هل يطيح النفط الابيض بنظيره الاسود!
رنا علوان
الليثيوم يُطلق على هذا المعدن اسم (نفط القرن الحادي والعشرين) ، هو عنصر كيميائي رمزه Li ، وعدده الذري ٣ ، ويندرج في المجموعة الاولى ، كأحد أول الفلزات قلوية ، أما الدول الغنية به ، فهي في الطليعة ، بوليفيا الأرجنتين وتشيلي ، ويُطلق عليهم اسم ( مثلث الليثيوم ) LTCS

يتصارع على شراء هذا المعدن كل من اميركا وأوروبا واليابان ، الى جانب الدول النامية ، ذات القوى الفاعلة والهائلة مثل الصين والهند ايضاً

ولكن مؤخرا ، قد لمع اسم افغانستان ، كصاحبة احتياطي هائل من هذا المعدن ، وقد عُلقت عليها الآمال ، نظراَ لأن تكلفة النقل من اميركا الجنوبية الى البلدان الآسيوية المُتعطشة للطاقة ، تُعد غير مُجدّية اقتصادياً ، فنجدهم بانتظار عودة النظام والهدوء اليها ، ليتمكنوا من الاستفادة المُنتظرة والعائدة من استخراج هذا المعدن ، ولنا ان نفهم سبب تواجد الاخطبوط الاميركي في افغانستان ، ناهيك عن ما حدث في بوليفيا فكما ذكرنا انفاً ، ان بوليفيا المُتصدرة على استحواذه وتواجده فيها ، حيث تُقدر الكمية ب ٢١ طن ، تليها الارجنتين وتشيلي وايضاً استراليا ، هم من اكبر الدول التي تحوي على هذا النفط الابيض ، لذلك اعتبر البعض ان ما حدث في بوليفيا كان سببه المُباشر الصراع على المناجم فيها ، فالصين واميركا تتسابقان للحصول عليه
وبما ان الملياردير (ايلون ماسك ) صاحب شركات تيسلا ، له مصلحة كبيرة في الحصول على هذا المعدن ، الذي تُصنع منه البطاريات الطويلة الامد وايضا الصديقة للبيئة ، فقد ابدى اهتماماً بالغاً في موضوع ( الإنقلاب الذي جرى في بوليفيا ) مُغرداً على توتير قائلا [ تستطيع اميركا ان تُحدث انقلاباً اينما ارادت ، وعليكم ان تتقبلوا الموضوع جميعاً ]

في القرن التاسع عشر، لم تكن الدول بحاجة إلى هذا المعدن، وظلت المياه الغنية بالليثيوم التي تبلغ درجة حرارتها 122 درجة مئوية غير مستغلة لأكثر من 150 عاما.

ثم في عام 2020، اكتشفت في موقع بالقرب من منجم “ويل كليفورد” في كورنويل ، بعض أعلى نسب الليثيوم في الينابيع الحارة في العالم
وقد أصبحت الاستخدامات التجارية لليثيوم في القرن الحادي والعشرين أوضح من أي وقت مضى، فلا يستخدم الليثيوم في تصنيع بطاريات الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة فحسب ، بل إن عملية التحول إلى الطاقة النظيفة قد تصبح مستحيلة من دون الليثيوم ، الذي يستخدم في تصنيع البطاريات التي تشغل السيارات الكهربائية وتختزن الطاقة الكهربائية المتولدة من مصادر متجددة.

وارتفع الطلب على الليثيوم في السنوات الأخيرة بالتوازي مع اتجاه مصانع السيارات لتصنيع المركبات الكهربائية ، بعد أن أعلنت دول عديدة، مثل المملكة المتحدة والسويد وهولندا وفرنسا والنرويج وكندا، اعتزامها منع بيع السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي ، وأشار تقرير للبنك الدولي إلى ضرورة مضاعفة إنتاج الليثيوم بنحو خمس مرات لتحقيق أهداف القضاء على الانبعاثات العالمية بحلول 2050

واليوم قد يحل هذا النفط الابيض مُشكلة نقص الطاقة ايضاً ، فهو قد يكون بديلاً ممتازاً ، والصراع عليه اصبح مفتوحاً على مصرعيه ، حيث تختزن بعض البلدان على ما لا يقل عن 75 مليون طن ، من هذا النفط الابيض ، وتُقدر مبيعاته بما دون ,5000 ترليون دولار ، علما ان حجم المبيعات السوقية ستتعدى 80 الف طن بقيمة تزيد عن 70000 دولار للطن المتري الواحد ، لكن اهميته ليست بكلفة بيعه بل باستحواذه

وهناك طرق عدة لاستخراجه ، وجميعها تعتبر مُعقدة نوعا ما ، حيث يتم سحب الماء الملحي الموجود تحت قشرة ملحية ، تتشكل نتيجة عوامل طبيعية ، وتوضع في برك مكشوفة تحت اشعة الشمس والهواء ، من اجل عملية التبخُر ، فينتج عن هذه العملية ( بلورات crystalizing) ، وبعد ذلك يتم استخراج الاملاح الاخرى من المحلول المُتبقي ، بهدف تنقيتها للحصول على هذا المعدن

إن التهافت العالمي على الليثيوم او النفط الابيض ، دفع بمستهلكو الطاقة الرئيسيون مثل الولايات المُتحدة واوروبا والصين وكوريا الجنوبية ، لتنفيذ تعهدات عامة وخاصة ، وتعتبر التغيرات في سلاسل التوريد ، ستحوّل عالمياً (الوزن الجيوسياسي) من الدول البترولية الى دول ذات موارد يمكن لها ان تلبي احتياجات حيتان الصناعة وخاصة السيارات منها مثل Ev و PHEV ومكوناتها الرئيسية

وبما ان الحروب عادةً ما تنشأ لأسباب اقتصادية اكثر منها سياسية ، اشار مسؤولون اميركيون ، الى ان اميركا قد خسرت حربها امام روسيا والصين في هذا المجال ، وبحسب اوتو رايش ، المساعد السابق لوزير الخارجية الاميركية في عهد جورج بوش ، ان اميركا لا يمكن لها ان تربح سباق الاستثمار في اميركا اللاتينية ، بينما الصين وكوريا وروسيا يستثمرون المليارات هناك

ومن ناحية اخرى ، فإن معدن الليثيوم ، موجود داخل جسم الانسان ايضاً ، ما دفع ببعض العلماء لاعتباره (اكسير الحياة)وان جلجامش الاسطوري الذي كان دائم البحث عن عشبة الخلود ، قد أخطأ في تقديره ، لأن الاكسير ليس عشبة بل معدن ، ونقصه قد يسبب امراض خطيرة في الدماغ والقلب
وتقول الموسوعات الطبية والعلمية ، ان قصة هذا المعدن تعود الى عام ١٨٠٠، حيث اكتشفه العالم البرازيلي جوزية بونيفاسيو دي اندرادا ، في منجم داخل جزيرة أوتو السويدية ، وقد ظلت تركيبته مجهولة الى ان قام الكيميائي يوهان ارفيدسون باجراء تجارب عليه ، مُسمياً المادة القلوية (ليثيون ) المُشتقة من الكلمة الإغريقية (ليثوس) والتي تعني المعدن الصلب
ويتركز الاستخدام الطبي لليثيوم في انتاج الادوية الخاصة بالطب النفسي والتي تعالج الاضطراب ثنائي القطب ، والاكتئاب والفصام ، كما وتم الاثبات علمياً بان لمركبّات الليثيوم تاثيرا بالغ الاهمية في التخفيف من حالات الانتحار ، كما يبطىء من انتشار مرض الزهايمر

ختاماً ، هل سنشهد حرب سببها الصراع حول النفط الابيض واعتباره مُنقذاً ، في ظل كل هذه الازمات التي يعيشها العالم ، وخصوصاً ان الخبراء قد جعلوا تقديرا نفاذ النفط الاسود خلال سنوات ليست ببعيدة
‎2022-‎10-‎04