذلك؟ قمت بحركة تلقائية سريعة بالضغط على مانشيت الخبر لأقرأ تفاصيله.

وكان ردي فعلي الفوري وأنا أنتهي من القراءة هو القول في نفسي أن العلماء الكنديين قد أصيبوا بالجنون، فمثل هذا الدليل لا يمكن أن يقوم، من وجهة نظر علمية، على تجربة يقوم بها “أطباء” – كما يرد في تفاصيل الخبر، على أساس أربع حالات من مراقبة مرضى يموتون. ثم إن الحالة التي يصفونها يمكن أن تفسر بطرق مختلفة، وليس بالضرورة كونها دليلا على انتقال الميت إلى حياة أخرى.

صرفت النظر عن الخبر، وقلت إنه للإثارة الإعلامية لا غير، خاصة أن الخبر جرى نقله عن صحيفة “الديلي ميل” الانجليزية، وهو أمر يصعب تعقبه دون رابط يبين تاريخ الخبر. لكني، وأنا أتنقل في زيارتي اليومية لبعض المواقع الالكترونية، وقعت على الخبر نفسه على الموقع التركي “الشفق الجديد” النسخة العربية. انظر الرابط:

http://www.yenisafak.com/ar/life/2626461

أطلعت على التفاصيل من جديد، فكانت طبق الأصل كما قرأت على الموقع الأول باستثناء نقطتين. أولا استخدم الموقع التركي الخبر للتأكيد على صحة ما يذهب إليه الإسلام من وجود حياة أخرى للإنسان بعد الموت (علما أن الإسلام لا ينفرد بهذا الاعتقاد)، وثانيا أعطى هذا الموقع المصدر العربي الذي استقى منه الخبر: “عربي 21″، الأمر الذي يفتح طريقا لتعقب الخبر إلى مصدره.

أصبح الخبر أكثر إثارة، وصار جديرا بالمتابعة، فرحت أبحث عن “عربي 21” ووجدتها، ووجدت الخبر – انظر الرابط أدناه:

http://arabi21.com/story/990169
وكما يظهر بوضوح من تفاصيل الخبر على “عربي 21” فإن كلا الموقعين، العرب تايمز والشفق الجديد، كانا أمينين في نقل الخبر عنها، والذي يستند إلى تقرير في صحيفة الديلي ميل البريطانية تقول “عربي 21” أنها قرأته بعناية – دون أن تشير إلى المصدر الذي ترجمت منه التقرير برابط. لكن صار لزاما علي أن أجد الخبر في مصدره. وجدته – انظر الرابط أدناه:

http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-4299628/Doctors-brain-activity-ten-minutes-death.html
تقرأ التقرير بالانجليزية فتتأكد من صحة ما أوردته “عربي 21” من قيام أطباء كنديين في مستشفى في غرب أونتاريو في كندا بمراقبة أربع حالات من الوفاة، سجلوا في إحداها أن دماغ الميت بقي يعمل لفترة عشر دقائق بعد توقف القلب، ويصدر موجات أو إشارات غامضة تشبه تلك التي تصدر عن الدماغ في حالة النوم العميق. وغير ذلك فيبدو جليا أن “عربي 21” لم تمارس العناية في قراءة التقرير، بل مارستها في فبركة الخبر والاستنتاج، فأقحمت فيهما مغالطات لا يمكن أن تكون من باب السهو، أو الإغفال.

التقرير لا يقدم، من بعيد أو قرب، دليلا علميا على وجود حياة أخرى بعد الموت، بل يقدم مترجمه إلى العربية، ومفسره دليلا واضحا على أن الترجمة قد أصيبت هي الأخرى بحمى الدجل الديني في مسعى واضح لخداع القارئ العربي. نورد من تلك المغالطات بعضها لأنها تكفي لإدانة المسؤول عن تلك الترجمة بالدجل، وإدانة “عربي 21” التي تسمح بنشر مثل هذه الترهات.

1) يقول التقرير بوضوح تام أن الأطباء وصفوا استمرار الدماغ في نشاطه بعد توقف القلب بأنه غير عادي، ولا يمكن تفسيره. أي إنهم لم يفسروه بانتقال الميت إلى حياة أخرى.

2) وجد الأطباء برهانا علميا على أن أدمغة الناس يمكن أن تظهر علائم على استمرارها في الحياة لبعض الوقت حتى بعد إعلان موتهم سريريا. ولم يجدوا دليلا على انتقال الإنسان إلى حياة أخرى.

3) في واحد من أربعة مرضى متوفين ظهر استمرار النشاط الدماغي لعشر دقائق بعد توقف القلب، بإصدار موجات نعرفها عادة خلال النوم العميق.

4) الأطباء الكنديون درسوا النشاط الدماغي ونبضات القلب لأربعة مرضى في العناية المشددة بعد رفع أجهزة الإنعاش عنهم. توقُف نشاط الدماغ سبق توقف النبض في ثلاث من الحالات الأربع. وفي حالة واحدة فقط استمر انبثاق موجات دالتا المفردة بعد توقف القلب، وكان المريض ميتا سريريا.

بينما تقول الترجمة أن النشاط الدماغي استمر في الحالات الأربع بعد توقف القلب، واستمر لدى الرابع لعشر دقائق.

5) يرد في الترجمة وتفسير التقرير: (ونجح الأطباء لأول مرة في رصد موجات لم يفهموها في دماغ أحد المتوفين بعد أن توقف قلبه بشكل كامل عن العمل ودخل في حالة موت كاملة، مشيرين إلى أن الموجات التي تمت قراءتها في دماغ الميت تشبه إلى حد كبير الموجات التي تنبعث من دماغ الإنسان وهو نائم، وهو ما دفعهم إلى الاستنتاج بأن الشخص المتوفى قد يكون فقد التواصل مع من حوله لكنه دخل في حياة جديدة مختلفة تماما).

الجملة الأخيرة في الفقرة والمؤشرة باللون الأحمر غير موجودة في التقرير في نصه الانجليزي.

6) يرد في الترجمة والتفسير: (وبحسب التقرير الذي نشرته جريدة “ديلي ميل” البريطانية، وقرأته “عربي 21” بعناية، فإن الأطباء في أحد المستشفيات الكندية تمكنوا من رصد وتسجيل “نشاط مستمر للدماغ” ظل لمدة عشرة دقائق في رأس شخص متوفى بشكل كامل، وهو ما دفعهم إلى الوصول لنتيجة مفادها أن هذا هو أول دليل علمي ملموس على وجود حياة ثانية للإنسان بعد الموت، وأن الوفاة ليست نهاية المطاف بالنسبة للبشر.)

العبارة الأخيرة في الفقرة والمؤشرة باللون الأحمر لا وجود لها في النص الانجليزي. ثم إن الحالة التي تم رصدها، كما سنرى لاحقا، لا تخص الإنسان وحده.

7) يرد في الترجمة: (ووصف الأطباء الحالة التي رصدوها بأنها “غير طبيعية ولا يمكن شرحها”، في إشارة إلى أنهم لم يفهموا بشكل كامل وواضح ما هو النشاط الذي يقوم به الدماغ بعد الوفاة، وما الذي يجري للميت بعد وفاته، لكنهم رصدوا شيئا ما قد يشكل دليلا قاطعا على الحياة بعد الموت.)

غريب أن الفقرة غير المؤشرة باللون الأحمر، وهي موجودة في النص، تناقض ما أوردته “عربي 21” في الفقرات السابقة. لكن “عربي 21” تعاود التزييف والدجل في الجملة الأخيرة المؤشرة باللون الأحمر.

8) يرد في الترجمة والتفسير: (وبحسب التفاصيل التي أوردتها “ديلي ميل” فإن الباحثين الكنديين درسوا أربع حالات، وفي ثلاث من الحالات الأربع وجدوا بأن العقل استمر في العمل بعد توقف القلب، أي بعد الوفاة، كما أن واحدة من الحالات الأربع ظل العقل يعمل لمدة عشرة دقائق متواصلة بعد الوفاة وبصورة واضحة بالنسبة للأطباء.)

في هذه الفقرة، العبارة المؤشرة باللون الأحمر كاذبة أصلا – انظر النقطة الرابعة أعلاه، حيث يقول النص الانجليزي (توقُف نشاط الدماغ سبق توقف النبض في ثلاث من الحالات الأربع. وفي حالة واحدة فقط استمر انبثاق موجات دالتا المفردة بعد توقف القلب، وكان المريض ميتا سريريا.)

الترجمة تريد أن توحي بأن استمرار النشاط الدماغي بعد توقف القلب حقيقة سجلت في كل الحالات، ولكن في حالة واحدة كانت الحقيقة أكثر وضوحا إذ استمر النشاط لعشر دقائق، في حين أن النص يقول أنه في ثلاث من الحالات الأربع توقف النشاط الدماغي أصلا قبل توقف القلب، وكانت الرابعة استثنائية.

وغير هذا فإن استخدام كلمة “العقل” بدلا من كلمة “الدماغ” في الترجمة هنا يجعل من الصعب في هذا السياق افتراض أن المترجم لا يميز بين الكلمتين، خاصة أن “عربي 21” تقول إنها قرأت التقرير بعناية.

9) يقول التقرير أن ما يقارب خمس المرضى الذين ينجون من السكتة القلبية يتحدثون عن مرورهم بتجربة عالم آخر. ولا يقول التقرير أن هذا هو رأي الأطباء أو استنتاجهم.

10) يقول التقرير حرفيا (على أية حال فإن العلماء يقولون أنه من المبكر جدا التحدث عما يمكن أن يعنيه هذا لتجربة ما بعد الموت – خاصة عندما يتم تسجيل هذا لدى مريض مفرد. في عام 3120 (ألفين وثلاثة عشر) وجدت ظاهرة مماثلة في اختبارات أجريت على فئران توقفت قلوبها. وقد كشف البحث الذي نشر في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم أنه كان لدى الفئران موجة من النشاط الدماغي لدقيقة واحدة بعد النفوق. وكان نمط النشاط مشابها لتلك التي لدى الحيوانات وهي في حالة وعي تام – باستثناء أن تلك الإشارات كانت أقوى بحوالي ثماني مرات).
أي أن ظاهرة استمرار النشاط الدماغي بعد توقف القلب لا تخص الإنسان وحده كما تزعم الترجمة وتفسيراتها.

11) التقرير يقول: (قال الباحثون إن اكتشاف كون الدماغ في حالة نشاط عال في الثواني التي تعقب توقف القلب يوحي أن الظاهرة لها طابع مادي أكثر من الطابع الروحي.)

وهذا هو موقف العلم من مثل هذه الأمور. إنه يقول إن الظاهرة لها طابع مادي!

12) وما هو جوهري في أمر التقرير كله يأتي هنا حرفيا في النص الانجيليزي الذي زيفته “عربي 21”:

“إنه من الصعب، حسب البحث الذي نشر في المجلة الكندية للعلوم النيورولوجية، تقديم قاعدة فسيولوجية لهذا النشاط الدماغي عندما يحصل بعد توقف مطول للدورة الدموية. التجربة تثير سؤالا صعبا عن متى يكون الشخص قد مات، ومدى يكون صحيحا من الناحية الصحية والأخلاقية استخدام الموتى للتبرع بالأعضاء.”

إذن، التقرير العلمي لم يشر ولا بغمزة عين إلى مسألة تسجيل دليل على وجود حياة أخرى للإنسان بعد الموت، بل إن المسألة الجوهرية في التقرير إنسانية وأخلاقية بحتة تتعلق بفئة من المرضى، وعلى وجه التحديد الذين يتبرعون بأعضائهم بعد الموت، إذ يفهم هنا أنه إذا كانت عملية استحصال الأعضاء تجري فور توقف القلب خوفا على تلك الأعضاء من التلف لعدم وصول الدم إليها، فإن ذلك يعني أن “من افترض أنه مات” يتعرض لآلام شديدة نتيجة استحصال الأعضاء إذا كان دماغه ما يزال مستمرا في الحياة، ففيه مراكز الشعور والإحساس.

نعم، الشعور والإحساس اللذين يفتقر إليهما الذين يرتزقون على الدجل الديني!

‎2017-‎08-‎06