الوطن لدى الأوغاد القُطْريين مكاناً

عادل سمارة

بداية، دعك من كون أوغاد لبنان أو غيرهم من العرب يلبسون  بأناقة ويرطنون بلغات غربية ويلحنون في العربية تقرُّبا من الغرب زُلفى. هم من حيث نمط التفكير لا يختلفون عن القبائل البدوية القديمة حيث الوطن هو المكان ما توفر فيه الكلأ والماء.

لكن الفارق بين هؤلاء الأوغاد وبين العروبيين أن الأوغاد، رغم الشكل الحداثي الذي يلبسونه، لم ينتقل المكان عندهم إلى وطن رغم مصلحتهم في الوطن مما يطرح الشك في وطنيتهم ومن ثم السؤال: إذن لماذا لا تكن  لهم مصلحة متخارجة! . أما وهم في هذه الخانة، فهم، رغم فارق العصور، أقل ولاء حتى للمكان من القبائل البدوية الراحلة القديمة التي رغم ولائها للمكان لم تكن تغادره بسهولة.

حين شارفت قبيلة عبس على الهزيمة وقع شداد والد عنترة في مأزق الاختيار بين الثقافة والمصلحة. بين ثقافة الطبقة الثرية التجارية المتعالية على اللون الأسود وبين المصلحة المادية في الحفاظ على التجارة والأنعام (الإبل والغنم والخيل…الخ).

كان شداد يعلم أن عنترة بوسعه تغيير ميزان الصراع فاضطر للاستنجاد به.

شداد: كُر يا عنترة!

عنترة: العبد لا يُحسن الكر، وإنما يُحسن الحلب والصَّرْ

شداد: كُر فأنت حر.

وهكذا انتزع عنترة حريته بسيفه. تماماً كما انتزع حزب الله كرامته بالمقاومة، ليس من العدو وحسب، بل من الأوغاد أيضاً. لذا لا يجرؤون على التعالي عليه رغم ما بهم من كراهية لمختلف قوى المقاومة من ورائها.

الفارق هنا أن أوغاد لبنان ليسوا مثل شداد. فهم لا يزالون يرسلون رسائل العشق إلى الصهيوني ليعود إلى قصر بعبدا، وليبقى فيه ميشيل سليمان وليس إميل لحود، ورفيق الحريري وليس سليم الحص.

شداد كسر حاجز الثقافة لصالح المصلحة مما حول موقفه من المكان إلى موقف من وطن، حوَّل المكان إلى وطن، وعنترة العبْسِيْ كسر ذلك الحاجز بالسيف كما كسرته المقاومة بالجسد وحرب الغوار والبندقية. أما أوغاد لبنان فحولوا الوطن إلى مكان، لذا يجعلوا قرار الرئاسة والحكومة والعلاقة مع سوريا وحتى مكب النفايات بيد قوى خارجية غربية أو عربية لا عروبية.

ليس أوغاد لبنان هم الوحيديو، ففي كل الوطن العربي أمثال لهم. وقد لا يكون التقوُّل التالي من جانب كاتب هذه السطور افتئاتاً تجازواً على واقع: كل من لا يتفهم ويناضل من أجل الوحدة العربية فهو من طائفة الأوغاد، اي ان القُطريين هم عملياً مع التجزئة، والتجزئة تتصاغر طوعاً إلى اصغر منزلة عشرية حتى تصل الى حجم  منطقة أو مدينة أو قرية وحتى عائلة. لفت نظري قبل فترة قول “خبير ومحلل يمني  جنوبي” بقوله أن الشمال يحتل الجنوب!   لكنه لم يرَ ان السعودية تحتل معظم قوى الانفصال الجنوبية، وهي وأمريكا اللتان تصران على وتدعمان الانفصال، أليس الاحتلال الأمريكي احتلالاً! من لا يتذكر روبرت زويلك؟

لذا، في هذا السؤال، ننقد الحالة الوغدية من باب موقفها من الوطن ونظرتها إليه على انه مجرد مكان. دعك بالطبع من تغنيها بالوطن. (لبنان يا جنة الدنيي…الخ). هذه مجرد لغة تبيع محمولها عند أول مفترق طرق او كوع كما يقول اللبنانيين.

تبادل أدوار مع اليهود

المألوف تاريخياً أن اليهود هم الحالة المنفوية في التاريخ. وهم بالطبع قبيلة رُعاة لا قبيلة زراعة، لذا ارتباطهم بالأرض متغير مما جعلهم أهل مكان لا أهل وطن. واللافت ان يلتقي أكثر من لون ثقافي من اليهود على اللاوطن، اي المنفى. ففي حين تصر طائفة ناطوري كرتا على رفض إقامة دولة لليهود طبقاً للموقف الديني، فإن فيلسوفا مثل ميخائيل أدورنو اليهودي كذلك من مدرسة فرانكفورت الثقافوية اليسارية هو أحد المنظرين ل “اللاوطن”.

بالمقابل، فإن الحركة الصهيونية قد عارضت الموقف الديني بأن اصرت على وطن لليهود أي ينقلهم من وضعهم الطبيعي  أي “المنفوية” إلى اغتصاب وطن غيرهم.

اللافت كمفارقة هائلة، أن كثيرين من العرب والفلسطينيين جميعهم اتجاهات قطرية إقليمية طائفية مذهبية يتهودون بمعنى التخلي عن الوطن تماما او بتجزئته وتخفيف موقعه وقيمته والتمسك به إلى مكان. لذا،  نلاحظ أن هذه الاتجاهات تتخلى عن أي جزء من الوطن العربي يتم احتلاله من مطلق عدو. ناهيك عن استعدادها الهجرة إلى الغرب حين اية أزمة، أو الهروب من الوطن.

وكما نلاحظ، فإن فقدان أرض عربية يتم طبعاً في مرحلة الدول القطرية مما يسمح بالاستنتاج بأن الدولة القطرية هي آلية فقدان الأرض والتعاطي مع الوطن كمكان، وبان استعادة الأرض لا تتم سوى بالدولة القومية والمقاومة.

وهنا تتضح جيداً إشكالية أوغاد لبنان:

ففي حين تمكنت المقاومة بالدعم العربي السوري والإسلامي الإيراني، تمكنت من تحرير الجنوب اللبناني، اي مع بعد أوسع من قُطري، فإن أوغاد لبنان يشتغلون علانية لنزع سلاح حزب الله مما يعني بلا مواربة دعوة الكيان لاحتلال لبنان مجدداً.

هذا الفريق لا يبحث عن وطن وإنما عن سلطة وإن تحت الاحتلال لأنه فريق اساساً متخارج في ولائه وارتباطاته بدءا من الاستعمار الفرسي فالأمريكي إلى جانب علاقته بنظام الدين السياسي السعودي الذي كامل أرضه تحت الاحتلال الأمريكي خاصة.

لا يمكن النظر بشكل خفيف إلى تبادل الأدوار مع اليهود. فالصهاينة يشترون الأرض في كردستان العراق، وفي الحسكة رغم أنهم يعرفون بأن احتلالهم لفلسطين مصيره الزوال، بينما يُفرِّط أوغاد عرب ومنهم اللبنانيون بالأرض!

‏13‏/01‏/2015

عن / نشرة كنعان