سورية جمعتهم وفلسطين ستفرقهم

د. عمر ظاهر

omardahir

الزعيم الروسي فلاديمير بوتين وضع جزءً لا بأس به من ثقله العسكري في الصراع في سورية.

كانت أهدافه هنا واضحة تماما. إنه أراد أن تبقى الدولة السورية، وأن يبقى النظام حتى انتهاء العدوان الكوني على البلد لتنفتح آفاق التغيير السياسي المنطقي لاحقا.

وأراد أن يكسر العمود الفقري للإرهاب في المنطقة، ويمنعه من أن يصبح قوة مستقرة تصدر الموت والخراب يمينا وشمالا.

وأراد في المحصلة الإبقاءعلى موطئ قدم ثابت لروسيا في موقع مناسب قرب المياه الدافئة.

هذه الأهداف، على أهميتها، لم تجعل بوتين يضع كل ثقله هنا. إنه أذكى من أن يفعل ذلك. ونحن نرى أنه، وبعد كل انتصار في سورية، يتخذ قرارا بسحب جزء من قواته وطائراته من البلد.

ثلاثة أمور تكاد العين لا تتجنب رؤيتها في سياسة بوتين:
أولا) إنه في عجلة من أمره في سورية  لأن سورية ومنطقة الشرق الأوسط كلها ليست جبهته الرئيسية. الجبهة الرئيسية في أمن روسيا هي أوروبا الشرقية حيث حلف الناتو يتوسع شرقا.
ثانيا) إنه في سورية بالذات لا يعول على الحل العسكري، بل هو يستخدم القوة العسكرية إلى الحد الذي يجعل من الحل السياسي ممكنا.
ثالثا) إنه، وللأمرين السابقين، لا يريد الانفراد برعاية الحل السياسي، ويمد يده إلى جميع المعنيين، ويذهب إلى حد بعيد في التعاون مع كل من يمكن أن يعينه، ولو مرحليا، على تحقيق ما يصبو إليه.

وفي هذا الإطار فإن مصالح بوتين تلاقت بشكل درامي مع بعض من مصالح إيران في سورية، ولكن هناك عوامل تجعل من هذا التلاقي أمرا مرحليا، فعلى المدى البعيد هناك اختلاف بيّن وجذري بين ما يريده بوتين وما يريده الإيرانيون في سورية، وفي الشرق الأوسط عامة. هذا ناهيك عن أن الحديث عن تحالف روسي – إيراني كان أمرا بعيدا عن الواقع.

بوتين يسعده من جهة الجهد العسكري البشري الذي يبذله الإيرانيون في سورية، ولكنه على ما يبدو غير مرتاح للوجهة التي يذهب إليها هذا الجهد – ألا وهي إعطاء محاربة الإرهاب طابعا مذهبيا.

بوتين يرى، محقا، أن الإرهاب عدو الجميع، وضحاياه ليسوا من مذهب أو دين واحد. كذلك فإن الجميع يحاربه، بدليل أنه لولا تدخل روسيا المسيحية لالتهم هذا الإرهاب سورية.

وهنا يجدر الانتباه إلى حدث بسيط، ولكن معبر. إن بوتين الذي لم يزج بقوات برية في الصراع سارع بعد دخول الجيش العربي السوري والقوات الإيرانية إلى حلب، إلى استقدام لواء من الشرطة الروسية، وكلفها بمساعدة الشرطة السورية في الحفاظ على الأمن في المدينة، مع أنه لا حاجة لمزيد من قوى الأمن بوجود جحافل من المتطوعين الإيرانيين والعراقيين وغيرهم من الذين دخلوا المدينة.

كان الهدف واضحا، فبوتين لا يريد فضائح وريبورتاجات غربية عن أعمال انتقامية، وعن إساءة معاملة المدنيين بعد سقوط حلب.

بوتين يريد أن يتوقف العنف، وتجتمع كل الأطراف السورية لإيجاد حل سياسي لمحنة بلدهم، بعد أن تم قصم ظهر الإرهاب القادم من الخارج.

استقدام شرطة روسية لمساعدة الشرطة السورية في حماية الأمن في حلب يكشف عما يدور في دواخل بوتين عن سلوك شركائه المؤقتين من الإيرانيين.

ومن التفاصيل الصغيرة لما بعد حلب يمكن للمرء أن يرى التطورات المرتقبة على مستوى أعلى.

طغت في الفترة الأخيرة في الإعلام العالمي أخبار أمرين هامين هما:
أولا) العلاقة الودية الغريبة بين الرئيس الروسي، بوتين، والرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، إلى درجة اتهام روسيا بالقرصنة الالكترونية على الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب.

وثانيا) عودة القضية الفلسطينية إلى الساحة السياسية الدولية فجأة عبر إجراءات ضخمة.

كانت إدانة الاستيطان الإسرائيلي في مجلس الأمن بالإجماع في الشهر الماضي أول المؤشرات على هذه العودة، وهنا فالولايات المتحدة الأمريكية أقدمت على خطوة لا سابق لها في سياستها الداعمة لإسرائيل، ألا وهي عدم استخدام الفيتو في مجلس الأمن لحمايتها والدفاع عن سياسة الاستيطان.

ثم جاء المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية، جون كيري، الذي أوضح فيه رغبة الولايات المتحدة في حل الدولتين، بل وإصرارها على أن حل الدولتين هو الضمانة الوحيدة لأمن إسرائيل، وبقائها. ثم جاء، مؤخرا، مؤتمر باريس ليؤكد على حل الدولتين.

لقد نظر الكثيرون إلى إعراض الولايات المتحدة عن استخدام الفيتو لحماية إسرائيل باعتباره رد اللحظة الأخيرة لإدارة أوباما على وقاحة إسرائيل. وهذه رؤية سطحية، ففي سياسة الولايات المتحدة هناك أمور أساسية لا يتغير الموقف منها بتبدل الإدارات.

وهنا فإن إدارة أوباما لم تعاقب إسرائيل، بل وضعت، في الواقع، أساسا لما ستسير عليه الإدارة التالية في هذا المجال.

بطبيعة الحال فإن إدارة ترامب لن تقدم على البناء على الأساس الذي وضعته إدارة أوباما، وتجبر إسرائيل على أي شيء، إلا إذا كان هناك بالمقابل ما تعطيه هذه الإدارة لإسرائيل تعويضا عن تنازلها عن شيء.

وليس هناك مكان لأي شك في أن ترامب وبوتين سيلتقيان على هذا “الشيء” الذي ستأخذه إسرائيل مقابل دعم أمريكا لحل الدولتين – هذا إذا لم يكن بوتين قد اتفق عليه أصلا مع الإدارة السابقة على أمل أن ينفذ الاتفاق مع الإدارة اللاحقة.

يبدو جليا أن “الشيء” الذي ستأخذه إسرائيل هو اتفاقية “سلام” مع سورية برعاية روسية أمريكية جادة، فأي حل للصراع لا معنى له مع بقاء حالة الحرب بين سورية والكيان الصهيوني. وهذا يتوافق مع سياسة بوتين في الشرق الأوسط بشكل عام.

بوتين يرغب دون أدنى شك في إقناع القيادة السورية بأهمية مثل هذها الاتفاقية، فسورية، بعد تحقق السلام الأهلي في البلد، لن تكون، عمليا ومنطقيا، قادرة على خوض حرب شاملة، أو العيش في ظل تهديد بوقوع حرب شاملة مع إسرائيل، خاصة أن الوجود الروسي في سورية ليس بقصد دعم سورية في وجه إسرائيل – الأمر الذي أثبته العدوان الإسرائيلي المتكرر على سورية طوال فترة وجود روسيا فيها دون أن تحرك هذه الأخيرة ساكنا.

ثم إن سورية تقف في مواجهة العدو الصهيوني، عمليا أيضا، بلا حلفاء غير إيران وحزب الله.

هناك من يحسب، ربما من باب السخرية، العراق أيضا حليفا لسورية، وبالتالي بلدا ما يزال في خندق المقاومة. كيف لا يكون ذلك من باب السخرية، والعراق بلد مكبل بقيود الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة؟ العراق لم يعد جزء من تحالف المقاومة لأنه أولا بلد محتل أمريكيا وإسرائيليا، وهو ثانيا بلد غارق في الفساد والعنف الطائفي الذي لا تبدو له نهاية في الأفق المنظور. مشاركة العراق في تحالف المقاومة ليس إلا من باب الفساد الكلامي، وفي أفضل الحالات عبر مشاركة بعض الأحزاب والميليشيات في الصراع في سورية.

إن بوتين قد يرى نفسه قادرا على إقناع القيادة السورية بعملية سلام تكون روسيا ضامنة لها، ولا تخسر فيها سورية الكثير، بل يمكن أن نقول إن بوتين سيحاول إجبار القيادة السورية على ذلك باعتبار أن السلام بين سورية وإسرائيل سيكون منطلقا لتصفية بؤر عديدة للعنف في المنطقة، ويعطي بذلك سورية فرصة أكيدة لإعادة البناء، ولبوتين الهدوء الذي يريده هنا كي يتفرغ لطموحاته ومشاريعه الكبرى في شرق أوروبا.

بوتين لن يرعى صراعا سوريا ضد إسرائيل. وهذه من نقاط التلاقي الهامة بين بوتين وترامب، فكلاهما مهتم بإنهاء الصراع العربي الصهيوني مرة واحدة وإلى الأبد.

لا أرضية للافتراض بأن بوتين يخفي أي أجندة خاصة بإيران، أو أن علاقته الودية مع ترامب لها علاقة مسبقة بإيران.

ولكن على ما يبدو فإن تلاقي الرئيسين حول مسألة الصراع العربي-الصهيوني سيؤدي، كتحصيل حاصل، إلى نقطة تلاق أخرى بينهما حول جمهورية إيران الإسلامية. إن الأخيرة موضوعة أصلا على جدول أعمال ترامب بذرائع شتى منها أنها تشكل خطرا على مصالح أمريكا، وعلى أمن إسرائيل، إلخ.

مسألة إيران قد تكون هذه أو تلك، لكن الجوهري في الأمر هو أن أمريكا لا تريد أن ترى “كوريا شمالية أخرى” اسمها إيران.

ومن هذا المنطلق يمكن الافتراض أن في رأس ترامب خططا قاسية لما يمكن أن نسميه “قصقصة” أجنحة إيران، ومنعها من التحليق أكثر مما تسمح به أمريكا.

ما الذي يمكن أن يجعل من إيران نقطة أخرى للتلاقي بين بوتين وترامب؟

المسألة تنحصر قطعا في اختلاف رؤية الطرفين، بوتين والإيرانيين، إلى القضية الفلسطينية، وإلى خطط الطرفين لمستقبل سورية.

فبينما يريد بوتين أن يشارك بفعالية في إنهاء الصراع حول فلسطين عن طريق رعاية عملية سلام بين سورية وإسرائيل وإتمام حل الدولتين، فإن لإيران موقفا آخر يتمثل في كون قضية فلسطين وتحرير القدس العنصر الأساسي في ستراتيجيتها للتحول إلى قوة إقليمية فاعلة بكسب قطاع مهم من العرب إلى جانبها باعتبارها العمود الفقري لنهج المقاومة، الأمر الذي يشار إليه أحيانا من قبل بعض المحللين على أنه مشروع إيران القومي ورغبتها في إعادة إنشاء الامبراطورية الفارسية.

لا أحد يمكن أن يؤكد أو ينفي استعداد إيران في الدخول في نهاية المطاف في صراع عسكري مع إسرائيل لإزالتها من الوجود، أو تحرير القدس، ولكن ما لا شك فيه هو أن إيران تنتهج إزاء إسرائيل سياسة ردع فعالة تتمثل في التمركز بثقل كبير على حدود فلسطين المحتلة، والتهديد بمقاتلة إسرائيل هناك، في خاصرتها، إذا تجرأت إسرائيل على مهاجمتها.

إن سورية تلعب، سوية مع جنوب لبنان وغزة، دورا أساسيا، وحيويا، وحاسما في ستراتيجية الردع الإيرانية. لذلك فإن أي جنوح سوري نحو عملية سلام مع إسرائيل سيسحب البساط من تحت أقدام الستراتيجية الإيرانية، ويتركها ركاما.

ثم إن خروج سورية من خندق المقاومة سينعكس مباشرة على مكانة ودور القوة الأساسية في هذا الخندق، حزب الله.

ولهذا فإن إيران لن تسمح بأية اتفاقية سلام بين سورية وإسرائيل، ولن تترك سورية لبوتين.

بوتين هو في آخر المطاف حليف سياسي وعسكري لسورية – من الخارج، بينما إيران ترتبط بسورية بوشائج في مجالات عديدة وعلى مستويات أعلى.

لهذا فإن سورية في طريقها لتصبح ساحة صراع بين نفوذ روسيا ونفوذ إيران، فالروس سيضغطون قريبا باتجاه عملية سلام، وسينزعجون، أو يغضبون من أي اعتراض سوري على رغبتهم.

والإيرانيون سيضغطون بكل قوتهم لإجهاض أية نية سورية بهذا الاتجاه، ولجعلهم يصرون على الاستمرار في نهج المقاومة.

في آخر المطاف فإن إيران ربما سترى نفسها في هذه الحالة في مواجهة خطيرة ليس فقط مع ترامب الذي يريد قصقصة أجنحتها، بل وأيضا مع بوتين الذي يريد منها أن ترفع يدها عن سورية، ولا تستخدمها في مشروعها القومي.

أسئلة لا بد من طرحها:

أولا) هل ستتمكن القيادة السورية المعروفة بحكمتها، وهي تعرف حتما هذا التناقض بين مصالح الحليفين، الروسي والإيراني، من إيجاد طريق ثالثة بينهما، أم أنها ستضحي بتحالفها مع أحدهما؟

ثانيا) ما هي وسائل الروس في إقناع السوريين بالسلام، أو إرغامهم على ذلك؟

ثالثا) ما هي وسائل الإيرانيين في الاحتفاظ بسورية مع عدم الاختلاف التام مع بوتين إلى حد جعله يسكت عن خطط ترامب لقصقصة أجنحة إيران فيواجهوا بالتالي نفس مصير العراق وصدام عام 1991؟

رابعا) ماذا ينتظر المنطقة العربية من تطورات في ظل العلاقات الودية بين بوتين وترامب؟

وأخيرا، هل هناك نقطة تلاق ثالثة بين بوتين وترامب في هذه المنطقة، مثلا الاتفاق على إنهاء مرحلة الأحزاب والتيارات الدينية في الشرق الأوسط لصالح أنظمة ليبرالية؟

‎2017-‎01-‎20