لماذا يستسهلون الكذب علينا؟
صائب خليل

صائب خليل
15 كانون الأول 2016

انتشار الصور المزيفة في الاخبار والإنترنت، يثير العجب! وليس هذا العجب لسبب اخلاقي في استسهال التزييف والكذب، لأننا تعودنا من الإعلاميين على تجاوز الأخلاق، إنما العجب هو ان هذه الصور تكشف في كل مرة، وتعطي للكاذب الذي زيفها، مردوداً إعلاميا عكسياً، ويعاقب بخفض الثقة به من قبل مشاهديه ومتابعيه، أو هكذا يفترض. لكن ما يحدث كما يبدو هو عكس هذا. فالكذبة والصورة المزيفة تخدم دائما جهة معينة أو طائفة معينة، وتضر بطائفة اخرى.
الطائفة “الأخرى” المتضررة، هي من يكشف زيف الصورة دائما، وهي من ينشرها. ويمكننا لذلك ان نقول بثقة بأن الدافع ليس “الأمانة” و “الضمير”، وإنما المصلحة السياسية، والسعي لتدعيم موقف تلك الجماعة وإثباته.
والظاهرة الأخرى الأشد اثباتا وغرابةً، هي ان أعضاء الجهة المستفيدة من الصورة، لن يزعجهم ابداً ان يكشف تزييف الصورة، وانهم قد خدعوا بها، إلا اللهم لأنها اصبحت اقل فعالية في دعمها لموقفهم. وبالتالي فإن غضب الجماعة المستفيدة من الصورة لن يوجه إلى من زيفها، بل إلى من كشفها. وإن كان هؤلاء قد نشروا الصورة في مواقعهم، فعلى الأغلب لن يقوموا بإزالتها بعد معرفتهم بتزييفها! وحتى إن كتب معلق مر على المنشور بأنها مزيفة ويقوم بعرض الصورة الصحيحة، فإن صاحب المنشور يقاوم الدعوة للإزالة ويبدأ باختلاق الأعذار لإبقائها.
أي ان الصورة المزيفة ستبقى مدعومة من جهة ما، حتى بعد كشف تزويرها، ولا يخشى صاحبها أو الجهة التي نشرتها، العقاب بخفض الثقة.
النقطة الأخرى المثيرة للاهتمام، هي أن عملية الخداع توجه في حقيقة الأمر، وعلى عكس ما نعتقد، إلى اعضاء الجهة “المستفيدة” من الصورة وليس الجهة المتضررة منها! لأن الجهة المتضررة من الصورة، وبسبب الاستقطاب الطائفي والسياسي، لا تهتم بها أبداً، ولن تغير مواقفها استناداً إلى اية صورة، حتى إن كانت حقيقية. ومن النادر أن يقول أحدهم: “آه، الجهة التي ادعمها ترتكب الفظائع، إذن سأتوقف عن دعمها”! كل ما سيفعله هو انه سيهرول للبحث عن صورة مضادة لمعادلة الهجوم الإعلامي، او يكتب رداً يفند فيه القصة، الخ. فالكذاب هو أحد اعضاء الجهة المستفيدة من الصورة، وهو يسعى لخداع جماعته ليزداد حماسهم ضد الجهة المقابلة، وهذا ما تحققه الصورة بالفعل.
وكثيرا ما يكون الفاعل شخص خارج الجماعتين، يهدف إلى زيادة الاستقطاب والعداء بين الطرفين، مثل الجهات التي تنتفع من زيادة الطائفية، وهي ليست من اي من الطائفتين المعنيتين بالصورة.
ونلاحظ في هذه الحالة إن الصور المزيفة فعالة جداً. وفي الحقيقة قد تكون أكثر فعالية من الصور الحقيقية إذا كان القصد منها إثارة الشقاق والتوتر بين الطرفين.
فالكذبة الواحدة تحولت إلى صورتين متقابلتين تعمل كل منهما عملها في شيطنة المقابل، فتنتشر في الجهة الأولى الصورة المزيفة وتعمل عملها لإثارة الغضب والكراهية ضد الجهة الثانية، وتنتشر في الجهة الثانية الصورة التي تفضح زيف الصورة الأولى، وتعمل هذه عملها أيضا في إثارة الحقد والكراهية ضد الجهة الأولى التي ستتهم بالتزييف المتعمد والخبيث القصد.

لنلاحظ ان من قام بعملية التزييف دون ان يخشى اكتشافه، يعتمد تماماً على الخلل في امانتنا، لكي يأمن رد الفعل السلبي على مؤسسته من جهة، ولإبقاء الصور المزيفة فعالة في عملها، حتى بعد اكتشاف زيفها. أي أننا نحن من يشجع هذا الكذب علينا، وهذا هو سبب انتشار تلك الصور المزيف هذا الانتشار العجيب، وإذا عرف السبب بطل العجب!