تدمر من جديد … ماذا عن الخلفيات والأبعاد !؟”

 بقلم :هشام الهبيشان.

  صورة مقال 2 

من الواضح أنّ  معركة تنظيم  داعش الأخيرة في ريف حمص الشرقي والجنوبي الشرقي “تدمر ومحيطها ” بعد ثمانية أشهر على خروج التنظيم منها ، ما هي إلا هدف من سلسلة أهداف استراتيجية، كجزء من خطة ورؤية أكبر، لتغيير الواقع العام لطبيعة المعركة على الارض السورية، تزامناً مع ما يجري في شرق مدينة حلب وبمحيط بلدة الباب بشمال شرق ريف حلب، وهذا التغيّر، يأتي كجزء من مسار يستهدف خلط الاوراق من جديد على الساحة العسكرية السورية بعمومها، الذي تراهن عليه بعض القوى الشريكة بالحرب على الدولة السورية، والهدف بالأساس، هو محاولة إخضاع الدولة السورية لشروط وإملاءات تحاول بعض القوى الإقليمية الحليفة والشريكة والداعمة للمشروع الصهيو ـ أميركي بالمنطقة، فرضها على الدولة السورية .

  
هنا لا يمكن إنكار حقيقة أنّ مدينة تدمر بموقعها الاستراتيجي في وسط سورية تشكل أهمية استراتيجية بخريطة العمليات العسكرية السورية، وتحتلّ أهمية استراتيجية، باعتبارها مفتاحاً لسلسلة مناطق تمتدّ على طول الجغرافيا السورية، فهي نقطة وصل بين مناطق وسط سورية وشرقها، امتداداً على طول شريط المناطق الحدودية المرتبطة بالجانب العراقي شرقاً، إضافة إلى كونها تشكل نقطة ربط بين المناطق الجغرافية السورية المرتبطة بمدينة دير الزور شرقاً والرقة شمالاً وبعض مناطق سورية جنوباً، وهذا ما يعكس حجم الأهمية الاستراتيجية الكبرى لمدينة تدمر في خريطة المعارك المقبلة بالشرق والشمال الشرقي والوسط السوري بشكل خاص  وبمناطق الجنوب السوري بشكل عام ، ومن يسيطر على تدمر ومحيطها باتجاه الشرق  سيكون بشكل أو بأخر ضمن السيطرة  على مساحة تقارب 17 % من مساحة سورية … وهذه المساحة تعتبر مساحة خالية وهي مناطق البادية التي تمتدّ من مدينة تدمر وصولاً إلى الحدود العراقية – السورية وصولاً إلى المناطق المحيطة بمحافظة دير الزور شرقاً .

 اليوم، لا يمكن إنكار أنّ خسارة الجيش العربي السوري لمواقعه المتقدّمة في عمق مناطق ريف حمص الشرقية والجنوبية الشرقية ، سوف تشكل بمجموعها عبئاً ثقيلاً على صانع القرار العسكري السوري- الروسي، وهذا ما دفع بالجيش العربي السوري إلى إعادة ترتيب أوراقه وحساباته، لحجم المعركة في عموم هذه المناطق ، مع الأخذ في الحسبان حجم التدخل الدولي والاقليمي ، مؤخراً والإمداد العسكري بأشكاله كلها ومن خلف الكواليس ، الذي يوفره هذا الحلف للمجاميع المسلحة الإرهابية العابرة للقارات، بعموم هذه المناطق .

وهنا يبدو واضحآ أنّ منظومة الا سلحة المتطورة، التي استخدمها  تنظيم داعش “الإرهابي ” بهجومه الاخير بشكل واسع ، في معارك ريف حمص الشرقي والجنوبي الشرقي، ومنظومة الحرب الانغماسية التي استعملها التنظيم، إضافة إلى مايزيد على 3500 إرهابي من الإرهابيين العابرين للقارات، الذين تحدثت وسائل الإعلام عن فصول ومراحل عبورهم من الأراضي العراقية باتجاه سورية تزامنآ مع بدء معركة الموصل، مؤخراً، من الواضح أنها بمجموعها أثرت «مرحلياً» بشكل أو بآخر، في طبيعة المعركة بعموم  مناطق ريف حمص الشرقي والجنوبي الشرقي ومن خلال هذه العوامل، يبدو أنّ التنظيم ، ومن خلفه داعميه، بدأو فعلياً برسم ملامح جديدة لطبيعة المعركة في عموم الساحة العسكرية السورية .

    وعلى المحور الآخر، وبعد التقدّم المتسارع للتنظيم بالريف الشرقي لحمص، يمكن أن نقرأ وبناء على متغيّرات الساعات الأخيرة، أنّ هناك تطوراً ملموساً ونوعياً في عمليات الجيش العربي السوري، بمحيط عموم المناطق التي سيطر عليها التنظيم مؤخراً، والواضح أنّ خطط القادة الميدانيين في الجيش، اتجهت بالمنحى الإيجابي، فالخريطة العملياتية والتكتيكية والاستراتيجية وتبادل الأدوار والانتقال من خطة إلى أخرى، والتكيّف مع ظروف المعركة بسلاسة ملحوظة، هذه المتغيّرات التي أدارتها بحرفية وحنكة ملحوظة القيادة العسكرية الميدانية للجيش السوري، بساحات المعارك في المناطق المذكورة أعلاه بمجموعها، أثمرت، وبعمليات نوعية وخاطفة، عن ضرب الخطوط الهجومية الأولى للمجاميع المسلحة الغازية بمرحلتها الأولى ، مما ساهم، بشكل أو بآخر، بشلّ قدرة هذه المجاميع المسلحة على التقدّم نحو مناطق جديدة، خصوصاً نحو بلدة  “القريتين “الاستراتيجية .

 اليوم، من المتوقع أن يقوم الجيش العربي السوري بتقطيع أوصال طرق إمداد التنظيم  من دير الزور والرقه  باتجاه ريف حمص الشرقي  ،ومن المتوقع أن تتصاعد وتيرة الضربات الجوية السورية ـ الروسية، لضرب خطوط إمداد  التنظيم ،على محور مواز، يمكن قراءة الواقع المستقبلي وبشكل منطقي وأكثر واقعية، بأنّ عملية الإرباك والحرب الإعلامية، التي صاحبت معركة تدمر ، بدأت منظومتها بالانهيار التدريجي، وستكون نهايتها الواقعية والمنطقية هي الهزيمة، فاليوم، مهما حاولت قوى العدوان وأدواتها على الارض السورية، إحداث واقع جديد على الأرض، أو إظهار صورة ميدانية تعكس واقع مغاير لما يجري على أرض الواقع وجملة الانجازات للجيش العربي السوري والحلفاء، فمصير كلّ ذلك هو الفشل، والقادم من الايام سيؤكد أنّ الجيش العربي السوري وبدعم من حلفائه، قادر على استعادة زمام المبادرة العسكرية بشكل كبير بعموم مناطق ريف حمص الشرقي والجنوبي الشرقي .

 ختاماً، من الواضح أنّ منظومة الأهداف التي عوّل عليها  التنظيم ومن خلفه داعميه ومحركيه  بغزوتهم لريف حمص الشرقي  ومهما طالت، ستبدأ بالتهاوي،وعلى قاعدة سلسلة انهيار أحجار الدومينو، اليوم، القيادة العسكرية السورية تدير بحنكة معركة ريف حمص الشرقي، والهدف الأقرب لهذه المعارك، التي يقودها الآن بعض القادة الميدانيين بالجيش العربي السوري، هو الانطلاق نحو استرداد المناطق التي خسرها الجيش مؤخراً، ومن هنا، سننتظر الأيام المقبلة، التي ستعطينا إجابات منطقية وأكثر وضوحاً وواقعية، من مجمل التغيّرات التي سنشهدها بالساحة العسكرية الحمصية  بشكل عام، والحلبية بشكل خاص، وعموم الساحة العسكرية السورية .

*كاتب وناشط سياسي الأردن .


hesham.habeshan@yhoo.com

2016-12-14