الفلافل والشاورمة وجنود الشيطان

omardahir

 د. عمر ظاهر

 هناك اعتقاد بأن بلدان العالم كافة، بما فيها العربية، تتعرض لغزو ثقافي غربي غير مسبوق في التاريخ. نقول “غير مسبوق” لأن الغزو الثقافي ليس ظاهرة جديدة، مثلما هي العولمة أيضا ليست ظاهرة جديدة. ما هو جديد هو نطاق العولمة، ونطاق الغزو الثقافي، وكثافتهما اليوم. في سابق العصور حدثت موجات من العولمة والغزو الثقافي، مثلا على أيدي الإغريق، ثم على أيدي الرومان، ثم، وعلى نطاق أوسع، على أيدي العرب بالارتباط مع نشوء الإسلام، وانتشاره، أو نشره.

 ومع أن عبارة “العولمة” اليوم يمكن أن تكون مترادفة مع عبارة “أمركة” أي إنها تحمل طابع نشر الثقافة الأمريكية أكثر من أي شيء آخر، إلا أن نشر الثقافة الغربية، خاصة الأمريكية، ليس أمرا متعمدا، يخطط له؛ ولا يدخل من بعيد أو قريب في نطاق نظرية المؤامرة. الغزو الثقافي هو تحصيل حاصل لأن هذه الثقافة لا تصدّر إلى الأماكن الأخرى كبضاعة مستقلة، وإنما تنتقل نتيجة التفاعلات الجارية بين أمم الأرض.

 الغزو الثقافي الغربي يرتبط بالدرجة الأولى بالتكنولوجيا، ثم بالاقتصاد. التكنولوجيا هي نتاج بنية مجتمعية لها ثقافة معينة، وهي بذلك تعتبر حاملة للثقافة التي تنشأ فيها، ونقلها إلى أي مجتمع آخر يتسبب، ربما بشكل تلقائي، في نقل عناصر من الثقافة التي تحملها. لا يمكن استيراد أي شيء منها بمعزل عن الثقافة التي يحملها، ثقافة المجتمع الذي أنتجه.

 وسائل الإنتاج العصرية، من المكائن البسيطة إلى الأجهزة المأتمتة تكنولوجيا غربية؛ ووسائط النقل من الدراجة الهوائية إلى الطائرات النفاثة تكنولوجيا غربية؛ كذلك وسائل الاتصالات والتواصل من الهاتف التقليدي إلى الهواتف الذكية، والحاسوب والإنترنيت فإنها تكنولوجيا غربية في الأصل، فلا غرابة إذن أن يصاحب نقلها إلى البلدان والمجتمعات الأخرى غزو ثقافي غربي لها.

 لا حاجة إلى مناقشة ما تحمله الهواتف النقالة، مثلا، من عناصر ثقافية، وكيف أنها تعيد خلق تلك العناصر في أية بيئة تدخلها. المهم أن نعرف أن تلك العناصر لا تخلق ثقافة جديدة، أو تعيد بشكل كامل خلق ثقافة المجتمع الذي نشأت فيه. إنها تدخل في البيئة الجديدة كعناصر تخترق النسيج الثقافي لتلك البيئة، وتتفاعل معه، وتواجه تقبلا، أو مقاومة، وتؤدي بالتالي إلى خلق ثقافة جديدة، لا هي ثقافة المجتمع الأصلية ولا هي ثقافة المجتمع الأمريكي الذي نشأت فيه.

 إن كل المجتمعات يمكنها أن تتجنب الغزو الثقافي إذا استغنت عن إدخال التكنولوجيا الغريبة إليها. وهذا بات أمرا مستحيلا!

 كذلك يدخل في باب المستحيلات في عصر العولمة على هذا النطاق تجنب التفاعل الاقتصادي مع المجتمعات التكتولوجية التي تهيمن تدريجيا على الاقتصاد العالمي برمته. الاقتصاد هو أيضا حامل للثقافة. نظرة بسيطة إلى فكرة المصارف الإسلامية تبين لنا كيف أن مفهوم “الربا” المشروع في ثقافة المجتمعات الغربية، يخترق الثقافة الإسلامية حيث يعتبر الربا من المحرمات. هذه المصارف تعيش على الربا تماما مثل البنوك الغربية إنما تحت مسميات غير الربا.

 أما مصاحبة الغزو الثقافي للغزو العسكري فليس أمرا مؤكدا، أو أنه ربما كان مؤكدا في سابق العصور إلا أن العلاقة بين الغزوين تغيرت في العصر الحديث، عصر الأمركة. نلاحظ، مثلا، أن الغزو العسكري البريطاني للعراق في بداية القرن الماضي أدى إلى تغييرات عميقة في الثقافة العراقية الموروثة من قرون، وإلى إدخال عناصر أساسية من الثقافة السياسية البريطانية في المجتمع العراقي، وفي مقدمتها إنشاء الدولة بسلطاتها الثلاث، وإنشاء نظام دراسي عصري أفسح في المجال للمرأة العراقية كي تسير على طريق التحرر بإدخالها في كل مراحل ذلك النظام ومن ثم منحها مكانا في سوق العمل.

 أما الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فلم يؤد إلى دخول عناصر ثقافية أمريكية أساسية إلى المجتمع العراقي كما كان متوقعا، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن تصاعد العنف، واتساع نطاقه في البلد بعد الاحتلال، هو عنوان التأثير الثقافي الأمريكي في المجتمع العراقي. ولعل ما لحق بالمرأة العراقية بشكل خاص من حيف وظلم في ظل حكومات الاحتلال هو أبرز عواقب الغزو الأمريكي البربري. كذلك يرجع إلى هذا الغزو انتشار الفساد في العراق إلى حد تزكم رائحته الأنوف، دون أن يدخل ذلك في باب التأثير الثقافي.

 أمريكا لم تخطط قطعا لنشر ثقافتها في عراق ما بعد الاحتلال، بل شجعت على إفساد الثقافة العراقية نفسها عبر تأجيج الصراع الطائفي الممنهج، ووضع تكنولوجيتها في خدمة الإرهاب الطائفي بكل الاتجاهات.

 من جهة أخرى يخطئ من يظن أن الغزو الثقافي يسير في اتجاه واحد، من الغرب نحو الشرق، فهو، كما يرى الغربيون، يسير من كل مكان في كل اتجاه. ولكن على عكس ما يعبر عنه كثير من الغربيين السذج فإن الأمر لا يقتصر على الفلافل والشاورمة والسوشي الياباني عندما يتعلق الأمر بغزو الشرق للغرب.

 الأطعمة، شأنها شأن التكنولوجيا، هي نتاج الثقافات، ولكنها على الضد من التكنولوجيا ليست حاملة للثقافة، بل هي تتبع حامل الثقافة الأكبر، الإنسان، وتحل معه أينما حل. لا يمكن للأطعمة المرتبطة بثقافة معينة أن تدخل إلى أي ثقافة أخرى إلا مع دخول الإنسان الذي يحملها إلى تلك الثقافة.

 قبل ثلاثين سنة لم تكن الفلافل معروفة في الغرب، وهناك عشرات، بل مئات من الأطباق، أو حتى الخضروات، أو الفواكه لم تكن معروفة في الغرب. لم يكن أحد يعرف الرمان مع أن اسمه موجود في القواميس. وحتى البطيخ فإنك كنت تجده في الصيف في السوبرماركتات مقطعا إلى قطع صغيرة ومغلفة بالنايلون، فلا وجود لبطيخة كاملة في زاوية الفواكه والخضروات، ونادرا ما كنت ترى قطعة من بطيخة حمراء اللون لأن المستوردين والمستهلكين لم يكونوا يعرفون أن طعم البطيخ له علاقة بلونه. اليوم تجد أنواعا من البطيخ في كل مكان هنا.

 في البداية كنت ترى المواد الشرقية فقط في محلات شرقية في المدن الكبرى. اليوم يمكنك أن تشتري معظم المواد الشرقية في السوبرماركتات في أي مكان. كل الأطعمة الشرقية موجودة في الغرب مثلما هي موجودة في الشرق بفضل انتقال الإنسان الشرقي إلى الغرب.

 هناك فارق مهم آخر بين غزو التكنولوجيا وغزو الفلافل ألا وهو أن التكنولوجيا تدخل إلى أعماق الثقافات الأخرى، إلى المؤسسات، وإلى البيوت، وإلى حياة الأفراد، وتبث فيها عناصر التغيير؛ خذ التلفون والحاسوب كمثال. أما الأطعمة الغريبة، ومنها الفلافل، فإنها تبقى لآجال بعيدة ظاهرة تلاحظها في الشوارع فقط. بعد ثلاثين سنة من دخول الفلافل إلى الدنمارك مثلا، وحتى بعد أن دخل اسمها في القاموس الدنماركي، لا توجد عائلة دنماركية واحدة تضع الفلافل على مائدة طعامها اليومي. إنهم يتذوقون ساندويتشه فلافل أو شاورمة على الماشي، في المناسبات، وبالمصادفة، ومن باب الفضول.

 إن الغزو الشرقي للغرب عن طريق عولمة الأطعمة أكذوبة مضحكة. غير أن هذا لا يعني أن العولمة والغزو الثقافي لا يسيران في كل الاتجاهات. خذ على سبيل المثال منظر الشوارع، ومانشيتات الصحف، ومواضيع النقاش والجدال في أي مجتمع غربي. إنها جميعا تجعلك تشعر بزخم الغزو العربي الإسلامي للغرب.

 وعلى ذكر المدن، وفي رأيي الشخصي المتواضع، فإن بغداد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت مدينة غربية أكثر بكثير مما هي كوبنهاجن اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. بغداد كانت يومها تزهو بغزو اللباس الغربي للرجال وللنساء. حتى الميني جوب ظهر في صفوف الفتيات يومها. اليوم يطغى اللباس الإسلامي في كوبنهاجن على اللباس الغربي، والأمر لم يعد متوقفا عند ربطة المرأة التي كانت تستفز الغربيين قبل ثلاثين سنة، بل تجاوز حتى الحجاب، ودخلنا عصر النقاب والبرقع. هذا بالنسبة إلى النساء، أما الرجال فحدث ولا حرج، من اللحية المحناة التي تبلغ السُرة، إلى “الدشداشة” القصيرة والنعال، و”الخُرج” أو العليجة التي تتدلى من الكتف، إلى الزمر التي توقف الناس في الشوارع، وتشرح لهم لماذا يجب عليهم أن يهجروا الديمقراطية، ويلتزموا بالشريعة. ناهيك عن ممارسة الطقوس المذهبية الواسعة التي لا تشهدها إلا مدن معدودة في العالم الإسلامي نفسه.

 أوروبا لم تعد أوروبية بحتة. إنها واقعة تحت تأثير غزو شرقي غير مسبوق أيضا. ومن يعتبر ذلك ظاهرة سلبية سيقول بالتأكيد “على نفسها جنت براقش” فهذه من عواقب الحروب التي يشنها الغرب في بلدان الشرق، فيدفع بالناس إلى الفرار من الجحيم، وإلى الهجرة إلى ديمقراطيته.

 ربما لن نجد مناصا من الإقرار بأن شكلا غريبا من أشكال الإسلام يغزو الغرب، ويغير الكثير من ملامح مدنه، وأنت تراه في كل زاوية، ليس في الشارع فقط، بل في أماكن العمل أيضا، بل وتراه حتى على النساء الغربيات اللواتي يتجلببن بالحجاب مثلما كانت فتيات المسلمين في أواسط القرن الماضي قد تحولن إلى ارتداء الميني جوب. إنه غزو دونه غزو التكنولوجيا، لكنه يبقى مختلفا مع ذلك عن التكنولوجيا في تأثيره، فكما سنبين بالتفصيل في المرة القادمة، تلقى التكنولوجيا دائما ترحيبا فتفعل فعلها، أما هذا الغزو “الديني” فإنه لا يلقى إلا مواجهة مراوغة من جهة، ومن جهة أخرى يقاوَم بشدة، وردة الفعل ضده تتراكم الآن كميا لتتجلى في شكلها النوعي بعد حين.

هل نخطئ عندما نقول إن الغرب توقف عن غزو الشرق ثقافيا، أو أنه يعرقل هذا الغزو لأنه يريد للشرق أن يعود إلى القرون الوسطى، ويقوم بإحياء ثقافتها؟ ربما، لكن الغرب في الوقت نفسه يأخذ موقفا مراوغا من واقع أن ثقافة القرون الوسطى التي يشجع على إحيائها في الشرق الأوسط تغزو الغرب نفسه. نتساءل: هل يمكننا الإصرار على أن “العولمة” والغزو الثقافي يسيران في كل الاتجاهات مكانيا وحسب؟ أم أن الحركة لها بعد زمني أيضا؟

 ربما لن يستطيع المرء فقط بمراقبة منظر المدن وحدها أن يكوّن صورة كاملة عن طبيعة هذا الغزو، فقد يكون الحجاب والنقاب واللحى المحناة الطويلة، واللباس السلفي والطقوس المذهبية في هذه المدن أشبه من بعض النواحي بالفلافل والشاورمة، واللحم الحلال، فتبدو كأنها ظاهرة شارعية، تخص الجاليات المسلمة وحدها دون أهل البلاد، وليس أمامها أية فرصة لاختراق حياة العوائل والأفراد، وتغيير شيء فيها.

 الأمر ليس كذلك، مع الأسف. دعونا ندخل في عمق الظاهرة، ونتناول مجالا من مجالات الحياة المشتركة لأهل البلد والجاليات المسلمة – الجامعة.

 يوم دخلت جامعة أودنسة لأول مرة عام 1985 شعرت حقا بالغربة. كان شعري يومها بلون الفحم، ولم أر خلال اليوم الذي قضيته هناك إلا ثلاثة شعرهم بلون شعري، ربما كان أحدهم مصريا والآخران من كوريا أو اليابان. اليوم، وفي الجامعة نفسها، أعتقد أن بعض الطلبة الدنماركيين ربما يشعرون بنفس الغربة التي شعرت بها يومها، فأنت الآن لن تميز هذه الجامعة من ناحية تركيبة الطلبة عن جامعة القاهرة أو أية جامعة عربية. وعيناي أنا تريان عربا، وأتراكا، وصوماليين، وأفغان أكثر مما ترى من الدنماركيين وغيرهم من الأوروبيين. وفي السنوات العشر الماضية كان نصف عدد الطلبة في الصفوف التي أدرسها، أو ما يزيد، عربا ومسلمين.

 إنها ظاهرة تكذب بلا شك كل الادعاءات عن عدم اندماج العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية. أي مقياس للاندماج أدق وأصح من وصول هذه الأعداد الكبيرة من أبناء الجيل الثاني أو الثالث من اللاجئين والمهاجرين إلى الجامعة في بلد اسكندنافي تحتل جامعاته على الدوام مرتبات عالية على سلم الرقي، والجدية، والمهنية؟

 صحيح أن هناك شبابا صوماليين يقفون ليل نهار في شوارع كوبنهاجن، ويوزعون منشورات تدعو إلى إقامة الشريعة في الدنمارك، ولكن بالمقابل هذا العدد من الذين يختارون الطريق الأكاديمية، والاندماج الثقافي. وصحيح أيضا أن عددا من أبناء الجيل الجديد من المهاجرين يختارون الذهاب إلى سورية لممارسة قطع الرؤوس باسم الجهاد، ولكن ما نسبة أولئك إلى عدد هولاء الذين يجعلون جامعات اسكندنافيا تبدو وكأنها جامعات عربية، أو إيرانية؟

 وصحيح أن سواد الشعر كان قبل ثلاثين سنة مقياسي للغربة، بينما صار سواد الألبسة بين حجاب ونقاب هو ما يسبب شعور الغربة للطلبة الدنماركيين اليوم. ولكن أليست حرية اختيار اللباس مكفولة في الدستور شأنها شأن حرية التعبير؟ ما الضير في أن تكون طالبة العلم محجبة؟ الحجاب يبدو للكثيرين كلافتة كتبت عليها بخط خفي عبارة “لا إله إلا الله .. محمد رسول الله”.

أنا شخصيا أدافع عن حرية اختيار اللباس، وأعتبره شأنا شخصيا بحتا، مهما حمل من رموز ثقافية وعبارات خفية، لكني أؤكد دائما على أن اللباس لا علاقة له بالأخلاق، وأسوق مثالا على ذلك أن ثلاثا من حالات الغش الخمس التي شهدت عليها في السنوات الماضية تورطت فيها طالبات محجبات. وكذلك أؤكد بأن حرية اختيار اللباس، مثل كل الحريات الأخرى، تقف عند حد معين، فلا الخلاعة مقبولة، ولا إخفاء الشخصية وراء النقاب والبرقع أمر مقبول.

 يقولون لنا أن المساجد في الدنمارك هي مدارس لتخريج الإرهابيين، أو على الأقل هي مدارس لتنمية مقاومة الاندماج في المجتمع عبر نشر مفاهيم مغرقة في الرجعية عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وعن وسائل تربية الأطفال. هناك أدلة موثقة، مع أننا كشرقيين لا نحتاج إليها لأننا نعرف عقلية خطباء الجوامع، وعقلية الشيوخ، ورجال الدين، ونعرف عن فسادهم العقلي، وعمن يدفع أجورهم. هذا الوباء سنتناوله أيضا في المرة القادمة. ولكن لا شيء يعادل التجربة الشخصية التي، مع الأسف، يمكن تعميمها، لأنها تعكس جانبا من ظاهرة متفشية تفشي الفلافل والشاورمة في شوارع مدننا.

 في الغرب، ونحن تجربتنا تقتصر على الاسكندنافيا، وخاصة الدنمارك، نواجه نحن كعرب ومسلمين غزوا همجيا، ليس إسلاميا يستهدف الغرب، بل غزوا رجعيا يستهدف المسلمين أنفسهم. نحن هدف هذا الغزو الذي تقوده، وتمونه، وتسعر أوار ناره جهات معروفة. بالتأكيد، إنه غزو يلحق ضررا جانبيا بالغرب، لكن الغرب لن يهتز بفعله، وإنما وجودنا نحن فيه هو الذي سيهتز.

 مرة أخرى أقول .. أنا شخصيا .. لا أقيس على ما يقال عن المساجد وأجنداتها المرعبة، إنما أنقل تجربة من الجامعة، جامعة اسكندنافية غزاها الشعر الأسود والحجاب والنقاب. هنا نرى قطاعا واسعا من جيل يجد نفسه بدنيا في اسكندنافيا القرن الواحد والعشرين – أكثرهم قد يكونون ولدوا هنا، لكنه يعيش عقليا في القرون الوسطى المظلمة، يشغله عذاب القبر، والعقاب المترتب على مخالفة ما يقوله هذا الشيخ أو ذاك عن عدم أداء الصلاة في أوقاتها، إلى حد أن يتجرأ طلبة فيطلبوا تغيير جدول الدروس ليتسنى لهم أداء الصلوات في أوقاتها. المصلى صار، طبعا، جزءً من الجامعة.

 بطبيعة الحال، لن نبني استنتاجات على ظواهر فردية، ولكن إيماءة واحدة من كل فرد تكفي لتكوين صورة عن المجموعة. مثلا، هذا الطالب الذي بدأ حياته الجامعية وهو إنسان يبدو سويا في سلوكه، كيف انحرف نحو التزمت فأطلق بعد حين لحيته، ولبس دشداشة قصيرة، وصار ظهوره في قاعة الدرس يثير القشعريرة في البدن. أصبح الشاب رافضا لكل ما تشم منه رائحة العقل، وصارت مرجعيته هذا الشيخ أو ذاك. صار وجوده يعني كمّ أفواه الآخرين، فلا يجوز لأحد أن يقول شيئا ينافي الشريعة، في رأيه، وكأنه جالس في قاعة درس في السعودية. إنه يوحي بمظهره أنه أشبه ما يكون بقنبلة موقوتة. يغيب لفترة طويلة فيظن بعضهم أنه ربما ذهب إلى سورية ولن يعود، إن شاء الله. لكنه يعود كرة أخرى بكل غموضه، لو مررت من وراء مقعده أثناء الدرس ترى أنه منهمك في قراءة كتيب عن الأدعية، مثلا.

 الحق الحق أقول، إني أشعر مرارا بالقلق مما يمكن أن يقدم عليه أمثال ذلك الطالب لأن الدين أصبح عندهم هلوسة عن الجنة والجحيم، ممارسة لا علاقة له بالعقل. قبل فترة توجه إلي أحدهم، وسألني بجدية تامة “كم زوجة لديك يا شيخ؟” شيخ! وكأني معلمه في حلقة في المسجد. تطلعت في عينيه بحيرة، وبحثت لبضع ثوان عن جواب مناسب. ثم قلت له “يا ولدي حين كنت شابا في عمرك كان تعدد الزوجات عبارة غريبة عنا. كنا نؤمن بالحب، وبمبدأ إمرأة واحدة للرجل الواحد”. هز رأسه غير مستحسن لما قلته، وقال “ذاك زمن ولى، ولكنك تدرك طبعا أن من حقك أن تتزوج أربع نساء”!

 قلت في نفسي “ولله في خلقه شؤون. تصور أن هذا الشاب ينتج للمجتمع صبيانا من أربع نساء، أي أن التخلف يتضاعف به حتى بنسبة أعلى من الهندسية، ففي النسبة الهندسية يصبح الاثنان أربعة، والأربعة ستة عشر. أما هنا فإن الواحد يصبح خمسة على الأقل، وكم يمكن أن يصبح الخمسة؟ ربما خمسين.”

 لحسن الحظ فإن خيار التزمت الديني الذي يلحق أفدح الأضرار بالمسلمين في الغرب، ليس خيارا مطلقا، فغالبية المسلمين لهم خيارات أخرى تشجع على الانفتاح والتسامح، وحب الناس والحياة، لكن التزمت والتطرف والتهور، ومهما قلت نسبته، قادر على إلحاق الأذى بالجميع لأن المتزمتين، والمتطرفين، والمتهورين يشاركون في صنع الرأي العام إلى درجة لا تقاس بها مشاركة الناس العاديين، فالناس العاديون منشغلون بحياتهم اليومية، بينما هؤلاء منشغلون بالحور العين، وعذاب القبر، والزواج من أربع نساء، وإلغاء الديمقراطية لصالح الشريعة، فيعيثون في الأرض فسادا لا حدود له، وعنهم تدور مانشيتات الصحف، وبرامج النقاش والجدال، بل وقوانين البرلمانات.

 يقال إن التزمت الديني ليس بشيء جديد في الحياة الجامعية في الدنمارك، وهناك من يرى أنه أصلا ليس ظاهرة إسلامية، فهناك المتزمتون من المسيحيين واليهود أيضا رغم أنهم غير مرئيين لأنهم، على عكس المسلمين، يعملون بهدوء وصمت، ولا يعلنون عن مشاريعهم بشكل مفضوح مثل المسلمين. ونرى هذا واضحا على سلوك بقية الطلبة من الدنماركيين الذين لا يترددون من الدخول في الجدال مع المتزمتين من اليهود والمسيحيين، لكنهم يترددون بشكل واضح من فعل الشيء نفسه مع المسلمين لأن المسلمين يصعب تقدير ردود أفعالهم على الاختلاف.

 ولهذا ندعي أن تأثير الغزو الإسلامي هذا لا يشبه غزو الفلافل والشاورمة واللحم الحلال، فمع أن ضرره يعود بشكل أساسي على المسلمين أنفسهم، إلا إنه يغير شيئا في ثقافة المجتمع الدنماركي. هذا المجتمع يخاف من المسلمين. قبل عشر سنوات ظهرت الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول تحت ذريعة حرية التعبير. إن هذه الحرية، ويا للمفارقة، تقلصت من يومها!

 عندما تقف في قاعة للدرس فيها طلبة مسلمون ملتحون، ومحجبات تشعر كأنك في جامعة بغداد أيام كان حزب البعث هو الذي يحدد ما هي الحقيقة، وما هو الحق والصحيح. عليك أن تكون حذرا، وتختار عباراتك بدقة، فهؤلاء ليسوا أقل خطرا من استخبارات حزب البعث وأعضاء الاتحاد الوطني لطلبته. وإذا كان هذا وضعك كمدرس، وكان الطلبة الدنماركيون والمسلمون العاديون أيضا مترددين عن الكلام بحرية، تدرك حجم الكارثة التي نتعرض لها بفضل هذه العولمة وغزواتها الثقافية.

 على أن الكارثة لم تعد محصورة في هذا النطاق، فأنت بإمكانك أن تتعامل – في نطاق الدين – حتى مع الطالبة المنقبة بطريقة هادئة. اللوائح الجامعية تسمح للمدرس أن يطلب من المنقبة الكشف عن وجهها لأغراض تتعلق بضمان معرفة هوية الطالبة في قاعة الامتحان، ولكن عليك الحذر إن كنت مسلما، وإلا فإنك تعتبر معاديا للشريعة. ذات مرة سألت طالبة منقبة: كيف سأعرف في الامتحان أن التي أمتحنها هي أنت وليست بنت عمك، مثلا؟ فأخرجت الفتاة يدها وعرضت علي أصبع الخنصر، وقالت: يمكنك أن تعرفني من هذا الأصبع الذي فيه جرح عميق!!

 تتعامل مع التزمت الديني بهدوء وروية، فأنت تعرف أن من أمامك هم ضحايا ديناصورات تقف وراء الكواليس، لكن الكارثة، كما قلت، لا تنحصر في هذا النطاق، بل إنه يبدو في الأفق أن شيئا أفظع بدأ يتخلل الحياة الجامعية للطلبة المسلمين، ذلك هو تنامي آفة المذهبية. أية كارثة هي أن يرفض طلبة العلم العمل معا في مشاريع دراسية بسبب اختلافهم مذهبيا؟ هذا يحصل في جامعة اسكندنافية!

 أما أنا فبلغ بي الحزن منتهاه، فقلت لمجموعة من الطلبة قبل أيام: يا أبنائي، أقول لكم شيئا اسمعوه مني فأنا أعرف القرآن من الألف إلى الياء. القرآن فيه كلمتان لا يعلو عليهما غير اسم الله، هما “العقل” و”القلب”. اتبعوا العقل، واتبعوا القلب، ولا تتبعوا سواهما.

 ساد صمت مهيب، انقطعت خلاله الأنفاس كأن هؤلاء الشباب لم يسمعوا من قبل مثل هذا الكلام، وقلت: العقل الذي منحه الله لنا لنعقل به، والقلب الذي وهبنا لنفقه به، هما كلمة الله. القلب هو دليلنا إلى الله، وإلى الحق والحقيقة، ولا حقيقة أشرف من أن البشر إخوة. كل كلام غير هذا دجل في دجل. هل تعرفون أنه مثلما يبعث الله الرسل ليدلونا على كلمته فإن الشيطان يرسل هو الآخر جنوده ليفسدوا كلمة الله، ويطفئوا نور العقل والقلب؟

 سأل أحدهم: وكيف نعرف جنود الشيطان؟

قلت له: تعرفونهم من ألقابهم، ووظائفهم. إن كل شخص يمتهن الدين، ويرتزق منه، من أكبر آيات الله إلى أصغر خطباء المساجد، مرورا بحجج الإسلام، وعلماء الدين، والشيوخ، والفقهاء، هم جنود الشيطان. إنهم ألسنة الشيطان بين البشر، لا يقولون إلا الباطل بقصد إغواء الناس. أنتم، طلبة الجامعات، قادة المستقبل، مهمتكم أن تقودوا المجتمع بعلمكم ومعرفتكم، ومنطقكم السليم، وتنشروا النور في العقول والنفوس، لا أن تنقادوا إلى هؤلاء المتخلفين عقليا، وثقافيا، وعلميا، وأخلاقيا.

2016-12-20