ماذا يعني أن أكون شيوعياً؟
بقلم أندريه فلتشيك

(أندريه فلتشيك (بالإنجليزية: Andre Vltchek)‏ (يُنطق بـ “فولتشيك”) (1962 – 22 سبتمبر 2020)، هو محلل سياسي وصحفي وصانع أفلام أمريكي مولود في الاتحاد السوفياتي في مدينة لينينغراد (سانت بطرسبورغ حالياً) ولكنه أصبح لاحقاً مواطناً أمريكياً متجنساً. كان والده فيزيائياً نووياً تشيكياً وكانت والدته رسامة روسية صينية. عاش في الولايات المتحدة وتشيلي وبيرو والمكسيك وفيتنام وساموا وإندونيسيا. توفي في تركيا في حادث سير يُعتقد انه كان مدبراً لتصفيته. قام بتغطية النزاعات المسلحة في البيرو وكشمير والمكسيك والبوسنة وسريلانكا والكونغو والهند وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وتيمور الشرقية وتركيا والشرق الاوسط، وسافر الى اكثر من مئة وأربعين بلداً وكتب لدير شبيغل الالمانية، وأساهي شيمبون اليابانية والغارديان الانكليزية ووسائل اعلامية متعددة. ولقد علّق نعوم تشومسكي على كتاب فولتشيك أوقيانوسيا Oceania الصادر في العام 2010 واصفاً إياه بأنه يكشف “حقيقة العالم المعاصر”، وأنه نجح في تتبع الحقائق الموجعة والمخجلة لجذور الغرب التاريخية “He has also not failed to trace the painful — and particularly for the West, shameful realities to their historical roots”.)

( نص المقال) :

هل أنا لينينيٌ أم ماويٌ أم تروتسكي؟
هل أعتمد النّموذج السّوفياتي أم النّموذج الصّيني؟
بصراحة، لا أهتم كثيراً بتلك الفروق الدقيقة. بالنّسبة لي، الشيوعي الحقيقي هو مناضل ضد الإمبريالية والعنصرية والاستعمار الجديد. إنّه شخصٌ يؤمن بالمساواة والعدالة الاجتماعية لجميع الناس على هذه الأرض.
لقد زرتُ حوالي مئة وستين دولة، وعشتُ في جميع القارات، وأينما ذهبتُ شاهدتُ فظائع النّهب الغربي المستمر لهذا الكوكب. الإمبريالية تجبر البلدان على خوض حروب أهلية وحشية حتى تتمكن الشركات متعددة الجنسيات من النّهب بسهولة. شاهدتُ الملايين من اللاجئين من دول دمّرها الغرب وعاينتُ ظروفاً غير إنسانية، شاهدتُ المصانع المستغِلّة للعمال، والمناجم، والحقول بالقرب من القرى التي يديرها النّظام الإقطاعي. وشاهدتُ القرى الصغيرة والبلدات وقد مات سكانُها من الجوع أو الأمراض أو كليهما.
وكلّما عاينتُ الظّلم، كلّما شعرتُ بأنّني مضطرٌ للانحياز، للقتال من أجل ما أعتقد أنه يمكن أن يكون عالماً أفضل.

أخافُ إهدار حياتي بالأنانية، وإهمال القيم الانسانية. الكاتب لا يمكن أن يكون “محايداً” أو غير سياسيٍ، إذا كان كذلك فهو جبان، أو كاذب. إن العيش والنّضال من أجل الآخرين هو أكثر إسعاداً بكثير من العيش فقط من أجل المصالح والملذات الأنانية. أنا معجبٌ بما قدّمته كوبا للبشرية، خلال ما يقرب من ستّة عقود من انتصارها الثوري. كوبا تمثّل “شيوعيتي”.
كوبا تعرف كيف تقاتل، وكيف تحتضن، وكيف تغني وترقص، وكيف لا تخون مُثُلها العليا. هل كوبا مثاليّة؟ بالطبع لا، كوبا ليست كذلك. لكنّي لا أنشدُ الكمال في البلدان أو في الناس، أو في الثّورات. حياتي الخاصة بعيدة كل البعد عن “الكمال”؛ كلّنا نرتكب أخطاء ونتخذ قرارات خاطئة: دول وشعوب وكذلك ثورات. الكمال يرعبني في الواقع، إنّه بارد وعقيم ومتزمّت، وبالتالي غير إنساني، بل ومنحرف. أنا لا أؤمن بالقديسين. الأخطاء الصغيرة و”العيوب” تجعل الناس والبلدان أكثر دفئًا وحبًا وإنسانية. لم يكن المسار العام للثورة الكوبية “مثالياً” أبدًا، لكنه كان دائماً قائماً على أعمق وأعمق جذور الإنسانية.
حتى عندما وقفت كوبا لفترة قصيرة بمفردها، أو تقريباً بمفردها، فقد نزفت، وعانت، وارتجفت من آلام ناتجة عن خيانات لا حصر لها، لكنها لم تبتعد عن طريقها، ولم تركع، ولم تتوسل ولم تستسلم أبدًا!
يقولون في كوبا: “Patria no se vende”. الوطن ليس للبيع، وأعتقد أيضًا أنه لا ينبغي بيع الإنسانية أبدًا، وكذلك الحب.
لذلك أنا شيوعي!

إنّ الخيانة الحقيقية هي خيانة أفقر الفقراء والأكثر ضعفاً بيننا. في اعتقادي إنّه أمر ٌمخيف أكثر من الانتحار، والموت.
الغرب الامبريالي فعل ذلك لعقودٍ وقرون. كان يعيش ويزدهر من استعباد الآخرين واغتصاب كل شيء على سطح الأرض وتحته. لقد أفسد هذا الغرب، معنوياً ومالياً الملايين من الناس في مستعمراته والدول العميلة، وحوّلهم إلى متعاونين وقحين وبلا شفقة. لقد قام “بتعليم” وتلقين وتنظيم جيوش ضخمة من الخونة، في جميع القارات، في جميع أنحاء العالم تقريباً.
الخيانة والنسيان هما أقوى أسلحة الامبريالية.
الغرب يحول البشر إلى قوادين وخدم وخادمات، ومن يرفض منهم، إلى سجناء وعبيد وشهداء. يتمّ استبدال الجمال بصور مليئة بالدماء.

الشيوعية فقط هي التي كانت حتى الآن قوية بما يكفي لمواجهة جوهر أقوى القوى وأكثرها تدميرًا على كوكبنا: الاستعمار، الإمبريالية الغربية، الإقطاعيون القُساة، العصابات الرأسمالية والدينية من “النخب المحلية” في البلدان المحتلّة والمدمّرة في جميع أنحاء العالم.
بالنسبة لي، أن أكون شيوعيًا حقيقيًا يعني الانخراط في الكفاح المستمر ضد الاغتصاب المستمر للعقول البشرية والأجساد والكرامة، وضدّ نهب الموارد والطبيعة، وضد الأنانية وما يترتّب على ذلك من فراغ فكري وعاطفي.
يقول لك المروّجون للرأسمالية الغربية: “أرنا مجتمعاً شيوعياً مثالياً”! أجيب: “لا يوجد مثل هذا المجتمع فالبشرُ غير قادرين على خلق أي شيء كامل، لحسن الحظ”! المتعصبون الدينيون فقط هم من يهدفون إلى”الكمال”. سيموت البشر من الملل في عالم مثالي.لقد قال تشي غيفارا ذات مرةٍ: “التضحيات التي تم تقديمها لا ينبغي أن تظهر كبطاقة هوية. إنها ليست إلا تعبيراً عن الوفاء بالالتزامات”.ربما، فات الأوان لتزدهر مثل هذه المفاهيم في الغرب. لقد تم حقن الأنانية والسّخرية والجشع واللامبالاة بنجاح في الوعي الباطن لغالبية الناس.
لهذا السبب، على الرغم من كل تلك الامتيازات المادية والاجتماعية، يبدو أنّ سكان أوروبا وأمريكا الشمالية (وكذلك اليابان) يعانون من الاكتئاب والتشاؤم. إنّهم يعيشون لأنفسهم فقط على حساب الآخرين. إنهم يريدون المزيد والمزيد من السّلع المادية والمزيد والمزيد من الامتيازات. لهذا السبب يكرهون الشيوعية. لهذا السبب يتمسكون بالأكاذيب والخداع والمعتقدات التي تصلهم من دعاية النظام الرأسمالي.إن الشيوعية هي ضميرهم السّيئ، وهي تثير الخوف من أن تنكشف فقاعة الأكاذيب في يوم من الأيام. ومعظم الناس في الغرب، حتى أولئك الذين يزعمون أنهم ينتمون إلى اليسار، يريدون الشيوعية أن تزول. يريدون تشويهها وتغطيتها بالقذارة، وإنزالها ” إلى مستواهم” وخنقها. إنهم يحاولون بشدة إقناع أنفسهم بأن الشيوعية خاطئة. خلاف ذلك، فإن المسؤولية عن مئات الملايين من الأرواح المفقودة ستطاردهم باستمرار. إن الإمبريالية تضرب بقوة أولئك الذين يجرؤون على الحلم بالحرية وترتّب الانقلابات ضد الحكومات المتمردة، وتزعزع استقرار الاقتصادات، وتدعم “المعارضة”، أو تغزو بشكل مباشر.
قبل رحيله، قال لي الكاتب والثوري الأوروغواياني العظيم إدواردو غاليانو: “قريباً سيأتي وقتٌ، وسيُعيد العالم رفع لافتات قديمة مرّة أخرى!”
يحدث ذلك الآن!
في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا، وفي جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي السابق والصين تقريباً، يطالب النّاس بالمزيد من الشيوعية، وليس تقليلها. إنّهم لا يسمون الشيوعية دائمًا باسمها، لكنهم يطالبون بجوهرها: الحرية والتّضامن، والعاطفة، والحماسة ، والشجاعة لتغيير العالم، والمساواة، والعدالة، والتضامن الأممي.
ليس لدي شكٌ في أنّنا سننتصر، لكنّني أظنّ أيضًا أنّه قبل أن يحدث ذلك، ستغمر الإمبراطورية قارات بأكملها بالدّماء.
رغبة الغربيين في الحكم والسّيطرة مرضيّة. إنّهم مستعدون لقتل ملايين الذين لا يستسلمون. لقد قتلوا بالفعل مئات الملايين على مرّ القرون، وسوف يضحّون بملايين آخرين.
لكن هذه المرّة، سيتمّ صدُّهم. اؤمن بذلك وكتفاً بكتف مع الآخرين، أعمل ليلاً ونهاراً لتحقيقه. لأنّ ذلك واجبي… لأنّني شيوعي!
١١ كانون الثاني/ يناير ٢٠٢١