زمن الكولونيالية زمن الطائفية

 

د.موفق محادين

 

هل يمكن للجماعات التكفيرية التي اختطفت ثقافة الصحراء، أن تمد ظلالها على الحواضر التاريخية للأمة ــ مصر والشام والعراق، ولماذا أخفقت الجماعات المذكورة في مراحل سابقة، وكادت أن تخرج من التاريخ على ايدي الجيوش المصرية مرتين في قلب نجْد نفسها، كما على أطراف الشام عندما ردتها قبائل شرق الأردن على أعقابها، وقتلت المئات من أفرادها خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

 

وبالمقابل، لماذا نهضت من تحت الرماد بل ومن أية عباءة خرجت، وصارت تجول وتصول حول الحواضر المذكورة وتضرب في قلب الشام والعراق والقاهرة.

 

في الظاهر وهو صحيح، لم يعد سرا ولا تهافتا ولا ظلما وجورا وجود الأصابع الأطلسية فيها بل والصهيونية أيضا حيث يشتبك المجاهدون مع الجيش السوري وخلفهم بأمتار حواجز الجيش الإسرائيلي.

 

أما في العمق، فالمسألة تحتاج لأكثر من شريط الأخبار، ولنا أن نعود إلى ما كتبه المفكر اللبناني اليساري الشهيد مهدي عامل، لمقاربة أو محاولة معرفية تستقصي هذه الظاهرة في زمن سياسي ــ اجتماعي محدد هو الزمن الذي يسميه عامل بالزمن الكولونيالي وما افرزه ويفرزه من تداعيات وعناوين تبدو مفاجئة أو غير مسبوقة.

 

فبدلا من أن تقطع الدولة القطرية خطوات أكثر فأكثر نحو الأمام وتقترب الدولة والمجتمع من مفاهيم المجتمع السياسي والمدني وتتوسع فضاءات العلمانية (البرجوازية) فإن البنية الرأسمالية المشوهة للدولة الكولونيالية التابعة تطيحها وتدفعها إلى القرون الوسطى، وتعود الدولة تحالفا قبليا أو طائفيا ويعود المجتمع إلى سيرته الأولى، مجاميع طائفية وجهوية.

 

وهنا تتراجع القوى والأيديولوجيات التي كانت تتلمس آفاقا لخيارات قومية واشتراكية أو ديمقراطية.

 

ويتقدم الفراغ السياسي والقلق الطبقي فاتحا ذراعيه لأكثر الخطابات والجماعات تخلفا وظلامية.

 

والأخطر من ذلك أن الحواضر العربية التي كانت تبدو محصنة إلى حد ما أمام هذه الخطابات تصبح أقل مناعة أمامها وأكثر عرضة لها.

 

وبهذا المعنى فإن هذه الحواضر التي لم تخل ثقافتها وتقاليدها من حساسية أو سخرية المتصحرين على مدار قرون مديدة، وأنتجت نصوصا ومقامات أدبية تعكس هذه السخرية، تجد نفسها اليوم أمام (مقامات) مسلحة تضعها على حافة التاريخ وربما خارجه.

2015-01-04