اغتيال الطبقة الوسطى

يُعرِّف عالم الاجتماع الالماني ماكس ويبر (1864-1920) الطبقة الوسطى بأنها مجموعة واسعة من المواطنين، في مجتمع معاصر، تقع بين الطبقة العاملة والطبقة العليا من السلم الاجتماعي والاقتصادي. وقد شهد مصطلح "الطبقة الوسطى" المزيد من الدقة في التحديد مع مرور الزمن حيث عرفه البريطانيون في مطلع القرن الماضي بأنه مصطلح يطلق على شريحة واسعة من المهنيين أبرز سماتها امتلاك قدر كبير من الرأسمال البشري أو الكفاءة. وفي سنة 1977، قدمت عالمة الاجتماع الامريكية بربارا وزوجها جون إيرنريخ تعريفا للطبقة الوسطى في الولايات المتحدة ذهبا فيه إلى القول بأن هذه الطبقة تتميز عن غيرها من الطبقات الاجتماعية بما تمتلكه من تعليم ومهارات تقنية، وفي مقدمتها التحصيل الجامعي، ورأى الباحثان بأن المهن التي يضطلع بها أفراد هذه الطبقة تشمل، من بين مهن عدة، أساتذة الجامعة، والتدريسيين، والمهندسين، والمدراء، وذوي المهن الطبية، والكوادر الوسطية. وبمعزل عن التعريفات العديدة لهذه الطبقة وحجمها وحدودها، فإن علماء الاجتماع والاقتصاد أجمعوا على أن من بين ما يميّز هذه الطبقة ويجعلها موضع اهتمام كبير هو سلوكها وقيمها.

وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، شهدت كل من الدول الغربية والشرقية اتساعا في حجم هذه الطبقة الهامة التي أخذت على عاتقها بناء المجتمع وتحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية وعلمية، حتى باتت تحتل حيزا واسعا ومؤثرا في حركة التطور الاجتماعي. وتختلف التقديرات الرسمية لحجم هذه الطبقة بين دولة وأخرى في الغرب، لكنها تجمع على أنها أصبحت على درجة عالية من التأثير، حتى بات قياس تقدم المجتمعات يعتمد إلى حد كبير على مدى اتساعها، مما دفع بالحكومات في الدول الغربية لأن تحسب لها ألف حساب. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، عدّل حزب العمال البريطاني من برامجه السياسية لكي يحتوي هذه الطبقة بين صفوفه وعدم الاكتفاء بقاعدته العمالية الضيقة.

وهنا، في فرنسا، حيث تشهد الحياة السياسية تنافسا شديدا بين أحزاب اليمين واليسار للفوز بالانتخابات الرئاسية الشهر المقبل، يتفنن المرشحون للرئاسة في طرح البرامج التي تحاول كسب ود الطبقة الوسطى التي يرى البعض أنها قد تصل إلى أكثر من 40 % من حجم الناخبين.

والحال ينطبق أيضا على الولايات المتحدة التي تستعد لانتخابات رئاسية أواخر العام الحالي حيث تخاطب البرامج التي يطرحها الديمقراطيون والجمهوريون، على حد سواء، قلوب وعقول الطبقة الوسطى عسى أن تلمس شغاف قلبها، وبالتالي تنال أصواتها.

ولعل أبرز دور تضطلع به هذه الطبقة، شرقا كان أم غربا، هو حفاظها ودفاعها عن القيّم والسلوك حيث تتصرف في كثير من الأحيان كما تتصرف كريات الدم البيضاء في الجسم عندما تكتشف خطرا يحاول الفتك به فتطوقه وتحاربه حتى تقضي عليه، حماية للجسم وبالتالي للمصلحة العامة. ولهذا السبب، أي لدورها الكبير في حماية المجتمع والنهوض به، تحرص دول العالم قاطبة على رعاية هذه الطبقة الاجتماعية وحمايتها، بل وإغداق الامتيازات عليها، لأنها ليست مجرد مصدر للابداع والتجديد بل المحرك الذي لن تقدر البلاد على النهوض والازدهار من دونه.

وبخصوص الطبقات الأخرى المتبقية في السلم الاجتماعي، أي طبقتي الفقراء والأثرياء، فأن علماء الاجتماع والسياسة يرون أن طبقة الفقراء، وبسبب انهماكها في البحث عن لقمة العيش، فأنها لن تمتلك القدرة على إثراء المجتمع فكريا وعلميا. أما الطبقة الثرية، فهي الأسوأ حسب العديد من علماء الاجتماع. إلى ذلك، وجدت دراسة أعدها عدد من المتخصصين في علم النفس في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، ونشرتها صحيفة الغارديان البريطانية الشهر الماضي، أن أفراد الطبقة الثرية المترفة يتصرفون دائما على نحو "أسوأ من الآخرين"، فهم غالبا ما ينزعون إلى الكذب والخداع والاستحواذ على أشياء يفترض ألاّ تكون لهم، ويتعرضون لمصالح الآخرين، ويغضّون الطرف، بل يشجِّعون، السلوك والتصرفات المنافية للأخلاق والمُثل العليا.

 

مطاردة وقتل العراقيين

وقد أدَّت الطبقة الوسطى في العراق، والعالم العربي بصورة عامة، دورا كبيرا في التحولات الاجتماعية، وبرزت منها القيادات السياسية والاجتماعية التي حملت لواء النضال الاجتماعي وبنت بسواعدها الصرح الاقتصادي لبلادها منذ مطلع القرن الماضي حتى هذا اليوم. وباتت الأنظمة العربية، على اختلاف توجهاتها، تتطلع إلى استرضائها، بل ودعمها.

وخلال الفترة التي سبقت احتلال العراق، تعرضت البلاد إلى حصار اقتصادي وعلمي ونفسي شامل استغرق زهاء 13 سنة قاسى خلالها العراقيون شتى صنوف الجوع والألم. ولن يكون من قبيل المبالغة القول بأن الطبقة الوسطى كانت أكثر المتضررين من ذلك الحصار، إلاّ أنها خرجت، وإنْ بخسائر مادية باهظة، وقد حافظت على جوهر القيّم النبيلة التي راكمتها أجيال عراقية على مدى أكثر من 80 سنة.

وبعد اجتياح القوات الأمريكية والمتحالفة معها العراق سنة 2003، سرعان ما أدركت تلك القوات أن الطبقة الوسطى تمثل العقبة الكأداء أمام تحقيق أطماعها فما كان منها إلاّ أن اتخذت قرارا بتصفيتها. وهكذا شرعت أول الأمر بحل الجهاز الإداري المدني الذي كان قد تأسس منذ بناء الدولة العراقية سنة 1921. وفي ضوء رفض الغالبية العظمى من المجتمع العراقي القبول بفكرة احتلال دولة أجنبية لبلادهم، وبالتالي القبول بمن يمثلها من رجال جاءوا على دباباتها، شرعت الحكومات العراقية التي تعاقبت على حكم البلاد بعد احتلاله حتى يومنا هذا في حملة شعواء ضد الطبقة الوسطى. وراحت ميليشيات وقوى سياسية نافذة بتنفيذ حملة مطاردة وقتل منظمة للعلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والمثقفين والأدباء والصحفيين والفنانين والكوادر الوسطية في مرافق الدولة، كان الهدف منها تفريغ العراق من هذه الطبقة المسؤولة عن الخلق والإبداع وعن بناء البلاد ونهضته وإحلال طبقة أخرى فاسدة هجينة تضمن بقاءه متخلفا، وتبقي في الوقت نفسه الباب مشرعا للنفوذ الأجنبي في البلاد بكافة أوجهه.

 

ستة ملايين لاجئ

وتشير أحدث التقارير الاحصائية الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى أن عدد اللاجئين العراقيين في الخارج قد بلغ نحو مليون وسبعمائة ألف عراقي خلال النصف الأول من سنة 2011، اتخذ أكثر من مليون منهم من سوريا مقرا لاقامتهم، فيما قدرت المفوضية عدد المهجرين داخليا بنحو مليون وثلاثمائة ألف مواطن. ولا تتضمن هذه الأرقام مئات الألوف من العراقيين الذين فرّوا من البلاد وممن لم يسجلوا أسماءهم لدى المنظمة. إلى ذلك، تقدر منظمات غير حكومية عدد اللاجئين العراقيين الحقيقي، داخليا وخارجيا، بضعف هذا العدد، أي بنحو ستة ملايين مواطن. وتعتبر الأمم المتحدة أن نحو نصف اللاجئين في العالم، أو 45 % منهم، هم من جنسيات عراقية وأفغانية.

 

أبواب موصدة

وفيما يؤكد المراقبون أن قوات الاحتلال والحكومات المحلية التي نصبتها على البلاد قد نجحت في تنفيذ أكبر عملية هجرة شهدها العالم العربي، عقب احتلال فلسطين وتهجير أهلها، فأن الأبواب لا تزال موصدة أمام عودة هؤلاء فلا الامم المتحدة تطالب الحكومة العراقية باعادتهم، ولا الحكومات الغربية تتحرك للضغط على النظام في بغداد. بل على العكس من ذلك، تتواصل وفود السياسيين الغربيين وشركاتهم التجارية بالتدافع للوصول إلى بغداد طمعا بالعقود والمغانم التي غالبا ما يحصلون عليها لقاء سكوتهم عن انتهاكات حقوق الإنسان.

وعلى نفس الخُطى، غض العديد من الدول العربية الطرف عن الانتهاكات التي يتعرض لها العراقيون، حتى أن عددا غير قليل من قادتها يفكرون جديا بحضور مؤتمر القمة المقبل في بغداد وسط تقارير تفيد بتحويل الحكومة العراقية لمبالغ نقدية طائلة إلى أكثر من حكومة عربية لحثها على المشاركة في القمة. أما الحكومة العراقية، فهي آخر من يكترث بهموم شعبها، وهي آخر من يسعى لتضميد جراح أبنائها، ناهيك عن هلعها من فكرة عودتهم إلى البلاد. وفي هذا الصدد، وبعد مواجهة العديد من العراقيين في سوريا لصعوبات جمة لا سيما بعد تعرض بعض الأحياء السكنية إلى قصف القوات الحكومية السورية، وتعرض قوى وطنية عراقية إلى حوادث خطف وابتزاز، طالب وزير الهجرة والمهجرين العراقي، في تصريح صحفي، العراقيين بالتفكير في مغادرة سوريا إلى مكانات عدة، من بينها العراق، ولكنه نصحهم "بالانتقال إلى بلد آخر أكثر أمنا".

وتعكس هذه التصريحات بشكل واضح أن الحكومة العراقية الغارقة حتى أذنيها بالسرقة والفساد واضطهاد الشعب، لا ترغب بعودة أبنائها إلى البلاد.

 

تهجير 17 ألف عالم عراقي

شكلت الطبقة الوسطى في العراق الغالبية العظمى من أعداد المهاجرين العراقيين، وفي مقدمتهم حملة الشهادات العليا، حتى قيل أن الجامعات اليمنية بمفردها استقبلت بعد احتلال العراق سنة 2003 أكثر من ثلاثة آلاف استاذ جامعي عراقي ممن تخرجوا من خيرة الجامعات الغربية، فيما تقدر جهات أجنبية محايدة عدد العلماء العراقيين الذين اجبروا على ترك البلاد منذ احتلاله بنحو 17 ألف عالم. وفي هذه الأثناء، اكتظت مقاهي عواصم عربية قريبة من العراق بخيرة الخبراء العراقيين العاطلين عن العمل من أطباء ومهندسين وطيارين وعلماء وأكاديميين وصحفيين وأدباء ودبلوماسيين وسواهم من الخبرات العراقية والتي غالبا ما تصفهم كتب الاقتصاد والاجتماع بأنهم "زبدة المجتمع". واختفت الجامعات العراقية التي كانت تحظى بسمعة طيبة بين جامعات العالم من قوائم الجامعات المرموقة، بعد اضطرار عدد كبير من تلك الطبقة الخلاقة والمبدعة للهجرة. ولم تكتف حكومات الاحتلال المتعاقبة بهذا التدمير المتعمد بل تبنت عملية تزوير كبيرة للشهادات الجامعية سعيا لخداع الشعب بمؤهلاتها من جهة، ولملء الفراغ الذي تركه غياب الخبرات عن المؤسسات والجامعات ومراكز البحوث العراقية، من جهة أخرى. فباتت مدارس قُم الإيرانية وغرف حي السيدة زينب المظلمة في دمشق، تمنح شهادات عليا لرجال أميين لكي يشغلوا مواقع متقدمة في العراق. وفي ضوء عملية التزوير هذه التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا، انتقل أكثر من نادل عراقي كان يعمل في مقاهي وحانات أوروبا إلى العراق، وحمل معه شهادات مزورة ليحتل مناصب رفيعة في الوزارات والجامعات وسواها من مؤسسات الدولة. ونتيجة لهذه الخطة المحكمة، بات العراق يحتل سنويا مرتبة  أكثر بلدان العالم فسادا، وراحت الصحف العالمية تتحدث عن حجم فساد غير مسبوق، لا في العراق ولا في غير العراق، حيث قامت النخبة الحاكمة الممثلة بالأحزاب الدينية في البلاد، الشيعية منها والسنية، بشراء القصور والعقارات في أرقى عواصم العالم.

وامتلأت شوارع بغداد هارون الرشيد التي تغنى بها الشعراء، بأكداس الأزبال، وعمّ الخراب وساد الجهل، وحلت الفوضى بدل النظام، في ظل غياب الطبقة التي كانت تذود عن البلاد شر الفساد والانحراف. وتحول العراق الذي تقول الاحصاءات بأنه تلقى خلال السنوات الخمس الأخيرة أكثر من 470 مليار دولار إلى أفقر بلد في العالم، حيث قدرت أحدى المنظمات الأجنبية غير الحكومية عدد الفقراء في العراق بأكثر من سبعة ملايين نسمة، أي اكثر من ربع الشعب، ممن يعيشون تحت خط الفقر ولا يحصلون على أكثر من 37 ألف دينار شهريا.

ونتيجة لهذا الانهيار المفجع، عاد العراق إلى أكثر من 100عام إلى الوراء حيث رجع بعض العراقيين إلى تعريف أنفسهم بصفات متخلفة كان جيلنا قد قرأ عنها في كتب الباحث العراقي الكبير علي الوردي، بعد أن كنا نعتقد بأن الزمن قد عفا عليها وولت، فبات البعض يعرف نفسه بانتمائه إلى طائفته الدينية، وراح آخر يعرف نفسه بالانتماء إلى عشيرته، أو غيرها من العناوين المُفرقة. وبين مفاهيم طائفية وأخرى عشائرية مغرقة في الجهل والتخلف، ووسط غياب الطبقة الوسطى التي كانت بمثابة صمام أمان المجتمع العراقي الكبير الثري بتنوعه، ازدهرت ثقافة الخرافة، وسادت تقاليد الجاهلية، وأصبحت السرقة مظهرا من مظاهر البطولة، واغتيلت الطبقة الوسطى فعمّ الخراب في النفوس!!

2015/1/3