كوبا انتصرت؛ الثورة ليست للبيع

"أيها الرفاق إن الثورة ليست للبيع"، هذا هو ما قالته موظفة الاستقبال في المزار الكائن عند ضريح جيفارا، في مدينة سانتا كلارا في كوبا، جواباً على سؤال أحد الزوار بشأن دفع المال مقابل التجوّل في المزار، الذي ما زال يحتفظ برائحة تلك الأيام ودفئها. فالثورة الكوبية ليست برسم البيع.

كوبا - حسن أمين

خاص لراديكال – حسن أمين

لسنا هنا بصدد نبش أوراق التاريخ للحديث عن الثورة الكوبية بذاتها، أو عن رموزها الأبرز والأكثر تداولاً: القائد والطبيب الأرجنتيتي إرنستو جيفارا، والزعيم الكوبي فيدل كاسترو.

بل نحن هنا لنربط التاريخ بالحاضر، لننسج خيطاً يصل بين انتصارين اثنين، بين انتصار الثورة الكوبية على ترسانة الرجعية قبل أكثر من خمسين عاماً، وبين انتصار كوبا على ترسانة الإمبريالية اليوم. نعم، هو انتصار جديد يسجّل لكوبا وللشعب الكوبي، الذي عانى الأمرّين مذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية أشدّ العقوبات بحقه والتي تنوّعت في أشكالها، وكان هدفها عزل كوبا عن العالم وإظهار الثورة الكوبية التي حملت الاشتراكية والعدالة للشعب، بأنها نموذج لا يصلح للتطبيق وفق شروط العالم “الحر” الذي يدفع البشر ثمنه يومياً.

الأربعاء 18 كانون الأول/ديسمبر في نهاية العام 2014، أطلّ الرئيس الكوبي راؤول كاسترو من خلال وسائل الإعلام الكوبية، بخطابٍ أعلن فيه عن نيّة الولايات المتحدة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، بعد أن مرّ على انقطاعها أكثر من نصف قرن، وتحديداً في عام 1961. والتي سبقها إعلان حظر تجاري على كوبا عام 1960 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

ربما يكون الأمر الأهم في هذا الإعلان هو الاستنتاجات التي يمكن بناؤها على أرضيته؛ ولعل الاستنتاج الأهم في هذا السياق هو المعنى وراء صمود الثورة الكوبية في وجه الحصار وهجمات الإمبريالية، التي بدأت بالحصار نفسه ولم تنتهِ بتدخل منظمات المجتمع المدني المستمر، والترويج لـ “حرية الكاوبوي” المعهودة، الحرية التي تُفقد الحياة مضمونها الجماعي لتركز على عبثية الفرد وحده.

لسنا بصدد الخوض في سجالات فلسفية هنا أيضاً، وقد لا يكون هذا المكان الأنسب لعرضٍ من هذا النوع، لكن ما نريد التأكيد عليه هو مسألة الإدراك العميق في وعي الشعب الكوبي لملامح الحرية القائمة على أسس اجتماعية، والتي تلمّسها من خلال ثورته الاشتراكية منذ دخول قوّات الثورة إلى هافانا في الأول من يناير عام 1959 وحتى هذه اللحظة، فالمعنى الحقيقي الذي يكنّه هذا الصمود التاريخي هو التفاف المجتمع الكوبي حول الثورة، وميله المتجذر للدفاع عنها بثقة عالية.

والاستنتاج الآخر الذي يمكن أن لنا أن نستنبطه من بين ثنايا تصريحات أوباما، عقب الإعلان عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، هو أن هافانا ما زالت عدواً مستهدفاً في عيونهم، برغم انتصارها وشموخها في عيوننا. كيف لا وهي البلد الاشتراكي الذي اصطف في معسكر الدول المناوئة لإمبريالية العم سام، الجار الحدودي لجمهورية كوبا.

فقد صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما في كلمة متلفزة وجهها للشعب الأمريكي: “إن عزل كوبا لم يعط نتيجة، وينبغي اعتماد مقاربة جديدة”.

فرحنا بهذا الانتصار الكبير لكوبا ولشعب كوبا بالتأكيد، لكننا لم ننس قراءة ما بين السطور كما اعتدنا، أو قراءة الحدث بعدسة الفكر إن صح التعبير. وفي الواقع، إن كوبا أعلنت انتصارها مع سقوط باتيستا وحكمه، ومنذ ذلك الحين يحتفل الشعب الكوبي بانتصاره الظافر على الاضطهاد والرجعية.

صور جيفارا التي تملأ الشوارع وتزيّن صدور الشبان، الشعارات المناهضة للولايات المتحدة في أزقة المدن، وموسيقى السالسا التي يتراقص الكوبيون على أنغامها ليلاً، كل هذه المظاهر هي أدلة دامغة على انتصار كوبا، الانتصار الذي يجسده المجتمع بوعيه وتفاصيل حياته اليومية.

تبقى الجبهة مفتوحة على كل الاحتمالات والأسئلة بالطبع، أي فيما يتعلق بإعادة تفعيل قنوات الاتصال بين كوبا وأمريكا على وجه التحديد (ضمن شروط معيّنة)، حيث يمكن أن تكون هذه الخطوة، التي أقر أوباما فيهابدور البابا فرنسيس كوسيط بينهم، ربما نظراً لأصوله اللاتينية، لا ندري، لأننا لم نعتد سوى على حروب أيديولوجية أطلقتها المؤسسة الكنسية في الفاتيكان على الاتحاد السوفييتي “الشيوعي”، بتهم ليست غريبة علينا كـ “الإلحاد” وما إلى ذلك، الأمر الذي يذكرنا بمحاكم التفتيش في أوروبا القروسطية؛ يمكن أن تكون هذه الخطوة إذاً مجرد تمويه دبلوماسي إعلامي هدفه رسم سيناريوهات جديدة للمنطقة اللاتينية، بقواعد جديدة أيضاً.

وربما تكون هذه الخطوة، إذا افترضنا حسن النوايا في التحليل، تهدف حقاً إلى إعادة المياه إلى مجراها، فعن أي مجرى نتحدث هنا؟ هل تقصدون العهد الذي كانت كوبا تعد فيه الباحة الخلفية للولايات المتحدة، كما كانت فنزويلا قبل تشافيز؟ أم العهد الذي ساهمت فيه أمريكا بتنصيب وتسليح باتيستا لتضع يدها على الأرض وما في باطنها؟! جمهورية كوبا اليوم وتحت الحصار، تصل نسبة الالتحاق بالمؤسسات التعليمية فيها إلى أكثر من 95%، وهي مجانية بالطبع؛ كوبا تمكنت اليوم في أجواء من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإمبريالية، من تقليص معدلات الفقر والبطالة إلى أدنى مستوياتها.

لم تأتِ هذه الأرقام أعلاه تحت إغراء المقارنة وحدها لمن يتساءل، فدولة تابعة كالأردن لم تقترب من تحقيق نصف هذه النتائج التي حققتها دولة اشتراكية مستقلة مثل كوبا، ولم تقف على تخومها حتى! ومجدداً علينا التأكيد على نقطة هامة.

نعم، كوبا ستبقى هدفاً استراتيجياً لثالوث المراكز الرأسمالية، التي فقدت موطئاً لقدمها في القارة اللاتينية، مع انحياز شعوب المنطقة نحو الاشتراكية كحل للخروج من الأزمة التي عصفت بهم لردح طويل من الزمن، والذي تخلله حكومات ليبرالية مدججة بالسلاح والغطاء الأمريكي لضمان سيطرتها على الجنوب. لكنَّ حذرنا هذا لا يمنع الفرحة بالانتصار الدائم لكوبا.

ومهما بلغ حجم التدخلات في جمهورية كوبا، حاضراً أو مستقبلاً، ما لا نستطيع تجاهله في هذه الحالة أن شعباً كالشعب الكوبي، له ذائقته الثقافية والأدبية والموسيقية المميزة، والتي ليست وليدة الحظ أو المصادفة، بل هي وليدة الثورة الثقافية الملتحمة عضوياً ببرنامج الاشتراكية القائمة، في أحد دول منطقة الكاريبي، لا يمكن أن يهزم هذا الشعب بتلك السهولة التي يتصورها البعض. فالشعب هنا عصيّ على الهزيمة، وثابتٌ أمام العاصفة التي كانت أمريكا مركزها ومصدرها.

والتاريخ خير شاهد على صمود المجتمع وتماسكه في وجه أعتى أدوات الإمبريالية لاختراق الشعوب، التمويل الأجنبي “المشروط” من خلال منظماته العديدة، والآلة الإعلامية في حزمة واحدة.

وجّه فيدل كاسترو في خطابٍ له كلمة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق بوش، قال له: “أنتم صدروا القنابل للعالم، ونحن سنصدر الأدوية والأطباء”.

هذه هي كوبا، التي انتصرت ورفضت تحوّل الثورة إلى سلعة أُخرى، فالثورة هنا ليست للبيع، ولم تبتلع الثورة أبناءها. تسير بين شوارع مدن كوبا وقراها، ولا يسعك إلا أن تسمع صوت الأغنية الشهيرة Comandante Che Guevara تخرج من داخل البيوت والمحال، فالشعب هنا يحفظ ذكرى تشي جيفارا الذي كرس حياته من أجل الفقراء والمظلومين.

كوبا انتصرت؛ ربما كررت هذه العبارة كثيراً في المقال، لكن لا يسعني حقاً سوى ترديدها مراراً للتأكيد على حقيقة واحدة، حقيقة قالها جيفارا في خطابه أمام الأمم المتحدة، لعلّ شعوبنا المستعمَرة تدركها جيداً، لنتمكن من الخروج من مستنقع التبعية والفوضى والانقسام الذي وضعتنا فيه الإمبريالية الرأسمالية، وشوّهت به قيم الوجود، ليستحيل صراع التحرر في سياقه الأممي، الذي لطالما آمن به الثائر الأممي جيفارا، صراعاً فرعياً على قاعدة الانتماءات الفئوية. فقد قال جيفارا في كلمته تلك، مشيراً إلى أسبقية النضال التحرري على أي شيء آخر: “إمّا الوطن أو الموت”.


‏08‏/02‏/2015