حوار الفلافل والتكنولوجيا

 د. عمر ظاهر

 omardahir

ربما لا تدخل مشاكل العرب والمسلمين في الغرب في الأساس في إطار السياسة وصراعاتها، رغم أنها تتخذ على السطح هذا الطابع، أو على الأقل يجري استغلالها في هذا الإطار. المشاكل هي قبل كل شيء ثقافية تتعلق بإمكانيات الحوار بين ثقافتين، وبالتالي بين عقليتين، أو بين منظومتين فكريتين تدخلان في مواجهة تخريبية إذ لا تستطيع أي منهما إيجاد نقاط تلاق مع الأخرى.

 لفهم هذه الإشكالية يمكن القول أن هناك علاقة وثيقة بين لغة الفرد، وثقافة مجتمعه، وطريقة تفكيرهما، وبالتالي منظومة الأفكار التي يحملها هذا الفرد. هناك خلاف بين الباحثين حول طبيعة هذه العلاقة، خاصة فيما يتعلق بأي من هذه العناصر، اللغة، والثقافة، والفكر هو نقطة الانطلاق في تلازمها وترابطها. لكن ما لا خلاف فيه هو أن هناك علاقة ديناميكية بين العناصر الثلاثة بحيث أن كلا منها يؤثر في العنصرين الآخرين، ويتأثر بهما، حتى أننا يمكن أن نقول إنها كل واحد.

 وما لا خلاف عليه أيضا هو أن هذا التفاعل بين اللغة والثقافة والفكر يصوغ للإنسان طريقة فهمه أو رؤيته للعالم من حوله، ومن ثم موقفه من كل شيء في هذا العالم، وفي آخر المطاف كيفية تعامله مع هذا العالم. إذا كانت رؤية الإنسان للعالم أو المجتمع من حوله هي أنهما مكان خطر وعدواني، مثلا، فإن موقفه منهما يكون على الدوام الشك والحذر، وتكون طريقة تعامله معهما محكومة بغريزة حب البقاء التي تجعله يبادر بتلقائية إلى التعامل بعدوانية مماثلة مع ما حوله.

 

ويمكننا أن نفترض أن تفاعل الفكر والثقافة واللغة ينشئ في رأس الإنسان آلية للتفسير، تفسير ما يسمعه من كلام، أو ما يراه من ظواهر. وسلوك الإنسان قائم، حسب هذا الافتراض، على الاستجابة للتفسير الذي تقدمه هذه الآلية للكلام الذي يسمعه، وللظواهر التي يشهدها. إن احتمال تطابق التفسير مع الواقع في المجتمع الذي ينشأ فيه الفرد كبير جدا لأن هذا المجتمع هو من يضع معايير هذه الآلية. لكن هذا الافتراض لا يحمل صفة الجبرية والشمولية، ذلك لأن الإنسان كائن يتطور باستمرار نتيجة التجارب، والنضوج، والاطلاع على المنظومات الفكرية لبقية الأمم والمجتمعات، فيستطيع الفرد التحرر من تلقائية هذه الآلية، وخاصة عندما يجد نفسه في مجتمع غير مجتمعه الأصلي.

 كمثال على ذلك أن الشخص المسلم عندما يسمع، في مجتمعه الأصلي، عن نساء يسرن في الشوارع وحيدات بعد منتصف الليالي فإنه يفسر ذلك على الفور بأنهن فاجرات، وأنه أمر عادي أن يلاحقهن الرجال. بينما يدرك المسلم الذي يعيش في البلدان الأوروبية أن وجود المرأة خارج المنزل بعد حلول الظلام لا يقول شيئا عن وضعها الأخلاقي، ولا يعني أن من حق الرجال ملاحقتها، ومضايقتها.

 لكن العربي أو المسلم الذي ينتقل إلى الغرب يلزمه وقت طويل كي يغير معايير الآلية التي في رأسه، ليدرك أن تفسيراته لآلاف الظواهر لا تتطابق مع الواقع. ومن هنا ينشأ فور وصول الوافدين إلى أوروبا صراع بينهم وبين أهل البلاد لأن كلا منهما يفسر كلام الآخر، وظواهر حياته، وسلوكه انطلاقا من آلية التفسير المزروعة في رأسه. إن اختلاف معايير آلية التفسير في رؤوس الملسمين والغربيين عامة هو منطلق ما نسميه بالحكم المسبق، أو المنحاز الذي يعتبر من أهم العوائق أمام قيام حوار بين الثقافات المختلفة.

 لم يكن الغربيون – طبعا المعنيون بدمج العرب وغيرهم في مجتمعاتهم، غافلين عن هذه الحقيقة، لكنهم لم يكونوا يدركونها كاملة، فقد كانوا يرون أن كل شيء يبدأ باللغة، فتعليم لغة البلد للغرباء سيحل، حسب ظنهم، كل المشاكل إذ يصبح هؤلاء قادرين على التواصل مع أهل البلد، ومن ثم قادرين على فهم طريقة حياتهم، والتكيف تدريجيا مع هذه الحياة، والاندماج أو حتى الذوبان فيها.

 كان النقص في الإدراك يكمن في ثلاث نقاط: الأولى هي القطع بأن اللغة هي نقطة الانطلاق في تحديد الفكر والثقافة، وأن تعلم لغة البلد سيطلق عند الوافد فكرا جديدا وثقافة جديدة؛ والثانية هي تجاهل تأثير اللغة الأم للوافدين والتي ضربت جذورها عميقا في تكوين هذا الإنسان قبل وصوله إلى الغرب، وأيضا تجاهل تواصل هذا التأثير نتيجة ازدياد عدد الوافدين إلى حد تكوين مجتمعات صغيرة لأنفسهم ضمن المجتمع الغربي الكبير. وفي الحقيقة فإن اللغة الأم تكتسب في الغربة قوة إضافية لأنها تصبح عنصرا بارزا بشكل مخيف في تكوين هوية الإنسان الوافد، وتقوية انتمائه إلى المجتمع الصغير، الغيتو، وأيضا إلى المجتمع الأصلي الذي جاء منه.

 إن كثيرين من المسلمين في أوروبا يجدون أنفسهم في الواقع مضطرين ليس إلى الاندماج في المجتمعات التي وفدوا إليها، بل في المجتمعات الصغيرة التي أنشؤها لأنفسهم داخل المجتمعات الأوروبية. الطامة الكبرى هنا تكمن في أن هذه المجتمعات الصغيرة مغرقة في رجعيتها حتى قياسا إلى المجتمعات الأصلية للوافدين. إنها مجتمعات تعمل كل ما في وسعها للتميز عن المجتمع الكبير من حولها، وبشكل متطرف ولاعقلاني، وتسود فيها تدريجيا سلوكات القطيع، فالفرد فيها يخضع لمفاهيم الجماعة حتى إن لم يكن مقتنعا بها، كي يكون مقبولا فيها .

 أما النقطة الثالثة التي وقع الخطأ فيها فكانت افتراض أن اللغة هي عبارة عن مفردات تتكون بفضل تجميعها وفق قواعد معينة عبارات، تحل مشكلة التواصل، فبمجرد أن تعرف المفردات، وتسيطر على القواعد تستطيع أن تكوّن عبارات، أو جملا مفيدة، يفهمها من تتكلم معه. الأمر ليس كذلك قطعا.

 اللغة، كما يقول الفيلسوف الألماني هانس جيو جادامر، هي بيت الوجود. وعلى هذا فإن اللغة هي ملجأ الإنسان، مكان حريته المطلقة، مكمن ثروته الفكرية، ومخزن تجاربه، وإرثه، وعلاقاته الروحية، ومفاهيمه وخياله، والحبل السُري الذي يربطه بوسطه الاجتماعي. إن تعلم اللغة الأم لا يقتصر على تعلم المفردات والقواعد، بل يصاحبه تعلم المنطق الداخلي لها، وقواعد التواصل عن طريقها، وأنساق الحجج، والتفسيرات، والتبريرات فيها. وتعلم لغة أخرى يكون ناقصا دون الولوج في عالم منطقها الفكري والثقافي، وأنساق حججها، وقواعد التواصل عبرها، وفهمها والالتزام بها في التواصل مع الناطقين بها.

 إن من يتعلم العربية من الأوروبيين بجدية ينغمس في الوقت نفسه في فهم العقلية العربية، والتاريخ العربي، والمجتمعات العربية فيصبح “خبيرا” في أمورنا، ويغزونا في عقر دارنا وهو جالس في مكتبه في جامعة أوروبية، أو مركز أبحاث أوروبي، مثلما تغزونا تكنولوجياتهم، بل أكثر. أما تعلمنا نحن للغات الأوروبيين فلا يجعلنا نقترب منهم، ناهيك عن اختراق عقليتهم، أكثر من اختراق الفلافل والشاورمة لنظامهم الغذائي.

 يمكن أن نعطي أمثلة لا حصر ولا عد لها عن كيفية استخدام المفردات التي يتعلمها الإنسان من لغة أجنبية دون أن يتمكن من التلاقي مع من يتكلمون تلك اللغة – ودعك عن الحوار. لنعطي مثالين يحملان معان شديدة الالتصاق بالثقافة والفكر: العربي المسلم الذي يريد أن يتحدث بالدنماركية عن “حقوق الله” وعن “حقوق الوالدين”. بالتأكيد سيجد هذا المسلم المفردات الدقيقة التي يترجم إليها العبارتين. ولكن ماذا سيلقى إن تحدث بهما أو عنهما؟

 في المجتمع المسلم فإن كون الله له حقوق أمر لا يناقش، ولا يخطر على بال أحد أصلا أن يناقشه، أو يتساءل عنه، حتى أن بعض المسلمين يرون أن الالتزام بالإسلام يعني أصلا أن تؤدي صنفين من الحقوق: حقوق الله وحقوق الناس. كذلك حقوق الوالدين فإنه مفهوم أساسي في الثقافة الإسلامية، ولعل سورة لقمان هي المرجع الأساسي في هذا بحيث أن حقوق الوالدين تطغى أحيانا حتى على حقوق الله، ففي السورة الكريمة {وإنْ جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم …}.

 في المجتمع الدنماركي والاسكندنافي عامة ليس لله أية حقوق، لا سياسيا، ولا قانونيا، ولا اجتماعيا. أنت لن تجد أصلا اسم الله في أي مكان هنا، فقد تتكلم مع الناس لعشر سنوات تدخل خلالها إلى مؤسسات الدولة، والمدارس، والبيوت، وإلى كل مكان دون أن تسمع ولا مرة واحدة كلمة “الله”. الله هنا هو مفهوم مجرد موجود في الكنائس والأديرة، وفي ثنايا الإنجيل الذي لا يقرؤه إلا القساوسة. وحتى عندما يسمح الدستور بكذا وكذا في مجال الدين، مثل بناء الكنائس أو المساجد، فإن الأمر لا علاقة له بحقوق الله، بل بحقوق الإنسان وحريته في اختيار ما يشاء من دين.

 إن تكلمت عن حقوق الله هنا فإن أقل ما تلقاه هو أن الناس يسألونك عن القانون الذي وردت فيه هذه الحقوق. حقوق الله ليست منطلقا لاتخاذ موقف من أي شيء في هذا المجتمع، وهذا يصدم، بلا شك، المسلم الذي يخاف من تجاهل اسم الله، ويجدّ في العمل على كسب رضاه، وتجنب غضبه، فالبقال الذي يغشك يذكر اسم الله عشر مرات في خمس جمل، فهو معتاد على إقحام اسم الله في كل جملة، مفيدة أو غير مفيدة، لأنه يشعر بذلك أنه يؤدي حقوق الله بذكره مع أنه يبخسك حقوقك كإنسان.

 كيف يتعامل المسلم مع هذا الواقع؟ إن “الجهاز” الذي في رأسه يصنف أهل البلاد ككفرة، مع أنه يجد أن نظام التعاضد الاجتماعي عندهم يتطابق مع ما يريده الإسلام!

 الشيء نفسه يسري على حقوق الوالدين، فعند المسلمين لا حدود لهذه الحقوق فهي تشمل، مثلا، إطاعتهما في كل شيء، باستثناء تحريضهما إياه على الشرك بالله. وتشمل قبول الإهانة منهما مهما كانت وفي أي سياق؛ وتشمل إعالتهما في الشيخوخة، وتشمل، وتشمل.

 في الدنمارك الحق الوحيد للوالدين والذي يسمع عنه فقط إذا اختلف الوالدان، وقررا الطلاق، هو حق الحضانة، إما بالاتفاق عليه أو بحكم من المحكمة! وغير هذا فليس للوالدين أية حقوق على الأولاد، بل عليهما واجبات حتى يبلغ الطفل سن الرشد. الأب لن يستطيع أن يقول لطفله “عليك إطاعتي لأني أبوك”، لأنه سيسمع حتما “هل أطيعك حتى لو كنتَ غبيا؟” ليس من حق الوالدين إهانة الطفل، وليس من حقهما الطلب منه أن يحترمهما إن لم يعاملاه باحترام، والويل للوالدين إذا اتصل طفل بالشرطة وأخبرها عن سوء معاملتهما له. لا يحق للوالدين أو أي كبير استغلال الضعف البدني للطفل واعتماده على الآخرين لإساءة التعامل معه.

 والدولة تبدأ منذ ولادة الطفل بتولي المسؤولية عنه، حتى العناية بأسنانه، حتى إذا بلغ سن الثامنة عشرة أصبح للوالدين عليه صفر حقوق تماما. لا وجود لمن يعيل والديه، أو حتى يعتني بهما في شيخوختهما. الدولة وشبكات الأمان الاجتماعي والاقتصادي فيها، هي من تتكفل المسنين أيضا.

 كيف يتكيف المسلم، خاصة إذا كان متخلفا، مع هذا الواقع، وهو يظن أنه يهتدي بسورة لقمان إذ يتعامل مع طفله باعتباره مالك أقداره لأنه أبوه. كدنا أن نقول أنه يتعامل مع الطفل كأنه حيوان – وهو لا يدري أن الإساءة إلى الحيوان أيضا ممنوعة هنا.

 ولو نظرنا في مثال أكثر خطورة من هذين لظهر لنا معنى “جهاز التفسير” الذي في رؤوسنا، ومدى أهمية، أو عبثية تعلم اللغة الأجنبية للاندماج في المجتمع الغربي. رجل مسلم يحاول أن يقنع الأوروبيين بفكرة الآية القرآنية {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ …} في مجتمع يعتبر المساواة من مبادئه الأساسية، والمرأة فيه مستقلة اقتصاديا فلا يتفضل الرجل عليها بالإنفاق من أمواله. يريد المسلم أن يحاججهم كيف أن الله فضّل بعضهم على بعض، فيقول لأن الرجل أقوى بدنيا من المرأة فهو يحميها لأنها غير قادرة على حماية نفسها. إنه يجعل الناس يهزون رؤوسهم استنكارا. لماذا؟

 لأن هذه الحجة مليئة بالمطبات، ففي هذا المجتمع هناك شيء اسمه “الدولة”، والدولة بأجهزتها وأدوات قوتها، القانون، الشرطة، التماسك الاجتماعي، هي التي تحمي كل مواطن، سواء كان هذا المواطن رجلا أو إمرأة. ولهذا فإن المرأة الدنماركية عند تعرضها لتهديد، أو خطر، لا تلجأ إلى أخيها، او ابن عمها ليحميها، بل تتصل بالشرطة. ولهذا أيضا فإن المرأة في هذا المجتمع يمكنها أن تعود إلى منزلها من أي مكان، مشيا على القدمين، أو وهي تقود دراجة هوائية، في الساعة الثانية أو الثالثة ليلا دون خوف لأنها تشعر أنها في حماية الدولة، بينما يكون أبوها، وأخوها، وزوجها، وأبناء أعمامها وأخوالها يغطون في نوم عميق.

 القوة البدنية في مجتمع القانون لا تعطي الرجل الفرد سلطة على الآخرين. ثم لو كان كل من له قوة عضلية يتمتع بالقوامة على غيره، فماذا عن الرجال الضعفاء جسديا، وماذا عن المسنين والعجزة والأطفال؟ هل الرجل ذو العضلات المفتولة له حق القوامة عليهم جميعا؟

 ثم هل تعني القوامة الحماية فقط أم التسلط والتحكم بالآخرين؟ التحكم بالآخرين مرفوض في هذا المجتمع، سواء كنت قويا بهذا الشكل أو ذاك. هذا لا يعني أنه لا وجود لمن يتحكمون بغيرهم، أو أنه لا تقع اعتداءات على النساء رغم وجود الدولة والشرطة. ولكن ما هو حاسم هو قناعة الفرد وإيمانه بمبدأ المساواة، ومفهوم الدولة، فالشعور بالخطر يستدعي إلى ذهن المرأة اسم الشرطة وليس اسم الأخ وابن العم. وقوامة الرجل على المرأة مفهوم يرجع، في نظر المجتمع، إلى المراحل البدائية في نشوء المجتمعات البشرية.

 هذه أمثلة بسيطة تكشف عن أن مشكلتنا في الغرب هي مشكلة ثقافية قبل كل شيء، وتتجلى في ضعف إمكانيات الحوار، والتقارب بين الثقافات، وهذا منطلق خطر إلى نشوء المشكلة السياسية.

 المشكلة السياسية المتعلقة بالمسلمين بالدنمارك ليست ذات طابع محلي. هنا يمكن تصريف المشاكل السياسية عبر قنوات عديدة، منها التصويت أو تقديم الدعم للأحزاب التقليدية الموجودة في البلد، والتي كان أكثرها حتى الأمس القريب ذا طابع يساري. كذلك يمكن تكوين أحزاب سياسية إذا كانت هناك رغبة في التكيف مع النظام السياسي القائم. وقد يكون خيار التنظيم السياسي، أو التعامل السياسي مع قضايا المسلمين، غير ضروري أصلا، بل يمكن الاكتفاء بالنشاطات الإعلامية والثقافية. لكن هذا غير ممكن مع شديد الأسف، وذلك لوجود مصالح خارجية تسعى إلى تحقيق أجندات ليست في مصلحة مسلمي البلدان الاسكندنافية، والأوروبية عامة.

 إن الحرية الدينية مكفولة في الدستور، بل وهناك دعم من الدولة للنشاطات الدينية باعتبارها جزء من حقوق الإنسان، وحقوق المواطنة. الدولة تسمح بإنشاء دور العبادة، التي تنتشر في طول البلد وعرضه، بل وحتى في الجامعات هناك قاعات مخصصة لصلاة المسلمين. ولكن ربما لا يمكن إنشاء مسجد بتفاصيله المعمارية من مئذنة وقبب إلا بإذن خاص عبر عملية معقدة من الموافقات من جهات عديدة في البلد. هذا التعقيد لا علاقة له بهذا الدين أو ذاك، بل إن تخطيط المدن، وحتى تغيير أسماء الشوارع، عملية معقدة، وليست عشوائية، كما هي الحال في العالم العربي والإسلامي، حيث جري، مثلا، تغيير اسم مدينة صدام في بغداد إلى مدينة الصدر بقرار من رجل دين!

 وقد تدخل الاعتبارات السياسية في مسألة الموافقة على بناء مسجد في العاصمة، فتعيقها، ولكن هناك اعتبارات أخرى أقوى من السياسية، مثلا قد يكون للأجهزة الأمنية في البلد رأي في أن المسجد له فوائد أمنية فهو مكان تجمع تسهل مراقبته أكثر من دور العبادة الصغيرة المنتشرة هنا وهناك. مكان عام يرتاده الجميع، متطرفون ومعتدلون، يعطي أجهزة الأمن فرصة أفضل لكشف شبكات الإرهابيين الذين لن يتجنبوا التواجد في المساجد، فهم يعتبرونها بيئة توفر لهم فرصا كبيرة لتجنيد الأتباع.

 ربما تكون المشكلة الجوهرية في إنشاء المساجد، عدا عن مسألة تخطيط المدن، والمشاكل المعمارية، أنها مكلفة، وفوق طاقة مسلمي هذه البلدان. وهنا بالذات يأتي دور الجهات الخاصة التي لها أجندة معينة في صفوف المسلمين هنا. كان هناك دائما تسابق سعودي قطري على تمويل بناء المساجد في أوروبا. ومعلوم أن السعودية تنشط في صفوف التنظيمات الإسلامية في الدنمارك وأوروبا عامة منذ الثمانينيات من القرن الماضي. إن المواد التعليمية من السعودية لعبت دورا تخريبيا كبيرا في تشكيل وعي الجيل الثاني والثالث من العرب الوافدين إلى هنا.

 المساجد تبلور مكانة واضحة للمسلمين في الدنمارك، وتقف وراء كثير من مظاهر ما يطلق عليه “الإسلام السياسي” في البلد، والذي ينتشر بشكل مضطرد لا يقارن به إلا انتشار الفلافل والشاورمة. وفي حركة توسعه فإن هذا الإسلام السياسي ينتزع المزيد والمزيد من الاعتراف والشرعية من المجتمع. وهنا يأتي الصدام بين “جهاز التفسير” الذي في رؤوس المسلمين وبين ذاك المقابل له في رؤوس أهل البلد. معظم أهل البلد يرون هذه المكاسب، عادة، أمورا تتماشى مع الدستور ومع قواعد الديمقراطية، رغم إثارتها لنعرات قومية متطرفة. بينما ينظر كثير من المسلمين إليها باعتبارها نصرا من الله سيعقبه فتح قريب، وأن كلمة الله ستعلو هنا.

 ومن هنا الهوس الذي يثار في نفوس الشباب بأن البلد يجب أن يطرح عنه رداء الديمقراطية، ويلبس ثوب الشريعة بسرعة. إنه ليس مجرد سوء فهم، بل مسار خطر لا أحد يمكنه أن يتنبأ بعواقبه بدقة. ومن يراقب الوضع عن كثب سيرى أن الأجندات الخارجية تلعب دورا متزايدا في تعقيد التصادم الثقافي، وتحويله تدريجيا إلى تصادم سياسي.

 تقليديا كانت السعودية تحتكر الساحة في هذه البلدان باعتبارها الممول، والمصدر، والمرجعية، ثم بدأت قطر تنافسها عبر التمويلات السخية. ولكن لا يخفى أن إيران أيضا دخلت الساحة كجزء من ستراتيجيتها في المواجهة مع السعودية في كل الساحات. الدنمارك، وأوروبا عامة، لا تختلف عن العراق، وسورية، واليمن، كساحة مواجهة بين السعودية وإيران.

 معروف أن إيران كانت سابقا تحرص على التواجد في كل مكان في العالم استخباراتيا، لكنها، وبعد عام 2003 بدأت بممارسة نفس نشاطات السعودية، المدارس المذهبية في الحسينيات والمناهج ذات التوجه الإيراني. ولأن الغالبية العظمى من الإيرانيين في الخارج معارضون لنظام الحكم الإسلامي، وهاربون منه، فإن إيران تستخدم الجاليات غير الإيرانية المتعاطفة معها لتكوين خط مواجهة مع السعودية. ولعل في بعض المؤسسات الإعلامية في الغرب والتي تحمل أسماء عراقية، وتنشط في مراقبة العراقيين المعارضين لحكومات الاحتلال العراقية العميلة لأمريكا وإيران معا، ونشر بعضها قوائم بأسمائهم باعتبارهم بعثيين، أمثلة على هذا النمط من توسع النشاط الإيراني في أوروبا.

 على أن نفس الخطأ في تفسير الظواهر يتجلى أيضا في فهم كثير من العراقيين، وهم الأرض الأكثر خصوبة للنشاط الإيراني، لسماح السلطات بإقامة بعض الطقوس العاشورائية في البلدان الاسكندنافية، بأنه انتصار لأفكار الحسين وثورته، وبالتالي تنفيذ لوعد إلهي بنصر الحق ونشره. المسألة هنا أيضا لا تتعدى في تفسير الدنماركيين الالتزام بالدستور الذي يحترم حرية العقائد، وممارسة الطقوس الدينية. لكن المسلمين، على اختلاف مذاهبهم، يعتقدون أنه سيأتي يوم على الكرة الأرضية يصبح فيه الإسلام دين دولها وشعوبها جميعا! السؤال هو أي الإسلامين، السني أم الشيعي؟ ومن أجل ذلك فليتقاتل المتقاتلون.

 تسييس المشكلة الثقافية قائم على قدم وساق، من قبل المسلمين أنفسهم قبل غيرهم، والأحزاب اليمينية المتطرفة التي لم يكن لها موطأ قدم في الساحة السياسية قبل ربع قرن، تستغل هذا وتصبح بخطى متسارعة من القوة بحيث إنها صارت تتحكم إلى حد بعيد بالمسار التصاعدي للاصطدام. إن صرخة “الغزو الإسلامي”، وعبارة “أسلمة أوروبا” تستخدمان لحشد التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة، وتقويتها.

 إن جماعات اليمين المتطرف تقف أصلا على طرف نقيض مع الدساتير الديمقراطية لبلدان أوروبا الغربية، لكن وجودها تأكيد لقوة هذه الديمقراطية التي تسمح لها بالوجود، مثلما تسمح بوجود المسلمين، ومساجدهم، وحسينياتهم – في الدنمارك يسمح، مثلا، حتى للحزب النازي الممنوع في ألمانيا، بوجود علني مشروع. وهي، أي الجماعات المتطرفة، تعزز وجودها الخطر على الديمقراطية بممارسات سياسية ذكية تحميها من تحريم النشاط. إنها تحظى تدريجيا بالتعاطف والتأييد لحملها شعارات تتعلق بالهوية الأوروبية مقابل محاولات الغزو والأسلمة.

 ولو أننا أردنا أن نقرأ بين خطوط سياسات اليمين المتطرف فإننا يمكن أن نرى أن إشعال فتنة طائفية بين المذاهب الإسلامية المختلفة في أوروبا أمر ربما يجري التفكير به، وتشجيعه، لأنه سيخدم الأجندة المعادية للمسلمين عامة. هكذا كانت خطة “تحرير” الأندلس من المسلمين، شن الحرب عليهم جميعا من قبل أوروبا، وفي الوقت نفسه تأجيج الصراعات بينهم حتى تأكل نارهم حطبهم، كما يقول المثل. إن أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة يسيرون بأنفسهم نحو مثل هذه الفتنة طوعا، وبخطوات عمياء.

 لا بد، دائما، من تجنب الانجرار إلى تفسيرات تستند إلى نظريات المؤامرة، ولكن يمكن أيضا دائما تفسير الحقائق على الأرض بالاتجاهات التي تشير إليها، خاصة عندما تكون تلك الاتجاهات تحمل طابع المراوغة. وهنا فإن الدنمارك ساهمت قبل سنوات وبشكل فعال وعلى نطاق واسع في تقوية وتوسيع نفوذ رجال الدين في أوساط الجاليات المسلمة، فقد ظهرت صرعة سياسية غريبة تتمثل في حشر أئمة المساجد، وخطبائها، في عملية دمج اللاجئين في المجتمع الدنماركي تحت ذريعة أن هؤلاء لهم أصلا نفوذ بين المسلمين، ويمكن من خلال التعاون معهم تحقيق اندماج أفضل لللاجئين.

 أمر مضحك، إذ كيف يمكن لرجل دين أصلا تنفيذ أجندة الدولة العلمانية، وهو يعمل على أجندة مناقضة لها مئة بالمئة؟ النتيجة كانت أن السلطات المسؤولة عن الدمج وجهت اللاجئين بنفسها إلى أحضان الملالي، وشرعنت سلطتهم، ثم تأتي الآن وترصد سرا ما يجري في المساجد لتوثيق قيام الشيوخ بتحريض الناس على عدم الاندماج.

 كذلك اليوم فإن السياسة العامة غير الرسمية تسير في اتجاه محاربة أية ممارسات ثقافية تحمل رموزا دينية، حتى لو كانت ذات طابع فردي، مثلا الحجاب والنقاب، لكن تتفاجأ بسماح السلطات بمسيرات في شوارع المدن تحمل آلاف الصور، واللافتات، والرموز، والشعارات الإسلامية المذهبية الصارخة.

 يمكن القول أن هناك شرخا بين الشعور التلقائي للشعب وبين ما في دستوره من مواد عن الحقوق والحريات.

إن كل مظهر جديد من مظاهر توسع الإسلام، وانتشاره إلى مجالات جديدة في المجتمع، وبروزه كواحد من الملامح الجديدة لأوروبا له تأثير استفزازي، خاصة أن كل ذلك يرتبط بشكل يومي مباشرة بالإرهاب.

 في آخر المطاف فإن الشعب هو خالق الدستور، ومثلما وضعه يستطيع تغييره، أو تجميده. إن الحمقى وحدهم لا يرون المصيدة القاتلة التي تنصب من حولهم.

 “إنهم يقتلون باسم الإسلام بلا رأفة، ثم يكسبون المزيد والمزيد من الحقوق، ويحتلون حياتنا اليومية، وما هي إلا مسألة وقت فنراهم وقد جعلونا تبعية لهم في وطننا”، هكذا يريد اليمين المتطرف أن يشعر الناس هنا، وكثيرون، مع شديد الأسف، يشعرون هكذا، ومعظمهم صامت. إنه صمت قد يعبر عن أي شيء إلا الرضا.

 هل يا ترانا نبالغ عندما نقول أن المسلمين في أوروبا ينامون على بركان سيثور عاجلا أو آجلا؟ وأن هناك من يدلهم على طريق الهولوكوست، ومن يرسم خارطتها؟

2016-12-24

لقراءة الجزء الأول والثاني

http://www.sahat-altahreer.com/?p=20524

http://www.sahat-altahreer.com/?p=20441