واشنطن في حالة حرب في الأعوام الستة عشر الاخيرة

بقلم : بول كريغ روبرتس
ترجمة : د. إقبال محمدعلي

تقول واشنطن لشعبها ، انها غير قادرة على مواصلة دعم بعض القطاعات الحكومية التي تعتبر بمثابة شريان الحياة للطبقة الفقيرة و المتوسطة كالضمان الاجتماعي، التأمين الصحي و صندوق الخدمات الصحية الوطنية ، لكنها و للستة عشر عاما الماضية تنفق الترليونات من الدولارات، لتمويل حروبها في الشرق الاوسط و شمال افريقيا و إرتكاب جرائم حرب يعجز اللسان عن وصفها ، علاوة على تحميل اوربا ، عبء استقبال الملايين من اللاجئين.الغرابة،ان المواطن الامريكي لم يسأل حكومته طوال هذه السنوات عن سبب اهمالها توفير ابسط احتياجاته المعيشية . لم يحاججها فيما حققته هذه الحروب من مكاسب له مقارنة بالأموال الطائلة التي كانت تصرفها على هذه الحروب، لتسمين عجول،أجهزة الجيش/والمخابرات.

مما يثير فضولي الذي لا اجد تفسيراً له ، مؤامرة الصمت : أي عدم اهتمام المواطن الامريكي أو وسائل الاعلام أو الكونغرس، بالتساؤل عن الغرض  الحقيقي لهذه  الحروب التي بنيت على الأكاذيب ولا وعن الأرواح و الاموال التي أُهدِرت و تهُدر بسببها ؟ ان هذا الشعب ،لا يدرك أسباب هذه الحروب التي تصله عن طريق تصريحات الساسة و الأعلام بطريقة مفبركة ، مبهمة ،كرد فعل لأحداث 9/11 .

ومما زاد هذا الابهام ، ربط  الكثير من الدول الأسلامية التي لا علاقة لها من قريب او بعيد بهذه الجريمة وتحميلها وِزر ما حدث لتبرير الأعتداءات و الانتهاكات لحرمة اراض و استقلال هذه الدول ،كون غالبية سكانها من المسلمين ، كالعراق وليبيا وسوريا واليمن وأفغانستان وإيران ( إيران لم تهاجم بعد إلا انه تم تهديدها و توجيه العقوبات لها ) .

لقد نجح نظام بوش الابن ووسائل الاعلام العاهرة ، بشن التلفيقات تلو التلفيقات ، لتحميل المسلمين تهمة ما حدث و لتشويه الأسلام و تدميره و ربط اسمه بالارهاب.وحملوا تلك الدول مسؤولية ما حدث في 9/11. يا ترى ، هل سيعترض الشعب الامريكي  وينهض مع ممثليه في مجلسي النواب و الشيوخ  فيما لو أدركوا  الغرض الحقيقي وراء شن مثل هذه الحروب . أرى انه من الوجب عليّ ، ان أطرح الاسباب التي دعت واشنطن ، لشن الحرب على سوريا و استعداداتها لشن حرب جديدة على إيران .هناك ثلاثة اسباب للحرب التي تشنها واشنطن على سوريا ( لم أقل حرب امريكية ) لأن واشنطن لا تمثل االشعب الأمريكي .
السبب الأول : الارباح الهائلة التي يجنيها الجهازان( الجيش و المخابرات الامريكية ) بقطاعيهما الحكومي و الخاص التي يأتي مدخولها: من تهديداتهما وحروبهما مع دول العالم لتبرير ميزانيتهما السنوية الضخمة التي تفوق ميزانية الكئير من الدول الكبيرة . ويقع عبء تغطية هذه الميزانية على عاتق دافعي الضرائب الامريكان من ذوي الدخل المتوسط ، الذين لم يرتفع دخلهم السنوي منذ عشرات السنين وغرقوا في الديون بسبب ارتفاع مستوى المعيشة .
السبب الثاني : له علاقة بأيديولوجية المحافظين الجدد في الهيمنة الأمريكية على العالم .ان افكار المحافظين الجدد ، الذين لا يمتون بصلة للمحافظين التقليديين ، تقول :ان انهيار الشيوعية و الاشتراكية في العالم يعني ، ان التاريخ اختار للعالم” نظام الرأسمالية الديمقراطية ” السيو- اقتصادي- سياسي ، الذي لا هو بالديمقراطي ولا هو بالرأسمالي وعلى واشنطن فرض نظام الأمركة هذا على العالم اجمعه. الدول التي سترفض الهيمنة الامريكية ، كالصين و روسيا و سوريا و ايران يجب ان تدمر لوقوفها بوجه “الأحادية ” .(1)
السبب الثالث : حاجة إسرائيل للسيطرة على مصادر الماء في جنوب لبنان . أرسلت إسرائيل جيشها المتبجح لمرتين لإحتلال جنوب لبنان الذي تم طرده من قِبل ميليشيات حزب الله المدعومة من سوريا و إيران .
يمكنني القول صراحةً : ان إسرائيل تستخدم امريكا ، للقضاء على حكومتي سوريا و إيران اللتين تقدمان الدعم العسكري و الاقتصادي لحزب الله ، و لإيقاف هذا الدعم ،تقوم إسرائيل بتحريك أمريكا ، للقضاء على حزب الله ، كي يتمكن الجيش الاسرائيلي من الإستيلاء على جنوب لبنان كما أستولت مِن قبل على فلسطين و جزءٍ من الاراضي السورية  .
ان عدم مبالات الشعب الامريكي للسنوات الست عشرة المنصرمة بما يجري ، اعطى الفرصة للحكومة الفاسدة ، تبديد الترليونات من الدولارات التي كان من الممكن  توظيفها للأسثمار و التطوير الداخلي، بدلا من تخصيصها لجهازي الجيش و المخابرات اللذين يخدمان إسرائيل و أيدلوجية المحافظين الجدد لإحكام السيطرة الامريكية على العالم. من الواضح ان الديمقراطية الامريكية ،خدعة موظفة لخدمة دولة الاخري ، لا الشعب الامريكي  .فما هي العواقب  التي ستترتب جراء خدمة واشنطن مصالح دولة أخرى ؟ الجواب سيكون : زيادة نسبة الفقر إلى 99% أو فناء العالم . ان واشنطن تتناسى حقائق خطيرة عندما تضع نفسها في خدمة جهازي الجيش/ الأمن ، ايديولوجية المحافظين الجدد و إسرائيل . ان مصالح إسرائيل لتغيير النظام في سوريا و إيران يتعارض كلياً و هدف روسيا في الوقوف بوجه استيراد الجهاديين إلى روسيا الاتحادية و اواسط آسيا . لذا تقوم إسرائيل بدفع الولايات المتحدة للتدخل العسكري ضد الروس.ان سيادة روسيا لإراضيها ، لا تنسجم وعقلية المصالح المالية لجهازي الجيش/الأمن الامريكي ،كما انها  لا تتماشى و ايديولوجية المحافظين الجدد في سيادة العالم ، لذا يقومون بتطويق  روسيا ، بحزام هائل من الصواريخ .
لا سلطة  للرئيس ترامب على واشنطن .أجهزة  الجيش و المخابرات، هما من يمتلكا السلطة المطلقة  .ما يؤكد فكرتي ، ما قاله الرئيس آيزنهاور عن هذين الجهازين: ” انهما تهديداً للديمقراطية الامريكية ” . نعم ، فديمقراطيتنا مهددة ايضاً : من قِبل اللوبي الاسرائيلي و المحافظين الجدد ، و مصلحة هذا الثلاثي تكمن في توجيه ضربات إستباقية ، لشل قدرات الشعب الامريكي من صنع القرارات لمستقبله .ان كل من يقف بوجه إسرائيل في مجلسي الشيوخ و النواب ، يُهزم من قِبل اسرائيل في حملة إعادة انتخابهم ، مما  يمنح إسرائيل فرصة تمرير كل ما ترغب به و بأغلبية ساحقة في إجتماعات كلا المجلسين. هذه الحقيقة ، أكدها بمنتهى الصراحة ، آدم مورر  Adm. Moorer ، قائد الاسطول البحري وهيئة الاركان المشتركة حين  قال  :”  لم يتمكن اي رئيس امريكي حتى اليوم من الوقوف بوجه إسرائيل ” . إسرائيل تحصل على ما تريد بغض النظر عن العواقب التي ستترتب على امريكا . واشنطن تهدد و تتوعد روسيا و الصين لأنها غير قادرة على مواجهة دولة صغيرة مثل اسرائيل و بأعتقادي ، ان تصعيد مثل هذا النوع التوتر مع هاتين الدولتين فيه الكثير من مؤشرات الجنون . لقد انتهى زمن الساسة المحنكين ليحل محلهم رجال حُشيت ادمغتهم بآفة اسمها ،الغباء . ان كوكب الارض وكل ما عليه من مخلوقات ،بحاجة إلى قادة غربيين متمكنين ، قادة يتمتعون بضمير اخلاقي ،قادة يحترمون الحقيقة ولديهم القدرة على إستيعاب حدود سلطتهم .

Washington Has Been At War For 16 Years: Why?
B : Paul Craig Roberts
June 30, 2017 “Information Clearing House
‎2017-‎07-‎23