الموصل بعد “تحريرها” .. محمية أمريكية للمسيحيين

د. عمر ظاهر

omardahir

الأمريكي المحتال يريد “تحرير” الموصل! إنه جاد في ذلك بدليل أنه أعاد إلى العراق جنوده، وخبراءه، وأسلحته البرية والجوية، ليقود بنفسه معركة “التحرير” هذه، لتكون له الكلمة الفصل في مصير المدينة. وهو الذي يصطفي من يحق له أن يشارك في نيل شرف الموت من أجل “التحرير” العظيم.

ثمة سؤال يضغط على العقول بقوة: تُرى لماذا يريد هذا المحتل المحتال “تحرير” الموصل من دواعش العراق، في وقت يقاوم فيه بشراسة منقطعة النظير تحرير حلب من دواعش سورية؟

لم يكن غير قليل من المراقبين في شك حول حقيقة ما حصل في الموصل في صيف عام 2014، حين تمكن نفر قليل – من مقاتلي ما أطلق عليه من يومها داعش، من إخراج فيالق من الجيش العراقي ذي التدريب والتسليح الأمريكيين من الموصل وما حولها. حدث ذلك حتى بشكل مذل، فآلاف الضباط تركوا مواقعهم، وهربوا من معسكراتهم في ألبسة مدنية تاركين وراءهم جنودهم بلا قيادة، وسلاحهم، الخفيف منه والثقيل، ذليلا مكسورا، في سابقة لم يشهد مثلها تاريخ الحروب.

لم تقع معركة في الموصل، بل جرى تنفيذ مسرحية. أحدهم، بلا شك السيد الأمريكي المشرف على الجيش، أعطى توجيهات للدمى في مراكز قيادة تلك الفيالق بترك مواقعهم، فهرب الجميع، ولم يبلغ حتى عن وقوع مقاومة فردية، أو عن جيوب مقاومة، مثلما يحدث عندما لا تصل أوامر الانسحاب من قيادة جيش ما إلى جميع الفرق، والأفواج، والفصائل، والسرايا.

رأينا مثل تلك المقاومة عام 1991 في جزيرة فيلكة جنوبي البصرة حين تصدى المقاتلون العراقيون الشجعان للغزاة الأمريكيين في قتال أسطوري لمدة ثلاثة أيام بعد إصدار صدام حسين الأوامر للجيش العراقي بالانسحاب من الكويت. انسحب الجيش من الكويت، لكن فيلكة ظلت تقاتل، ولم تستسلم لأن الضباط لم يكونوا قد تلقوا أمر الانسحاب!

إن أي نقاش أو جدال حول ما حصل في الموصل لم يكن له معنى. كان هناك سؤال مهم واحد هو: لماذا قررت أمريكا تسليم الموصل إلى داعش؟

قال كثير منهم يومها إن خطة تقسيم العراق قد وضعت قيد التنفيذ فأمريكا ستقيم بداعش دولة للسنة في غرب العراق تكون، من بين ما تكون، حاجزا بين إيران الشيعية وتوابعها وبين سورية!

أصابوا ولم يصيبوا. التقسيم؟ نعم. أما دولة للسنة، مقابل دولة للشيعة وأخرى لمسعود البارزاني، فلا. وذلك لسببين منطقيين، أولا لأن مثل هكذا تقسيم سيكون لصالح إيران التي ستبتلع القسم الشيعي من العراق، وثانيا لأن المطلوب أمريكيا هو أن يبقى السنة والشيعة متشابكين يطحنون بعضهم بعضا لألف سنة، والتقسيم سيمنع ذلك بالفصل بينهما.

ولم يُجب أحد من السياسيين العراقيين إجابة شافية عن السؤال، وطغى على كل الأجوبة طابع طائفي في تبادل الاتهامات. الحكومة، مثلا، ألقت يومها باللائمة على سياسيين من الأحزاب الدينية السنية، مع أن الفيالق التي هربت من الموصل كانت شيعية بكل قياداتها.

غريب أن ينكر المرء واقع أن من جاء بهم الاحتلال إلى سدة الحكم في العراق بعد الغزو عام 2003، هم دمى بأيدي الأمريكان، سواء كانوا سنة أو شيعة، وأنهم جميعا، وبلا استثناء، لم يجدوا غضاضة في خيانة الموصل لأنهم جميعا قاموا قبل ذلك بخيانة أكبر، إذ تعاونوا مع الأمريكي والإسرائيلي على احتلال العراق.

من نفذ الأمر الأمريكي بتسليم الموصل إلى داعش كانوا هم أنفسهم من ركب على ظهور الدبابات الأمريكية عام 2003 لإسقاط بغداد. فعلوا ذلك مرة أخرى عام 2014 لأن السيد الأمريكي أراد ذلك لغاية في نفسه، وكان عليهم أن يطيعوه.

والآن يريد الأمريكي المحتال “تحرير” الموصل! إنه جاد في ذلك بدليل أنه أعاد إلى العراق جنوده، وخبراءه، وأسلحته البرية والجوية، ليقود بنفسه معركة “التحرير” هذه، لتكون له الكلمة الفصل في مصيرالمدينة. وهو الذي يصطفي من يحق له أن يشارك في نيل شرف الموت من أجل “التحرير” العظيم.

ثمة سؤال يضغط على العقول بقوة: تُرى لماذا يريد هذا المحتل المحتال “تحرير” الموصل من دواعش العراق، في وقت يقاوم فيه بشراسة منقطعة النظير تحرير حلب من دواعش سورية؟

لنلقي أولا نظرة إلى ما يتخبط فيه من تعنيهم الموصل من العراقيين، ومن حولهم قبل أن نأتي إلى نوايا الأمريكي المحتال.

الكاكة مسعود البارزاني يقوم بمناورات في منتهى الغباء في محاولة لتكون لميليشياته حصة الأسد في الموت من أجل الموصل بجعلها القوة الرئيسية في “التحرير”، وذلك على أمل السيطرة على أوسع ما يمكن من مناطق المحافظة المنكوبة لإلحاقها، بعد “التحرير”، بامبراطورية بارزان العظمى.

الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي يراد له أن يكتسب صفة خاصة باعتباره منتغمري إيران، يريد هو الآخر أن تكون قواته الضاربة هي من سترفع راية النصر على مركز قيادة داعش في المدينة. الهدف هو، كما يزعم بعض المحللين من ذوي الرغبات الساذجة، إزالة العقبة الكأداء التي تشكلها داعش في الموصل بوجه الاتصال البري بين إيران وسوريا.

رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، يريد أن ينفرد هو والحشد الشعبي بـ “تحرير” الموصل. الهدف هو إعلان نفسه كبطل إعادة وحدة الأراضي العراقية التي مزقها الاحتلال الأمريكي، وهو نفسه كان وما زال من أدوات الاحتلال الطيعة.

والعبادي لا يقلقه في تحقيق هذا الحلم إلا وجود القوات التركية في بعشيقة، فبالنسبة إليه يعتبر مسعود البارزاني الأخ غير الشقيق، والإيراني ابن العم الغيور، والأمريكي السيد المطاع، وكلهم يسفكون دماء أبنائهم كي يكون هو بطل التحرير والتوحيد، أما القوات التركية فإنه لا يفهم إصرارها على انتهاك سيادة العراق، والعراق كما يعلم الجميع دولة ذات سيادة!

والأتراك يعلنون بدورهم بصراحة قاسية لأول مرة أنهم يرون أن إيران وحكومة العبادي يزمعون إجراء تغييرات ديموغرافية طائفية في المنطقة بعد “التحرير” باتجاه تهجير العراقيين السنة من الموصل، وإحلال الشيعة مكانهم، مثلما حصل في الرمادي والفلوجة، وتشتيت شمل الأقلية التركمانية في شمال العراق.

يقول الأتراك إنهم لن يسمحوا بذلك مهما كلف ذلك من ثمن. بعبارة أخرى فإن الصراع حول الموصل، من وجهة نظر تركيا، يعيد التاريخ إلى تكرار دورته. إنه الصراع بين الدولة العثمانية السنية والدولة الصفوية، كما عرفه التاريخ من مئات السنين.

تركيا مصممة، كما تقول، على عدم ترك العراق لقمة سائغة لإيران.

ولكن، كما كان السؤال المهم في حزيران 2014 هو: لماذا قام الأمريكيون بتسليم الموصل إلى داعش؟ فإن السؤال المهم الآن، في نهاية عام 2016، هو: لماذا يريد الأمريكيون أخذ الموصل من داعش؟

والسؤال الأهم هو: إلى من يريدون تسليم الموصل بعد “التحرير”؟ إلى الملا مسعود البارزاني؟ أم إلى قاسم سليماني؟ أم إلى البطل المغوار حيدر العبادي؟

لكي نجيب عن الأسئلة الثلاثة معا علينا أن ننظر فيما حصل في السنتين الماضيتين بعد تسليم الموصل إلى داعش، وفيما ركز عليه الإعلام الغربي بشكل مكثف مثير للانتباه، فهذا وحده يعطينا خيطا يوصلنا إلى الكشف عن نوايا المحتل الأمريكي الذي لم يعرف في يوم من الأيام غير الخبث والهمجية في تعامله مع الشعوب.

تسليم الموصل إلى داعش، وما تلاه من سيطرة التنظيم على الرمادي والفلوجة، وغيرها، عمق الشرخ الطائفي في المجتمع العراقي إلى حد كارثي، فهذا الحدث المهين أدى في نهاية المطاف إلى تشريد ما لا يقل عن أربعة ملايين عراقي آخرين من بيوتهم، وقراهم، وإلى وقوع أعمال تطهير عرقي وطائفي متبادل في مناطق عراقية حتى بعيدة عن الموصل، مثل ديالى.

عدد القتلى العراقيين في السنتين الماضيتين تجاوز عشرات الآلاف، وليس خافيا عن أحد أن أكثر الذين طالهم عنف داعش هم الطائفة التي يدعون كونها حاضنتهم. داعش قتلت من الطائفة الشيعية في بغداد ومناطق أخرى عن طريق التفجيرات الإرهابية أعدادا كبيرة، لكنها أعملت السيف في أهل المناطق التي تحت سيطرتها فأبادت منهم أضعاف ما قتلت من الشيعة، إما بتهمة التقاعس عن الجهاد، أو عدم دفع الجزية، أو تهم أخرى منها ممارسة رياضة كرة القدم، أو حتى مشاهدتها، والتدخين. هناك عشائر سنية في الموصل والرمادي أبادتها داعش عن بكرة أبيها.

ثم إن الجرائم التي ارتكبتها داعش جاءت مواصلة للجرائم التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي وعملاؤه منذ عام 2003، فهناك أكثر من ثلاثين مليون عراقي هم ضحايا الاحتلال أصلا، منهم ملايين ممن وقعوا في براثن داعش في المناطق الغربية من العراق، وداعش صناعة أمريكية بامتياز واحتكار.

غير أن الإعلام الغربي ركز في السنتين الماضيتين على جانب واحد من جرائم داعش، ألا وهو اضطهاد داعش للمسيحيين في العراق، وخاصة في الموصل، واحتل موضوع سبي النساء الأيزيديات المرتبة الأولى بين اهتمامات الإعلام الغربي.

ترى هل كان الهدف من تسليم الموصل إلى داعش استخدامها لإعداد حملة دعائية عالمية لوقوع هولوكوست بحق المسيحيين في العراق على أيدي الدولة “الإسلامية” في العراق والشام؟

من يتابع الإعلام الغربي يلمس بوضوح أن الرسائل التي يبعثها هذا الإعلام إلى جمهوره تؤكد على تعرض المسيحيين في العراق لاضطهاد “إسلامي”، وليس لاضطهاد داعش التي هي أصلا صناعة أمريكية، وهي من أدوات تكريس احتلال العراق، وتمزيقه، وهي تضطهد المسلمين قبل المسيحيين.

لا أحد يمكنه أن يدعي أن المأساة التي وقعت للأيزيديين أمر مبالغ فيه، لكن هناك أمور جرى غض الأبصار عنها عمدا، إذ تركز الحملة الإعلامية الغربية، كما سبق ذكره، على اضطهاد الدولة “الإسلامية” في العراق والشام للمسيحيين دون غيرهم، وتصور ما يحدث بأنه هولوكوست ضد المسيحيين وحدهم، مع أن الاحتلال الأمريكي بكل أدواته، بما في ذلك داعش، يشكل هولوكستا حقيقيا يحرق منذ عام 2003 كل العراق، وكل العراقيين.

جانب من الحقيقة هو أن المسيحيين، شأنهم شأن الأقليات الأخرى في المناطق الكردية، تعرضوا خلال السنوات الماضية على أيدي ميليشيات مسعود البارزاني إلى اضطهاد أكبر وأشد من اضطهاد داعش. وهو أمر يندر أن يشير إليه أحد في الإعلام الغربي، والإعلام الذي يقوده مثقفو تلكيف في أوروبا وأمريكا الشمالية. التركيز هو على اضطهاد المسيحيين على أيد إسلامية!

وجانب آخر من الحقيقة هو أن المسيحيين يتعرضون، مثلهم مثل غيرهم من العراقيين، للاضطهاد والخطف والاغتصاب ليس في مناطق داعش وحدها، بل حتى في بغداد حيث الحكم هو نقيض داعش، وحيث الاحتلال الأمريكي هو من يدير دفة الأمور من المنطقة الخضراء.

وهذا ليس لكونهم مسيحيين، بل مواطنين في بلد لا وجود فيه لسلطة الدولة حتى في العاصمة. هذا ما جناه الاحتلال الأمريكي على الجميع مسلمين، ومسيحيين، سنة، وشيعة، وغيرهم!

وجانب آخر هو أن العراقيين جميعا يتعرضون منذ الاحتلال للمجازر على أيدي الأمريكيين، ومرتزقة بلاك ووتر، وعملاء الاحتلال من العراقيين المنتظمين في ميليشيات طائفية في طول العراق وعرضه.

تهدمت آلاف المساجد، والمقامات الإسلامية المقدسة، ونهبت مئات المواقع الأثرية الإسلامية والبابلية في العراق خلال السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، لكن التركيز في الإعلام الغربي هو على الدمار الذي لحق بالإرث الآشوري، وربما بجدران بعض الكنائس.

ماذا يريد الإعلام الغربي؟

هناك مسيحيون هاجروا من العراق قبل داعش، وحتى قبل الاحتلال بحثا عن حياة أفضل في أمريكا، لكن حالة كل مسيحي خارج العراق الآن يجري تصويرها باعتبارها هروبا من الاضطهاد الإسلامي. وإلى هذا التركيز الإعلامي الممنهج يضاف الجهد الذي تقوم به اللوبيات المسيحية العراقية في أمريكا وأوروبا، وبدعم من الفاتيكان نفسها، وكذلك وسائل الإعلام الصهيونية الصبغة، مثل وكالة الأنباء الآشورية – آينا، التي لا تكتفي بالتحريض اليومي على المسلمين في أوروبا، بل وتنشط بشكل مثير للانتباه في إطلاق الدعوات إلى حماية مسيحيي العراق – فقط المسيحيين وليس كل العراقيين.

الدعوات هذه تلقى أذنا صاغية، وتجري مناقشة ما يمكن أن نطلق عليه “وعد بلفور لمسيحيي العراق” بإقامة كيان لهم على شاكلة الكيان الصهيوني، إذ تجري أيضا الدعوة إلى استصدار ضمانات دولية لهم بـ “حق العودة” إلى العراق، وكأنهم ليسوا مواطنين في بلد هربوا منه بسبب الاضطهاد الذي وقع عليهم بعد الاحتلال، مثلما فعل غيرهم، بل وكأنهم شعب مستقل سلبت منه أرضه، مثل الفلسطينيين.

هذا مع أن المعروف عن الغالبية العظمى من مسيحيي العراق أنهم يعتبرون ديترويت الأمريكية وطنهم الأم والجنة الموعودة، التي يوجهون وجوههم شطرها منذ الولادة، ويعتبرون كل الأماكن الأخرى كمواطن إقامة وقتية، ومع أن من هرب من المسيحيين من اضطهاد داعش لا يتجاوز بضع عشرات، أو مئات في أقصى الحالات، بينما وصل عدد المسلمين الهاربين منها الملايين.

تسليم الموصل إلى داعش، واسترجاع الموصل من داعش بعد أن أدت دورها، أمر يرتبط بشكل واضح بنية أمريكية بإقامة كيان مسيحي في الموصل تكون له فوائد ستراتيجية جمة على مختلف الصعد، خاصة في إخراج إسرائيل من عزلتها القاتلة في المنطقة، فتنال، بعد طول انتظار، شقيقة يسري في عروقها نفس الدم الصهيوني!

يبدو أن الظروف أصبحت مهيأة لإقامة مثل هذا الكيان، وعلى هذا فإن كل المغفلين المتلهفين لالتهام الموصل يعيشون أوهاما ما أنزل الله بها من سلطان.

الملا مسعود البارزاني، مثلا، يتوهم بأن وضع كردستان العراق تحت تصرف الأمريكيين والإسرائيليين سيضمن له ولأحفاده، عاجلا أو آجلا، دولة يريد توسيع رقعتها بضم أجزاء من الموصل إليها! ولم يستوعب عقله الجبلي بعد أن يسأل نفسه لماذا عساهم يسببون الصداع لرؤوسهم بإقامة دولة كردية بينما كردستان تحت تصرفهم التام دون وجود دولة كردية؟

الأمريكيون يعرفون أن الدولة الكردية، إن هم جازفوا وأقاموها، ستولد ميتة فلن يعترف بها في العالم سوى دولتين، إسرائيل وأمريكا. أما كيان مسيحي على شاكلة إسرائيل فإن أوروبا قاطبة، وعلى رأسها الفاتيكان، ستعترف به فورا، بعد هذا التهويل الإعلامي حول تعرض المسيحيين العراقيين، دون غيرهم، إلى هولوكوست “إسلامي”.

مسعود البارزاني لا يعرف معنى أن يتحدث الإعلام اليوم عن أن نصف مقاتلي داعش في الموصل هم من الإسلاميين المتشددين من الأكراد. كيف يمكن لأمريكا والغرب الاعتماد على شعب زوّد داعش بنصف مقاتليه؟

لماذا عساها تغامر بمصالحها الحيوية وتقيم دولة للملا مسعود، وهي تعرف أن الشعب الكردي لن يتخلى عن هويته الإسلامية؟

كردستان لا يمكن أن تكون إسرائيل أخرى، بينما “دولة” نينوى تولد إسرائيلية أصلا، فمواخير ديترويت وحاناتها هيأت الكادر اللازم لإدارة مثل هذا الكيان.

حيدر العبادي يعيش هو الآخر أوهام البطولة، وليس قادرا على طرح سؤال بسيط على عقله المتخلف: لماذا يا ترى يضحي الأمريكيون ولو بجندي واحد حتى يظهر هو كبطل توحيد بلد مزقوه هم بأنفسهم، ويكون بطل “تحرير” مدينة سلموها بأنفسهم إلى داعش، وآن الأوان لأخذها منها بعد أن أدت مهمة خلق أكذوبة هولوكوست جديد، إسلامي، بحق المسيحيين؟

وقاسم سليماني أيضا يتوهم بأنه متقدم في تفكيره الستراتيجي على دهاقنة البنتاغون، وربما لا يعرف أن سماح الأمريكيين بوجوده قرب الموصل هو لغاية ستراتيجية خطيرة – استفزاز الأتراك، وجعلهم يصرون على البقاء في بعشيقة، بل والتهيؤ لدور أكبر في العراق الممزق بعد “تحرير” الموصل.

الأمريكيون لا يريدون من “تحرير” الموصل ما يريده قاسم سليماني، أي تعبيد الطريق البرية بين إيران وسورية، بل يريدون وبكل إخلاص، من بين ما يريدون، إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، ونفخ النار في صراع إيراني تركي في العراق يؤدي في بدايته، في بدايته فقط، إلى إفراغ الموصل من أهلها، حتى إذا جاء عام 2017، أي بعد مرور قرن على وعد بلفور، يكون أول تصريح يصدر من ترامب أو كلينتون هو أن:

“أمريكا تنظر بعين العطف إلى إقامة دولة للمسيحيين في نينوى”!

دولة نينوى، شقيقة إسرائيل، قد تلحق بها كردستان كإقليمين مستقلين يتمتعان بالحكم الذاتي، إقليم أربيل، وإقليم السليمانية، وتقف حاجزا منيعا أمام أي اتصال بري بين إيران وسورية، وتمنح حيدر العبادي، بدلا من لقب البطولة، هيبة “فحل التوت” في البستان. ولله في خلقه شؤون!

الموصل سيتم “تحريرها”، وتدميرها، وإفراغها من أهلها، ووضعها تحت حماية أمريكية أطلسية مباشرة، وسيتم دفع العراقيين إلى تطاحن غير مسبوق بين معسكرين تاريخيين، إيراني شيعي وتركي سني، واتهام الجميع بارتكاب جرائم حرب، توطئة لعودة المسيحيين العراقيين، وغير العراقيين، إلى أرض الميعاد الآمنة، نينوى!

وا أسفاه على دماء العراقيين التي ستسيل بغزارة من أجل تحقيق وعد بلفور جديد!

2016-10-10