الأكراد من ضحايا إلى جناة

د. عمر ظاهر

omardahir

تعودنا أن نفتتح كل حديث عن الأكراد بتعويذة ثابتة نستغفرهم فيها من شر الظنون بنا، والشك في وفائنا بتعهداتنا بالاعتراف بحق “الشعب الكردي” في تقرير مصيره، بما في ذلك إنشاء دولته القومية.

نعم، نعتذر، دائما سلفا، عن أي زلة لسان أو هفوة قلم ينضح منها أننا ننكر أن الأكراد هم شعب الله المختار الجديد؛ ونذكّر بحقوقهم المقدسة، ثم نطرح بخجل وعلى استحياء ما يجرح وعينا من تجارب مؤلمة معهم على مدى العقود الثلاثة الماضية، منذ أقدم العراق على استعادة الكويت ليكتشف أنه أصبح ضحية مؤامرة كونية تتركه وشعبه شذر مذر، وأن الأكراد أصبحوا رأس الحربة في طعن العراق، وأن مكرهم، وغدرهم، ونكرانهم للـ “أخوة” لم يعد قابلا على الإخفاء.

نعم والله. نحن كنا، وما زلنا، وسنبقى على عهدنا بأن نؤيد حق كل شعب في الاستقلال، والحرية، والرفاهية، والتقدم! لكن وعينا يتمرد علينا اليوم، ويفتح لنا حسابا قاسيا عن بدايات تكونه، ويطرح علينا أسئلة محرجة تجعلنا نراجع كل التعويذات التي حفظنها عن ظهر قلب، وكررناها بمناسبة وغير مناسبة.

يبدو أن الأوان قد آن لنعوذ بوعينا من شر الغباء، ومن تقبل الغدر، ومن الصمت إزاء الحقائق.

وعينا يقول لنا اليوم أن هناك من ضغط عليه حتى جعله يظن أن لحقوق الآخرين قدسية أكثر من حقوقنا نحن، وأن هناك من جعله يؤمن بحق كان أصلا باطلا، وأصبح مع مرور الوقت، وتراكم التجارب، فاسدا، تزكم عفونته الأنوف.

لقد اعتُديَ على وعينا، وجرى تزييف الحقائق أمامه، بل إنه تعرض للتخدير حتى صار يرى الواقع مقلوبا.

لقد اعتبرنا الأكراد ضحايا، بينما كانوا هم جناة يضمرون الشر للعراق، ولا يتورعون، لحقدهم وغبائهم، عن وضع أيديهم بأيدي الصهيونية، ويسيرون في ركبها.

من كان ذلك الذي اعتدى على وعينا؟

من اعتدى على وعينا في العراق كان ما كان يطلق عليه “الحزب الشيوعي العراقي” الذي مارس تخديرا عقليا فظا لأجيال من الشباب، فجعلهم يؤمنون بأن هناك بينهم وبين الإسرائيليين الذين اغتصبوا حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وشائج قربى، فإسرائيل فيها حزب شيوعي لا ينبغي لنا أن نجرح مشاعره الرقيقة  بالمطالبة بطرد الغزاة المغتصبين من فلسطين!

ذلك الحزب نفسه أوحى إلى الشباب بأن العرب أنفسهم مغتصِبون، وغزاة، ويحتلون أرض شعب آخر هو “الشعب الكردي”، وعليهم أن يريحوا ضميرهم بأن يفعلوا كل شيء من أجل حرية هذا “الشعب”، وحقه في تقرير مصيره المشترك مع إسرائيل.

راح شبابنا يموتون دفاعا عن حق “الشعب الكردي” وهم يحسبون أنهم يقومون ليس بإرضاء ضمائرهم وحسب، بل وإرضاء الله أيضا، وهم أقرب في ذلك إلى من يقتل نفسه طمعا بالحور العين.

ثم انفضحت اللعبة، فعرفنا أننا ومنذ عام 1963 لم يبق عندنا حزب شيوعي، بل تحول الحزب الذي بناه فهد ورفاقه إلى حزب قومي للأكراد يروج لمشاريعهم التي لا يمكن فصم عراها عن مشاريع الصهيونية التي اغتصبت فلسطين! ويرسل شبابنا إلى الموت الزؤام من أجل “كردستان”، وليس من أجل فلسطين!

الحق الحق نقول إن الأكراد صارت لهم قضية، وتبلورت بفضل تبني عرب العراق لهذه القضية والتضحية من أجلها. ألم تكن قضية الأكراد تشكل نصف ما كانت الأحزاب الوطنية العراقية تصبو إليه عبر شعارها .. “الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان”؟ كخطوة أولى على طريق “حق تقرير المصير”!!

هذا في الوقت الذي كان “الأكراد” في البلدان المجاورة يجري تجاهل وجودهم تماما، فلم تكن لهم ولا ربع قضية. العراقيون الذين تعاطفوا مع الأكراد هم الذين جعلوا الأكراد في إيران وتركيا يشعرون أنهم موجودون، فصاروا يتحركون. ولكن ماذا جنى العراقيون من ذلك غير الغدر ونكران الجميل؟

إن وعي شباب العراق كان أسيرا بأيدي متشابكة بأيدي الصهيونية. لكن هذا الوعي الذي تحرر اليوم، صار يطرح أسئلة لا مفر من الإجابة عنها لأن وطننا، وأوطانا أخرى عديدة صارت بين فكي كماشة صنعها الصهاينة على مدى عقود – هم من الغرب وعبيدهم من شيوخ الأكراد من الشرق في أقذر مؤامرة على شعوب الشرق.

السؤال الأول:
هل هناك حقا شعب كردي؟ الجواب الذي لا يرضى الوعي بديلا عنه هو “لا”، ليس هناك شعب كردي بنفس مفهوم الشعب العربي، أو الشعب الفرنسي، أو الروسي.

هناك، في العراق مثلا، قبائل تسكن في المناطق الجبلية تسمي كل قبيلة منها نفسها “كرد”، وهي في حقيقتها لا يجمعها جامع سوى القدرة على العيش في عزلة عن الحضارة.

ليس هناك ما يجعل الأكراد أمة أو شعبا،، ولا حتى عاملُ اللغة.

هناك في شمال العراق عشرات اللغات المختلفة بعضها عن بعض كليا (وليس لهجات من لغة واحدة)، تدعي كل منها أنها “كردية” والناطقون بها لا يفهمون بعضهم بعضا على الإطلاق رغم تجاورهم جغرافيا.

وليسوا على حال العرب، مثلا، الذي يتحدثون لهجات عربية عديدة، لكن يفهم بعضهم بعضا، وهناك لغة فصحى تجمعهم جميعا، ويمكن أن يتفاهموا بها في حالة بُعد اللهجات بعضها عن بعض.

ما هي السورانية؟ ما هي البهدينانية؟ ما هي الزازائية؟ ما هي الكرمانجية؟ ما هي الفيلية؟ لغات قبلية بدائية مثل لغات القبائل المنتشرة في الأدغال في غابات الأمازون. لا يربط بينها رابط. وكل لغة منها ينطق بها قوم لا علاقة لهم بغيرهم

أية قبيلة من هذه القبائل كنا نحن ندعم قضيتها، ونقاتل من أجل أن تنال حق تقرير المصير؟

ولو تناولنا المسألة من ناحية جغراقية، وليس لغوية، فإننا نرى أنه ورغم خروج المنطقة الشمالية من العراق مؤقتا عن سيطرة الحكم المركزي في بغداد فهناك ضمن هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة قبائل يديرها ويحكمها كيان سياسي قبلي في مدينة أربيل، وقبائل أخرى يديرها ويحكمها كيان سياسي قبلي في مدينة السليمانية، والعلاقة بين مجموعتي القبائل عدائية دموية، والتنقل بين المدينتين أصعب بكثير من تنقل الناس بين دولتين.

أي المجموعتين أردنا لها حق تقرير المصير؟

السؤال الثاني:
لنفترض جدلا أن الكيان السياسي القبلي في أربيل يمثل كل هذه القبائل رسميا، فلماذا يتنكر هذا الكيان لتضحيات العراقيين في سبيل أن تنال المنطقة حكما ذاتيا في البداية؟

لماذا يقمع هذا الكيان المصطنع كل الأقليات التي تقع تحت السيطرة المؤقتة لميلشياته؟

لماذا يقومون بالتطهير العرقي في كل مكان يسيطر عليه جحوشهم، ولا يعترفون بحق الأقليات غيرهم في تقرير مصيرها؟

لماذا يضطهدون المسيحيين، والأرمن، واليزيديين، والتركمان؟ ويحرمونهم حتى من حقوقهم الثقافية، ويفرضون عليهم لغتهم “الكردية”، أو يطردونهم من مناطقهم؟

السؤال الثالث:
لماذا تحول حق هذه القبائل في تقرير مصيرها إلى مشاريع استعمارية تريد بالتعاون مع الصهيونية العالمية خلق “امبراطورية – فكرة مضحكة” كردية تمتد خريطتها من الهند شرقا حتى ليبيا غربا، ومن الخليج العربي جنوبا حتى القفقاس شمالا؟

أهذا كان الحلم الكردي الذي دعمه العراقيون، بل واستشهد الآلاف منهم في سبيله؟

إننا كنا نظن أنهم كانوا يريدون أن يكون مختارو القرى الكردية أكرادا، ويكون المعلمون في مدارسهم أكرادا، وأن يعيشوا من بيع البلوط، والتبغ، وكزوة سليماني بعز وشرف، وإذا بهم يريدون إقامة امبراطورية، وإذلال الشعوب المحيطة بهم، وإخضاعها لكيان تكون عاصمتها الشتوية تل أبيب، وعاصمتها الصيفية أربيل.

وضعوا أيديهم بأيدي الإسرائيليين فأصابتهم عدوى الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار!

السؤال الرابع:
ما هذا الذي يفعلونه في سورية؟

ربما يقول لنا أحدهم أن الأكراد كانوا موجودين في العراق بصرف النظر عن لغاتهم، وكياناتهم القبلية، واستطاعوا خداع عرب العراق عبر الحزب “الشيوعي – القومي الكردي” البائد، وإقناعهم بأنهم شعب مضطهد، وضحية الحكومات العربية، وأنهم يريدون شوية “حكم زاتي” وبس.

ولكن نتساءل: متى كان في سورية أكراد حتى يتحركوا اليوم بالتزامن مع الحرب الإرهابية على الشعب السوري ليحاولوا بمساعدة سعودية إسرائيلية بناء كيان كردي في شمال سورية؟

الأكراد جاؤوا إلى سورية قبل عقود ضيوفا باحثين عن العمل ولقمة العيش، شأنهم شأن عشرات الأقوام، وطالت إقامتهم فيها لأن السوريين أحسنوا معاملتهم. والآن، سبحان الله، يريدون اقتطاع جزء من سورية لتكوين دولة!

أي نكران للجميل هذا؟ أنت تطالب لبعض قبائلهم بحق تقرير المصير فتبدأ قبائل أخرى منهم بإنكار حق مضيفيهم بدولتهم الموحدة!

ثم كم دولة قبلية يريد هؤلاء؟ يعني لأكراد العراق دولة في أربيل، ودولة في السليمانية، وهؤلاء يريدون دولة في كوباني، ودولة في منبج! ودولة في الحسكة، وأخرى في القامشلي! تُرى هل هؤلاء عندهم فكرة واضحة عن مفهوم الدولة؟

السؤال الخامس:
لماذا لا يتعلم سادة القبائل الكردية من دروس التاريخ؟ بل لماذا لا يفهمون الجغرافيا؟

هذه القبائل جعلت من نفسها على الدوام أدوات بأيدي من يحاول زعزعة استقرار الدول التي تؤويهم، ولم تحاول أبدا بناء علاقات ود واحترام مع شعوب هذه البلدان، فشاه إيران استخدمهم لزعزعة استقرار العراق، في الوقت الذي كان يسحق تحت قدميه “أكراد” إيران.

 واليوم تستخدمهم إسرائيل وأمريكا لزعزعة استقرار العراق، وسورية، وتركيا، وإيران. إنهم تحولوا إلى مصنع للمرتزقة يتاجر شيوخهم بدمائهم لخدمة مصالح الآخرين.

شيوخ هذه القبائل يحسبون أنهم يستطيعون عن طريق خدمة مصالح إسرائيل بناء امبراطوية، أو دويلات قبائل، تُخضع الأمم العظيمة المحيطة بهم إحاطة السوار بالمعصم؟

السؤال السادس
في مسألة إقامة دولة بدعم أمريكي إسرائيلي، لماذا ليس شيوخ الأكراد قادرين على التفكير المنطقي العملي؟

مثلا، حين أرادت بريطانيا خلق إسرائيل أعطت لليهود وعد بلفور، وبعد ثلاثين سنة كانت إسرائيل دولة في الأمم المتحدة.

وغير ذلك، فحين أرادت أمريكا جعل مدينة صغيرة مثل كوسوفو دولة أعطت الإشارة الخضراء لزعمائها، فأعلنوا استقلالها، وبعد ثلاثة أشهر أصبحت كوسوفو دولة تعترف بها عشرات الدول.

هل أعطى الأمريكيون للأكراد وعدا مثل وعد بلفور؟ وها قد مضى أكثر من ربع قرن منذ إعلان المنطقة الشمالية للعراق منطقة حظر على الطيران العراقي، الأمر الذي عنى انفصالا عمليا للأكراد.

فلماذا ما يزال الملا مسعود تحت وصاية تركيا، بينما قبائل السليمانية خاضعة بشكل مطلق للنفوذ الإيراني؟

لماذا لا يعطي الأمريكان الإشارة الخضراء للملا مسعود لإعلان دولته؟ وكيف يطمع أكراد سورية بدولة وهم يرون الوضع المزري للقبائل الكردية في العراق؟

إنهم يستحقون الشفقة، فهم مجرد أدوات لزعزعة سورية لو كانوا يعلمون.

قلنا لبعض العقلاء منهم أن القبائل الكردية يمكن أن تحصل على كيان مستقل مسالم باتباع خطوات عقلانية منها:
أن يتبعوا النضال السلمي الذي يضمن لهم تعاطف العالم، وتعاطف الشعوب المحيطة بهم.

وأن لا يتعاونوا مع أعداء شعوب المنطقة ضد هذه الشعوب.

وأن لا يستغلوا محن هذه الشعوب لفرض شروطهم، ومشاريعهم عليها.

وأن لا يحلموا أبدا بدولة رغما عن إرادة الشعوب المحيطة، وبالخيانة والغدر.

وأن لا يعولوا كثيرا على وجود إسرائيل ودعمها، فإسرائيل إلى زوال، بينما العرب والأتراك والإيرانيون باقون.

وأن يكوّنوا في الوقت نفسه أنفسهم كشعب عن طريق التعاون بين القبائل بدلا من التطاحن، وعن طريق خلق لغة كردية مشتركة.

ولكن من الواضح أن الوعود الإسرائيلية بخلق كيان لهم كان لها وقع أحسن في نفوسهم! لأنها وعود جوفاء تتماشى مع رغبتهم في البقاء عصاة في الجبال.

هم ارتكبوا خطيئة جرتهم إلى خطايا كثيرة، فقد اختاروا أن يعيثوا دائما فسادا في الأرض مستفيدين من الخلافات بين الأمم من حولهم، الأمر الذي جعلهم على الدوام أدوات، ومرتزقة يستأجرهم هذا وذاك للإضرار بمن حولهم.

أسئلة كثيرة يطرحها الوعي الذي صار يشمئز من عقلية الغدر، والخبث، والتآمر.

حق ما يسمى بـ “الشعب الكردي” أصبح باطلا لا يستحق أن يدافع عنه أحد. وبقي أن نعلّم هؤلاء الشيوخ شيئا من الجغرافيا. ونجعلهم يسألون أنفسهم: كيف إذا اتحد العرب والأتراك والإيرانيون ضدهم إذ تبين للجميع غدرهم؟

العرب، والإيرانيون والأتراك شعوب متسامحة، ولهذا نرى الأكراد في إيران، وتركيا، والعراق، وسورية منتشرين في كل مكان، في كل المدن، يعملون، ويكسبون، ويعيشون بأمان.

ماذا لو قررت هذه الدول طرد الأكراد من مدنها، وحشرهم في الجبال، ورفضت أن تقيم معهم أية علاقة سياسية، أو اقتصادية، أو تجارية؟

ماذا سيفعلون؟

أمرهم ميئوس منه. أحد عملاء الموساد من عصابة البارزاني قال ذات مرة عن مثل هذه الحالة الكارثية إن وقعت: “كاكا مو مشكلة. احنا راح نصير مهمين لإسرائيل مسل ما برلين الغربية كان مهم على أمريكا. إسرائيل تجيب النا صمون وجكاير وبيرةعن تريق الجو”!

علينا بعد الآن، بدلا من دعم حق الشعب الكردي في تقرير المصير، أن ندعم حق هؤلاء في الغباء، في التبعية لإسرائيل، التي تعد لهم عبودية لم نقبلها لهم نحن.

نعم، شيوخ القبائل الكردية راهنوا دائما على اختلاف الدول المحيطة بهم مع  بعضهم البعض، ولم يفكروا أبدا بما يمكن أن يحصل إذا اتحدت هذه البلدان ضدهم.

لذلك لا تتوصل عقولهم الصغيرة إلى حل لمصيبتهم على المدى الطويل غير الاعتماد على قيام إسرائيل بإيصال الخبز إليهم عن طريق الجو.

إنهم لا يدركون أنهم بضاعة للبيع، أدوات تستعمل عند الحاجة، وورقة يلعبها الغرباء لابتزاز أهل المنطقة. والدولة الكردي طُعم يلقي به إليهم كل من يريد الاستفادة من خدماتهم.

الأكراد لم يعودوا يظهرون في دور الـ “ضحايا”، الذي جعل الآخرين يدعمونهم، بل أصبحوا مغرمين بلعب دورهم الحقيقي كجناة، ولكن هذه المرة ليس على غيرهم وحسب، بل وعلى أنفسهم أيضا.

2016-09-04