إلى محمــد الماغوط..

 


صالح سلمان
1..

 

أيها الطاعنُ في الحزن إلى أقصى التمرّد

المتحفّزُ إلى درجة اشتعال الأعصاب

المُدَجَّجُ بالمرارة حتى غاية السخرية

هل لك أن تتمهلَ ولو قليلاً، كي أسكبَ هذه الكأسَ في إبريقك؟

هل لك أن تبسطَ (غربتك) في (ضيعة تشرين) وتقصَّ على (سيّاف الزهور

حكايا الليل)؟ علّه يطقُّ قبل أن يتربعَ (المهرّج) ملكًا على

(وادي المسك).

هل لك أن تتمهَّلَ ولو قليلًا، كي نُعِـدَّ الكرنفالَ اللائق (بشقائق النعمان) المنبثقة من أوردة الأرض، وأكفّ العاشقين وأشواقهم؟

هاهم الطلقاءُ مازالوا يقيمون الحدود

بين الروح والجسد

بين الشجر والنهر

بين القبَّرات والسهل

إنهم مازالوا يتجوَّلون على (جدران غرفتك)، وكلما فرغوا من جدار، أقاموا أمامه جدارًا من ذواتهم..

ولأنّ (الفرح ليس مهنتك)، أعلنتَ (طيرانك خارج السرب). وكلما رفعتَ الكأس إلى فمك قالت القصيدة: (كاسك يــا وطن).

هل لك أن تتمهل قليلًا كي يكمل السيّابُ قصيدته؟ أو لكي يناجي ابنةَ الجلبيّ بعد أن مزّق المغولُ شناشيلها؟

كلاكما رضع التشرّدَ من ثدي الغربة

كلاكما حَبـا على حصير الفقر واكتوى بنار الفجيعة.

كلاكما شبّ على سياط الحرمان، ومات وهو يغنّـي للـوطن..

قُـلْ كيف يمكنُ أن يخون الخائنون؟

أيخونُ إنسانٌ بـلادَه؟؟!!

إن خان معنى أن يكونَ

فكيف يمكنُ أن يكــون؟؟!!.. *

أيُّ وطن هذا الذي تغنّيه الجراحُ وتخونُه النياشين؟!

أيُّ وطن هذا الذي تشويه الأنابيبُ في صحارى القحط؟!

كلّ الطرق التي حفرَتها القصائد بأسنانها على جذوع الأيام..

كلّ القصائد التي نثرَتها الأيام على حجارة الطرقات..

كلّ الأيام التي أخذ بعضُها برقاب بعض في شوارع التسكّع والتشرّد والوجع..

تتآلـفُ لتشكل نعشًا آخـر

للجسد الذي أنهكه الترحال وذوّبه الحنين..

أيها الطاعن في الرحيل إلى الوطن

منذ أول قذيفة أطلقها ثائر في وجه القهر

منذ أول غرسة زرعها معذَّب في بادية الروح

منذ أول قصيدة نزفَتها شفةٌ على صفحات الـوجـد..

هل لك أن تتمهل كي يودّعك الياسمين بما يليق بعاشق قتيل؟

هل لك أن تتمهل كي تُكمِل ” سلَمْيَـة” فتحَ ذراعيها لاستقبالك؟

فالشوقُ قتّــالٌ

والمسافاتُ مسكونةٌ بالملــح…

2

حينما أبـدأُ البحثَ عن وجهكَ في كتبي، أعثر على الكثير من الأشباه.. ولكنَّ وجهكَ يظلُّ بعيدًا عن الإحاطة..

قلتُ أدخلُ إليه من بوّابة الشعرِ، فيسبقني إلى النافذة..

قلتُ أدخلُ إليه من دائرة السّخرية، فأجده (حارسًا على بوّابات الحُزن)..

قلتُ أدخلُ من خشبة المسرح، فإذا به يمتطي صهوةَ الحوار، ويحلّقُ في الأصوات…

ها أنت ذا تتعكّزُ على قلمك، محاولًا عبورَ مستنقعات الوحل، إلى حقول الحنطة..

ها أنتَ ذا تشربُ كأسكَ على شفا المستحيل مُلَوِّحًا بها لذلك الذي يُنادمُهُ في تلكَ الليلة على طاولة المجهول..

ها أنتَ ذا تضحكُ بملء خيباتكَ، وأنتَ تنظرُ إلى نفسكَ في المرآة خلف أسوار شبه قاتمة..

ما الذي كنتَ ستفعلُهُ وأنت تُخوّضُ في نهر الحياة، غير أن تستعذبَ السيرَ، وتقرف التأسُّن.

ربما هكذا تكون الروحُ في تشظّيها تارةً، وفي تكوُّرِها تارةً كي تتشظّى من جديـد..

وربما هكذا يكون الشعرُ، وهو يخرجُ من خاصرة الروحِ شاهرًا كلماته في وجوه المارقين واللصوص.

حين يسكنه التراب.. حين تظهر على جلده بثور الاغتراب.. حين يُشوى وهو ينظرُ على مناقل الكذب والجحود ؛ يكون قد بلغ ذروة الفجيعة، فيستلّ قلمه ويرشق بحبره وجه العالم، لا يلوي على جدران أو حدود أو سقوفٍ أو شبابيك مُقفلة..

يخرج إلى الضوء من أيّة فتحة مهما صَغُرَت، ويصرخُ: أيها العالمُ الأحمقُ، كيف لك أن تسيرَ وأنت تتعثَّـرُ بالجُثَـــث؟؟!!..

* للشاعر السياب، من قصيدة ” غريب على الخليج “

الوحدة الاخبارية…

‏27‏/12‏/2014