لماذا تدعم دول الخليج أردوغان؟

 وردة عبد الرازق 

يطرح تقديم السعودية دعمًا ماليًا بقيمة خمسة مليارات دولار إلى تركيا، وبعدها قطر، بحزمة مساعدات قدرت بنحو عشرة مليارات دولار- تساؤلًا، وهو: لماذا تنافس دول الخليج على دعم أردوغان، وما أسباب التهافت الخليجي على دعمه رغم ما جمعهما من خلافات خلال السنوات الأخيرة، وهل هذا الدعم يعد اعتراف بطي صفحة الخلافات مع أنقرة تماما؟ وما الذي قد يقدمه أو قدمه أردوغان في المقابل؟.

تنافس خليجي-خليجي:

لا شك أن الحرب الأوكرانية أعادت لفت أنظار العالم مرة أخرى إلى منطقة الخليج العربي بعد أن أعلنت الإدارة الأمريكية، بأن المنطقة خارج أولوياتها، إلا أنها استعادت رونقها مرة أخرى، خاصة بعد رفض دول الخليج ومنظمة أوبك + زيادة الإنتاج، ولهذا تتنافس الدول الخليجية فيما بينها حتى تتزعم الموقف الخليجي. وفي سبيل ذلك؛ اتجهت قطر على سبيل المثال نحو توطيد علاقاتها بالدول الأوروبية من خلال عقد اتفاقيات لتوريد الغاز. والسعودية اتجهت في سبيل تقوية موقفها السياسي في مواجهة الدول الغربية _ وخاصة الولايات المتحدة _ إلى توطيد علاقاتها مع الصين الذي توج بزيارة الرئيس الصيني إلى المملكة. والأمر نفسه ينطبق على الإمارات التي عقدت اتفاقيات هامة مع القادة الأوروبيين في مجال الطاقة، مثل ماكرون وشولتز.

 

توضيحًا، يمكن القول إن الدول الخليجية تسعى إلى الاستفادة من الواقع الدولي والإقليمي ومن التغيرات الفجائية التي يشهدها العالم، خاصة من جانب السعودية التي تحاول الاستفاقة مؤخرا على المستوى الإقليمي بعدما أتاحت لها الحرب الأوكرانية فرصة للمساومة إقليميا ودوليا، وقطر التي تحاول أيضا الاستفادة من الإشادات العالمية على إثر استضافتها لكاس العالم، الذي أصبح واضحا للعيان أنه لم يقتصر على المنافسة الرياضية فحسب، بل أصبح ساحة للنقاشات وتصفية الأجواء السياسية بالنسبة إلى بعض الدول. وحتى الإمارات، فقد سارع رئيس الإمارات محمد بن زايد إلى زيارة قطر في الخامس من الشهر الجاري، لكي تكون جزءً من أي لعبة سياسية قادمة في المنطقة.

 

كما يبدو أن التفاعلات بين دول الخليج وتركيا بالخصوص قد تزداد كثافة خلال الفترة المقبلة، للاستفادة من السياسة الخارجية التركية النشطة بفضل تحركاتها الأخيرة في إطار جهود تسوية الأزمة الأوكرانية، وبالتالي قد يتم التنسيق بين القوى الإقليمية مثل دول الخليج ومصر وتركيا لمواجهة الطموحات الإيرانية في المنطقة واستغلال الاضطرابات في الداخل الإيراني، وفي نفس الوقت تنسيق المواقف الإقليمية في التعامل مع القوى الدولية، حال أرادت تلك القوى الضغط على الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة بعد الإعلان عن زيارة الرئيس الصيني للسعودية، والتي سيتم خلالها عقد قمة صينية عربية.

دعم خليجي لأردوغان:

في وقت سابق، صرح متحدث باسم وزارة المالية السعودية بأن ” الرياض وأنقرة اتفقتا على وضع وديعة بقيمة خمسة مليارات دولار في البنك المركزي التركي “. وبعد السعودية، ستقدم قطر لأنقرة مساعدات مالية تصل إلى عشرة مليارات دولار، من بينها نحو ثلاثة مليارات دولار ستحصل عليها أنقرة بحلول نهاية العام الجاري، وفقا لرويترز. ومن قبلهم الإمارات التي أنشأت صندوق استثماري في تركيا بقيمة عشرة مليارات دولار في العام الماضي. في وقت يشهد فيه الاقتصاد التركي تعثرات شديدة في ظل تراجع قيمة العملة التركية بعد إصرار المسئولين الأتراك على خفض سعر الفائدة، وارتفاع معدلات التضخم لأكثر من ٨٥٪، وبالتالي فمن شأن هذه التمويلات أن تدعم احتياطيات أنقرة من النقد الأجنبي، وهذا بدوره قد يساعد أردوغان في حشد الدعم له قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في منتصف العام المقبل.

وبالرغم من أن تلك الفترة لا تحبذ فيها أي دولة خسارة أو عداوة دولة أخرى، بل على العكس، فدول المنطقة عموما تجمع على ضرورة تصفية الأجواء بينهما في ظل الانشغال العالمي بالحرب الأوكرانية وتداعياتها السياسية والاقتصادية، ولكن يمكن إرجاع السبب في الدعم المكثف من قبل الدول الخليجية لأردوغان بالتحديد لعدة أسباب، لعل أبرزها:

 

(*) تعزيز المصالحة: قد تكون الحوافز المالية التي قدمتها قطر والسعودية من أجل تعزيز المصالحة بين مصر وتركيا، واستكمال خطواتها بشكل جدي وسريع في الفترة القادمة، حتى لا يكون هناك أي عائق أمام أية جهود إقليمية مشتركة بعد ذلك. خاصة وأن مصر استقبلت أيضا استثمارات قطرية تقدر بنحو خمسة مليارات دولار. ويبدو أن تلك الحوافز قد تثمر عن تطور إيجابي في مسار العلاقات التركية المصرية خلال الفترة المقبلة، حيث صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب لقاءه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في قطر خلال افتتاحية كاس العالم، بأن ” بناء العلاقات مع مصر ستبدأ من خلال الوزراء، كما ستتطور المحادثات انطلاقا من ذلك، كما أشار إلى أنه اجتمع بالرئيس المصري لمدة تتراوح ما بين ٣٠ : ٤٥ دقيقة على هامش الحفل، واتفقا على تبادل زيارات الوزراء على مستوى منخفض “، كما وصفت الرئاسة المصرية اللقاء بأنه ” بداية جديدة في العلاقات الثنائية بينهما “.

 

(*) تقوية موقف أردوغان: وفقا للمراقبين تكون المساعدات المالية لأنقرة من أجل تقوية موقف أردوغان في الانتخابات التركية المقبلة، وبذلك ستكون الدول الخليجية تعاملت مع أردوغان بنوع من البراجماتية بعيدا عن الخلافات التي تجمعهما، باعتباره الرجل الأنسب لقيادة تركيا في هذه المرحلة بالنسبة للدول الخليجية، لأنه قد يكون ضلعا أساسيا في تنفيذ أجندة معينة على المستوى الإقليمي ستتضح ملامحها فيما بعد، وإلا لما دعموه بهذا الشكل بعد سنوات من الخلافات. بالإضافة إلى أنه في حالة نجاح المرشح عن الحزب الشعب الجمهوري فستكون هناك احتمالية كبيرة لأن يكون مواليا للغرب، مما قد يعرقل أية سياسات إقليمية مشتركة.

 

(*) مواجهة إيران: فهناك من يري أن الدعم الخليجي لأردوغان قد يكون مقابل التضحية بعلاقاته بإيران، والاصطفاف إلى جانب الدول الخليجية كلية في مواجهة إيران، خاصة وأنه من ضمن أهداف أردوغان نفسه الحفاظ على وضعية إقليمية مميزة بالنسبة له يتفوق فيها على إيران. إلا أن هذا الطرح قد لا يبدو ملائما إذا تعلق الأمر بالسياسة الخارجية التركية _ وخاصة سياسة أردوغان في الفترة الأخيرة _ التي يمكن وصفها بسياسة ” اللعب على الحبلين ” ووفقا لها سيتجنب أردوغان خسارة أي طرف مهما وصلت درجة الخلاف بينهما. وبالتالي، فلا هو سيضحي بعلاقاته بالخليج التي استقرت مؤخرا، خاصة بعدما أدرك أردوغان التكلفة الكبيرة التي سيتكبدها اقتصاده نتيجة لسياساته المناهضة للدول الخليجية في السنوات الأخيرة، والعكس صحيح.ولا هو سيضحي بعلاقاته بإيران التي يشترك معها في عدة ملفات.

 

فواقعيا، أردوغان سيتعاون مع الخليج في مواجهة إيران لكن في إطار سياسة التنافس الإقليمي المعتاد لتعزيز نفوذه في المنطقة مقابل النفوذ الإيراني، ولكن بالدرجة التي لا تفسد التنسيق التركي الإيراني في سوريا وآسيا الوسطي، خاصة في ظل أزمة الطاقة الحالية، لأن تركيا تعتمد في جزء من احتياجاتها من الطاقة على النفط الإيراني. أضف إلى ذلك أن إيران تشارك تركيا رؤيتها الملحة تجاه الأكراد في سوريا والعراق، لأن البلدين يعارضان الطموحات الانفصالية الكردية التي تعتبرها كل من أنقرة وطهران تهديدا صريحا لأراضيها، ولهذا تعاونتا على المستوى السياسي والميداني لمنع انفصال إقليم كردستان العراق، بعدما أجرت حكومة الإقليم استفتاء يؤيد الانفصال.ولهذاجاءت الهجمات التركية على شمال سوريا والعراق خلال الأيام الماضية، ردا على التفجير الأخير الذي شهدته مدينة إسطنبول. وبالتزامن مع هجمات إيرانية على إقليم كردستان العراق

 

وجدير بالذكر، أن هناك قضايا إقليمية وجيوسياسية تجمع البلدين، كمعارضتهما للطموحات الانفصالية الكردية التي تعتبرها أنقرة وطهران تهديدا صريحا لأراضيها، ولهذا تعاونتا على المستوى السياسي والميداني لمنع انفصال إقليم كردستان العراق، بعدما أجرت حكومة الإقليم استفتاءً يؤيد الانفصال.

 

أما على الصعيد الاقتصادي، بلغ حجم التبادل التجاري مع تركيا ما يقارب ستة مليارات و ٨٥٦ مليون دولار، كما وقعتا في منتصف العام الجاري ستة مذكرات تفاهم بهدف زيادة حجم التجاري بينهما إلى ٣٠ مليار دولار، وفقا للمتحدث باسم الجمارك الإيرانية روح الله لطيفي. وعليه يصعب على أنقرة الابتعاد تماما طهران.  ناهيك عن أن السعودية قد لا تريد فك الارتباط بين تركيا وإيران، بل قد تسعي الرياض للاستفادة من تلك العلاقات من خلال قيام أنقرة بدور الوسيط بين الرياض وطهران، إلى جانب الوساطة العراقية، وذلك في إطار السياسة الخارجية المنفتحة لولي العهد السعودي.

 

وختاما، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط _ والخليج بالتحديد _مقبلة على فترة في منتهي الحساسية، ستحاول خلالها كل دولة لملمة أوراقها لحجز مقعدها في خريطة التوازنات الإقليمية الجديدة التي قد تتشكل كنتيجة طبيعية للحرب الأوكرانية التي أثرت تداعياتها على الجميع، فضلا عن التغير المحتمل في خريطة تحالفات المنطقة مع القوى الدولية بعد التخاذل الأمريكي، ودخول الصين وروسيا في المشهد بقوة. ولهذا سيحاول كل طرف إقليمي الاستفادة من الآخر بأقصى صورة ممكنة، وهو ما ينطبق على العلاقات التركية الخليجية أيضا.

‎2022-‎12-‎08