خواطر في المسألة الفلسطينية
د.يوسف مكي
ملاحظات عدة، ذات علاقة مباشرة بحيثيات القضية الفلسطينية، وموقعها من الاستراتيجيات العربية والكونية، ومشاريع النهضة، جالت في الخاطر، مع التهيؤ للكتابة عن التطورات الأخيرة للقضية الفلسطينية، هدفت من تدوينها شحذ الفكر ومشاطرة القارئ الكريم.
أولى هذه الملاحظات، هي تعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكها، وارتباطاتها الإقليمية والدولية، وطول أمدها، بما جعل منها مسألة مستعصية على الحل، ضمن ما هو متوفر لدينا حتى الآن من معطيات.

إن هذه التعقيدات وهذا التشابك، وسياقهما التاريخي، هي التي منحت عنوان هذا الحديث مشروعيته، باعتبار القضية الفلسطينية مسألة لا تزال تتصدر المعضلات التي تواجهها الأمة.

وقد تزامن حضور هذه المسألة في الواقع العربي، منذ بدأت الأمة تلمس طريقها القومي، قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى كهوية جامعة لجغرافيا طبيعية تمتد من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.
الملاحظة الأخرى، هي تلازم قضية النهضة بمشروع تحرير فلسطين. فالعمل على تحقيق استقلال الوطن العربي من الهيمنة العثمانية تزامن مع حراك صهيوني واسع لحيازة فلسطين. وكما كان التدخل الاستعماري فاضحاً، للحيلولة دون تحقيق وحدة المشرق العربي، من خلال فرض اتفاقية سايكس- بيكو كأمر واقع، كان التدخل أيضا صارخاً في مسألة اغتصاب فلسطين، من خلال فرض وعد بلفور كأمر واقع أيضا. ولهذا يغدو اعتبار المسألة الفلسطينية، كقضية العرب المركزية، ليس موضوعاً اعتباطياً، بل مسألة جوهرية، بسبب التلازم الحاد بين المسألتين: المسألة العربية والمسألة الفلسطينية.

إن نجاح العرب في حل معضلة أي من المسألتين، يعني بداهة قدرتهم على حل المعضلة الأخرى. ومن هنا فالعلاقة جدلية، ترفض الفصل بينهما، ولا تسمح أبدا بالفصل بين الوطني والقومي، أمناً ومصلحة وتاريخاً، ومستقبلاً أيضاً.
إن النزعة القطرية في التعامل مع المسألة الفلسطينية لم تجعلها تتقدم قيد أنملة، ولم تسعفها بأي اعتبار، بل أسهمت في تشظيها، وأعفت النظام العربي الرسمي، في كثير من الأحوال، منذ منتصف السبعينات، من مسؤوليته تجاهها، تحت ذريعة أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأن القضية بالدرجة الأولى هي شأن فلسطيني. والواقع أن السياق التاريخي للقضية، وموقف الدول الكبرى تجاهها، لم يكن يمنح الرؤية القطرية أية وجاهة منطقية.

ولعل الفشل الذريع الذي واجهته محاولات التسوية السياسية لهذه المسألة، طيلة الأربعة عقود المنصرمة، وتحيز القوى الكبرى، تجاهها، كما هو تجاه قضية النهضة العربية، هو الذي يمنح التلازم والترابط بين المسألتين مشروعيتهما.
ولا شك أن الضعف العربي، وعدم إمساك القادة العرب بناصية المبادرة لحسم الصراع، والقدسية التي تحظى بها مسألة فلسطين بالنسبة للمسلمين جميعا، كونها تضم المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، قد أسهمت في مضاعفة التدخلات الإقليمية، بحيث أصبحت لاحقا تمثل عبئا على الأمن القومي العربي، وتهدد سلامته. وكي لا يكون كلامنا استغراقا في الاستقراء، نشير إلى استباحة العراق من قبل الإيرانيين، وتنسيقهم مع المحتل الأمريكي، لفرض مشروع المحاصصة والتفتيت، وإلى التدخلات التركية في شمال العراق، منذ مطلع التسعينات من القرن المنصرم، حتى تاريخه. وفيما يتعلق بقضية الصراع العربي- الصهيوني، فإن تدخل القوى الإقليمية، ومن ضمنها إيران وتركيا، فاضح جدا لدرجة فاقعة تعفينا عن الحاجة إلى تأكيد حضوره.
ملاحظة جوهرية أخرى، ذات علاقة مباشرة بالعجز العربي، وافتقاره القدرة على إدارة الصراع، هي البون الشاسع بين كمية الدماء المسفوحة، والتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني، بشجاعة وبسالة، وبين النتائج السياسية لتضحياته.
فخلال الأربعة عقود المنصرمة، سادت مقولة زائفة، رددها الإعلام العربي كثيرا، خلاصتها أن العرب عاجزون عن مواجهة العدو عسكريا، وأن عدم قدرتهم على مواجهة العدو عسكريا، بسبب الخلل في التوازن الاستراتيجي، ألجأتهم للخضوع للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وبشكل خاص القراران 242 و،338 وكلا القرارين تعاملا مع المسألة الفلسطينية كقضية أراض متنازع عليها بين الصهاينة والعرب، وليس حق شعب في تقرير مصيره، وإعادة ما اغتصب من أراضيه.
ومع قبول العرب بما أطلق عليه الشرعية الدولية، بدأت حقوقهم بالتآكل، وأخذ العدو يتراجع حتى عن شروطه الأصلية لتحقيق سلام مع العرب. ومنذ توقيع كامب ديفيد، أول معاهدة سلام رسمية بين نظام عربي وبين الصهاينة، أصبح مألوفاً وطبيعياً، أن يتراجع الإسرائيليون عن المعاهدات والمواثيق التي قطعوها على أنفسهم، لصالح التسوية مع العرب.
القراءة الأمينة والدقيقة لواقع صراعنا مع العدو، توضح بشكل لا يقبل الجدل، زيف مقولة قدرة العدو الصهيوني على حسم معاركه عسكرياً مع العرب، وتؤكد أن العجز العربي، كان دائما ولا يزال هو في إدارة المعركة سياسيا، وأن الفشل لم يكن في ساحات المواجهة العسكرية.
ولا مناص هنا من المرور سريعا على أهم محطات الصراع مع العدو الصهيوني:
حين يتعلق الأمر بنكبة عام ،1948 فقد كان النظام العربي الرسمي في طور تشكله، وكانت معظم البلدان العربية لا تزال تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة. وكانت قيادة الجيوش العربية تحت إمرة ضابط بريطاني. وقد كشفت وثائق تلك الحرب، أن الفشل لم يكن عسكريا، فحسب، بل كان فشلا في مواجهة حضارية. وبصيغة أكثر تشاؤما يمكننا القول إن بعض القيادات العربية كانت ضالعة في تفاصيل المخطط الصهيوني، والخارطة السياسية التي تمخضت عن الصراع معه، وقد حصلت على مكتسبات ما كان لها أن تحصل عليها، لو تم تحرير فلسطين، أو فرض تطبيق قرار التقسيم 181 الصادر في نوفمبر عام ،1947 من هيئة الأمم المتحدة.
في مواجهة العدوان الثلاثي الغاشم على مصر عام ،1956 كان الأداء رائعا على الصعيدين العسكري والسياسي، وكانت النتيجة نصرا عظيما احتفل به العرب جميعا، وشاركهم في ذلك جميع الشعوب المحبة للسلام والحرية.
وتكاد تكون نكسة يونيو/ حزيران عام ،1967 هي حالة المواجهة الوحيدة، التي كانت الهزيمة العسكرية العربية فيها واضحة وكاملة. وربما لا نبعد كثيرا عن الحقيقة حين نجزم بأن العرب لم يحاربوا أبدا في تلك المواجهة. وأن النتائج قد تقررت منذ الضربة العسكرية الأولى للمطارات والقواعد العسكرية المصرية. وكانت تلك الحرب نهاية مرحلة، وبداية مرحلة أخرى في التاريخ العربي المعاصر. ومع ذلك، يمكن القول إن نتائجها السياسية، كانت متوازنة ومعقولة، جسدتها مقررات مؤتمر القمة العربي الذي عقد بالخرطوم، بعد شهور قليلة من النكسة، والذي انتهى بلاءات ثلاث عريضة: لا مفاوضات ولا صلح ولا اعتراف.
منذ نكسة يونيو/ حزيران حتى تاريخه، لم يتمكن الكيان الصهيوني من حسم أية مواجهة مع العرب، بالخيار العسكري وحده. بل ربما أمكننا القول إنه في مجمل المعارك التي دارت بين العرب والعدو لم يتمكن الصهاينة، من حسم معركة واحدة، بالحل العسكري لصالحهم.
ففي حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام ،1973 تمكن الجيش المصري من إنجاز ملحمة العبور، وحقق مع شقيقه الجيش السوري انتصارات باهرة على الجبهتين المصرية والسورية. لكن الأداء السياسي بعد الحرب، لم يكن متماهيا مع حجم الانتصارات. وكان الثمن هو توقيع اتفاقيات فك اشتباك، ومعاهدة كامب ديفيد.
وفي صيف عام 1982م، صمد الفلسطينيون أثناء الغزو الإسرائيلي لمدينة بيروت، لأكثر من ثمانين يوما، لم يتمكن الصهاينة خلالها من الدخول إلى المدينة. وخرجت المقاومة الفلسطينية من العاصمة بيروت، ليس بفعل فشلها في التصدي للعدوان، ولكن نتيجة لضغوط دولية وإقليمية ومحلية، فرضت عليها الرحيل. وكانت ردة الفعل العربية، للأسف عجزاً فاضحاً أمام صيحات أطفال فلسطين، في مذبحة صبرا وشاتيلا.. وكان الثمن السياسي قد عبر عنه مؤتمر قمة فاس، ولم يكن في كل الأحوال متكافئاً مع حجم الاستبسال الفلسطيني.
وبالمثل جرى تجيير انتفاضة أطفال الحجارة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، لصالح طاولات التفاوض، وكان الثمن السياسي، هو إلغاء النهج المقاوم، وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، والاعتراف غير المشروط، من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، بالكيان الغاصب. وأخيرا توقيع اتفاقية أوسلو، وقيام السلطة الفلسطينية.
والخشية هي أن يتحول الثمن السياسي لصمود شعبنا في غزة البطلة، فتحاً للمعابر، وإلغاء للحصار، وتختزل المسألة من قضية تحرير إلى مسألة إنسانية بحتة، ليست ذات صلة بنضال هدفه الأساس طرد الاحتلال وتحرير الأرض.
‎2017-‎08-‎06