الحرب الفضائية…!
رنا علوان
منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، بدأ نجم التكنولوجيا يسطع ، وهناك من اعتبر الموضوع بمثابة (ثورة تكنولوجية اعلامية ومعلوماتية واتصالاتية ) وأهم ما ترتب على هذه الثورة في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال ، هو انتشار شبكة الإنترنت التي لم يقتصر مداها على الإفادة من تقنيات دمج الصوت والصورة والمعطى بحامل واحد ، بل أنّها دفعت باقتصادات ومجتمعات مرتكزة على المواد الأولية والطاقة ، إلى اقتصادات ومجتمعات مبنية على المعلومة والمعرفة والتنظيم الأفقي ، والموارد البشرية العالية الكفاءة

أما السايبر فهي كلمة يجري استخدامها لوصف (الفضاء الذي يضم الشبكات العنكبوتية المحوّسبة ، ومنظومات الاتصال والمعلومات وأنظمة التحكم عن بعد ) ، وتختلف استخدامات السايبر وأشكاله من دولة إلى أخرى تبعًا لأولويات هذه الدول ، فمنها الأمني والسياسي والاستخباراتي والمدني والمهني والمعلوماتي البحت

ونستطيع تقسيم العناصر السيبرانية في الدول كلّها بشكلٍ عام الى ثلاثة عناصر أساسية تضم الأجهزة الصلبة (Hardware)، والبرمجيات الرقمية الناعمة (Software ) ، والعامل البشري من مبرمجين ومستخدمين

وتندرج الحروب الإلكترونية ضمن قائمة الحرب الباردة ، لذلك أصبحنا اليوم أمام مصطلحات حربية تقليدية تضاف إليها الصفة الافتراضية التخيلية ، السيبرانية ، أو الرقمية أو الإلكترونية ، مثل: ، سباق التسلح الإلكتروني ، ساحات الحرب الإلكترونية ، الجيش الإلكتروني ، الهجوم السيبراني ، الجهاد الإلكتروني ، المحاربون أو المقاتلون الإلكترونيون ، المناورات الإلكترونية

وقد دفع هذا الوضع الجديد بمجموعة من الخبراء والدول المطالبة بعقد اتفاقية دولية للحد من التسلّح داخل الفضاء الإلكتروني ، كتلك التي تمّت في مجال الانتشار النووي والكيماوي ، بحيث يمكن لهذه الاتفاقيات أن تسهم في حال تطبيقها في وضع قيود على الحروب الإلكترونية ، واستخدامها وتوزيعها وانتشارها وتطويرها

الحرب السيبرانية Cyberwarfare

عرّف [ قاموس أوكسفورد الإنكليزي ] الحرب السيبرية بأنّها : «استخدام تقنيات الحاسوب لتخريب نشاطات دولة أو منظمة ، وبخاصة الهجومات المحضّرة على منظومات المعلومات الخاصة ، وذلك لغايات استراتيجية أو عسكرية»
أمّا موقع تكوبيديا Techopedia فقد عرّفها بأنّها : «كل هجوم افتراضي يجري بدوافع سياسية على أجهزة العدو الإلكترونية وشبكات الإنترنت وأنظمة المعلومات الخاصة به ، لتعطيل منظوماته المالية وأنظمته الإدارية ، وذلك من خلال سرقة قواعد معلوماته السرّية أو تعديلها لتقويض الشبكات العنكبوتية والمواقع ونظام الخدمات»

وتتضمن الحرب السيبرية عمليات التخريب والتجسس

التخريب Sabotage قد تتعرض حواسيب الأنظمة العسكرية والمالية لخطر التخريب بهدف تعطيل عملياتها الطبيعية وتجهيزاتها

التجسس Espionnage تستخدم طرق غير شرعية لتعطيل عمل الشبكات العنكبوتية وحواسيبها ، وأنظمتها بهدف سرقة معلومات سرّية من مؤسسات الخصم أو الأفراد ونقلها إلى الصديق السياسي ، أو العسكري أو المالي

يرى بعض المراقبين أنّ الحروب الإلكترونية أو الحرب السيبرانية ، هي حرب بكل ما للكلمة من معنى سوف تزداد ضراوة مع الوقت ، ويعرّفها الدكتور بول روزنفياغ ، أستاذ القانون في جامعة جورج واشنطن ، في بحث له عن قانونية هذه الحرب نُشر في العام 2012 بأنّها حربٌ ذكية أقوى من أي هجوم بري أو جوي ، وأكثر ذكاءً وأقل تكلفة ، فهي لا تحتاج إلى عتاد ولا جنود لكنّها تحتاج إلى قدرات علمية عالية وهو يعتبر أنّ «حرب السايبر هي تطوّر طبيعي في مفهوم الحروب ، نقلتها إلى جيل جديد يعتمد على التحكّم والسيطرة عن بعد»
وأشار روزنفياغ إلى «أنّ لحرب السايبر تأثيرًا عالميًا مدمرًا ، إذ قد تؤدي إلى تدمير بنية تحتية لدولة ما ، بما في ذلك سدودها المائية ومفاعلاتها النووية»
ويرى البعض الآخر أنّ مضمون الحرب الإلكترونية يتعلق بالتطبيقات العسكرية للفضاء السيبراني ، حيث تعني ( في أحد تعريفاتها ) قيام دولة أو فواعل من غير الدول بشنّ هجوم إلكتروني في إطار متبادل ، أو من قبل طرف واحد
وعلى الرغم من انتشار اسم «الحرب الإلكترونية» إعلاميًا ، فإنّه يُعتبر مصطلحًا قديمًا كان بالأساس مقتصرًا على رصد حالات التشويش على أنظمة الاتصال ، والرادار وأجهزة الإنذار ، بينما يكشف الواقع الراهن في الفضاء الإلكتروني عن دخول شبكات الاتصال والمعلومات إلى بنية الاستخدامات الحربية ومجالاتها

نماذج من هذه الحرب

أفاد تقرير لوكالة الاستخبارات الأميركية في كانون الثاني 2017 ، «أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمر بحملة تأييد لمصلحة الرئيس ترامب ، خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة» وأوضح «أن الروس حاولوا تقويض إيمان المواطنين بالعملية الديمقراطية الأميركية ، وتشويه سمعة الوزيرة هيلاري كلينتون ، والتأثير في حظوظها الانتخابية»
كما كشف التقرير «أنّ عملية القرصنة على الانتخابات الأميركية تمثّل أحدث تعبير لروسيا عن رغبتها القديمة في تقويض النظام الديمقراطي الحر الذي تقوده الولايات المتحدة ، وأنّ العمليات الروسية في هذا المجال باتت أكثر تصعيدًا في مباشرتها ومستوى نشاطها وسِعَة جهودها ، إذا ما قورنت بعملياتها السابقة»

برنامج pegasus

أثار هذا البرنامج ضجة كبيرة ، ويُعتبر دليل على تفوّق العدو في هذا المجال ، فبيغاسوس هو ( برمجية تجسسية تطورها وتبيعها شركة (NSO GROUP) ، ومقرها دولة العدو )

وترددت تقارير دولية عن استخدام هذا البرنامج في اختراق هواتف مسؤولين ونشطاء ومعارضين وصحفيين حول العالم
وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها مطلع العام الجاري ، إن البرمجية تُحمَّل خلسة على الهواتف المحمولة

ويضيف التقرير انه بمجرد تحميلها على الجهاز ، يصبح الزبون قادرا على تحويله إلى أداة مراقبة قوية من خلال الوصول الكامل إلى الكاميرا ، والمكالمات ، والصور ومقاطع الفيديو ، والميكروفون ، والبريد الإلكتروني ، والرسائل النصية ، وغيرها من الخاصيات ، مما يتيح مراقبة الشخص المستهدف وجهات الاتصال

كما يكفي أن يتلقى المُستَهدف اتصالاً ، دون ان يتم الرد عليه ، يصبح هذا البرنامج مُحمّلاً على هاتفه دون ان يشعر بذلك

وقالت “هآرتس” إنّ “برنامج التجسس الذي طوّرته شركة NSO أصبح رمزاً إشكالياً لصناعة السايبر الهجومي الإسرائيلي ، مشيرةً إلى أنّ “بيع بيغاسوس للمغرب أدّى إلى ورطة دبلوماسية مع فرنسا ، بعدما تبين أنّ من بين أهداف الهجوم كان هناك أيضاً وزراء في حكومة ماكرون”
وكذلك، كشفت تقارير سابقة أنّ “بيغاسوس” استُخدم ضد صحافيين ونشطاء حقوق إنسان في المغرب

وبينما يتغنى العدو بقدراته الهائلة في هذا المجال ،أفادت “Cybereason Labs” الإسرائيلية بأن مجموعة إيرانيّة تعرف باسم “MalKamak” نفّذت سلسلة من الهجمات المتطورة في محاولة للحصول على معلومات حساسة والتجسس على أهداف مختلفة في “إسرائيل” والشرق الأوسط والولايات المتحدة وأوروبا ، لافتةً إلى أنه خلال التحقيق تم العثور على روابط محتملة مع مجموعات إيرانية أخرى ، لكنَّ التحقيق أكّد أنّ طريقة عمل المجموعة الفريدة تميّزها عن المجموعات الأخرى

فالأحداث الأخيرة تشير إلى أنّ هناك تطوراً إيرانياً كبيراً في مجال حرب السايبر ، ما جعل العدو يتجرع من الكأس ذاته بيد إيرانية ، ويجد أنَّ قدراته الدفاعية في هذا الإطار ليست كما يجب ، وأن حجم الضرر الذي يتعرض له يزداد يوماً بعد يوم

ان هذه المخاوف دفعت للمُطالبة بإيجاد برامج ندية عكسية تعمل على الحماية منها وبنفس القوة ، كما طالبوا بتوقيع اتفاقيات ومعاهدات سلام تحمي من استخدام هكذا هجوم تحت طائلة المحاسبة
‎2022-‎11-‎29