الديغونية واحتلال أوكراني لمدينة ليمان الروسية بعد خطاب بوتين..!

بقلم بكر السباتين..

ماذا يدور في خلد الرئيس بوتين إزاء تداعيات الحرب في أوكرانيا التي يدعي كل طرف فيها بأنه انتصر ولو مرحلياً!، هل تتصاعد جذوتها باتجاه الحرب النووية حتى تحقق أهدافها أم ستنتهي إلى مفاوضات بات يرفضها زيلينسكي نفسه ما دام بوتين موجوداً ويتحكم بالقرار، لاعتبارات تتعلق بتقدم الجيش الأوكراني على الأرض! وكان آخرها الإعلان يوم أمس عن احتلال مدينة ليمان التي تعتبر بعد خطاب الضم ضمن العمق الروسي!

لماذا تجاهل كثيرون البعد الفكري لقرارات بوتين الاستراتيجية ذات العلاقة بما بات يعرف ب”الديغونية”! التي يسترشد بها بوتين على اعتبار أنها المصدر التنظيري للسياسة الروسية برمتها!

إذْ يصعب الفصل بين الحرب الروسية ومخرجاتها عن سياقها الفكري التنظيري لو تتبعناها منذ نشأتها في رأس بوتين وصولاً إلى وقائعها على الأرض.. وتأثرها بالفكر القومي الديغوني المتطرف للأب الروحي ألكسندر دوغين والتي كان لها الدور الأهم في تشكيل رؤية رجل الكي جي بي العميق، بوتين، لمستقبل روسيا الاتحادية في عالم احاديّ القطب، وتتحكم به الليبرالية الأمريكية وفق ما تصطلح عليه الديغونية، التي تؤمن بأن هذا العالم الذي يجب أن يتغير، محكوم إلى ثلاث نظريات سياسية وهي الليبرالية التي تعتبر أداة أمريكا في التحكم بمصير العالم، والشيوعية التي يتبناها الصينيون بعد أن انطوت في روسيا، والفاشية التي تتحكم بالأنظمة الدكتاتورية.. وهي أنظمة أسقطتها التجارب الإنسانية وباتت هامشية أمام سطوة الرأسمالية المتوحشة في ثوبها الليبرالي والقائمة على حماية مصالح الأغنياء.. حيث أثبتت التجارب بأن هذه الأنظمة الثلاثة قد فشلت أمام متطلبات الحداثة في عالم يتقدم دون أن ينتظر الضعفاء أي أنها باتت مجرد شكل باهت بدون تأثير؛ مما يستوجب -وفق بوتين- الذهاب إلى الخيار الروسي الذي يتبنى “النظرية السياسية الرابعة” التي تخضع للاختبار ميدانياً على الأرض في سياق الحرب الأوكرانية، بواسطة الرئيس الروسي بوتين الذي تبناها وصارت بالنسبة له قاعدة مرجعية سياسية ملهمة، فيما ظل صاحب النظرية، الفيلسوف ألكسندر دوغين الذي يصفه خصومه الغربيون ب “راسبوتين بوتين” مشرفاً عليها، حتى لا يؤولها الخصوم لصالح وأدها، وتدعو هذه النظرية الروس إلى عدم التركيز على الفرد أو العرق أو القومية دون الوعي الذاتي الإنساني الذي همشته التكنولوجيا.

ونظرا لأن الوعي الذاتي يختلف من فرد إلى آخر، ومن ثقافة لثقافة؛ فإن العالم لابد وأن يكون متعدد الأقطاب، بدلاً من قوة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة. التي تناصبها الديغونية العداء من منطلق كونها نموذجاً سيئاً للرأسمالية المتوحشة والليبرالية المنقلبة على الثوابت والقيم؛ لذلك يسعى بوتين لتقويض سلطتها على الأرض، من خلال ضرب الدولار وتهميشه في التعاملات التجارية ذات العلاقة بعقود الطاقة.

كما أن النظرية الديغونية التي يحاول بوتين إسقاطها على العقل الروسي حتى يتبرمج على مبادئها، تتعارض مع التوجه الغربي نحو إقامة “حكومة عالمية” تقودها النخبة العالمية، التي تضم مدراء الشركات العالمية الكبرى (العولمة)، “الذين يسعون لحرمان الناس من الشعور بالكبرياء وقهرهم أمام متطلبات شركاتهم”، لذلك فبوتين يُذَكِّرُ في كل مناسبة بقلة احترام الغرب للعرق السلافي من منطلق فوقي يقوم على رميِ كلِّ ما هو شرقيّ بصفة التخلف،

وكان الفيلسوف دوغين صاحب النظرية قد تنبأ بأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا “حتمية” ودعا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى التدخل العسكري في شرق أوكرانيا “لإنقاذ السلطة الأخلاقية لروسيا”.

كما أنه يرى بأن روسيا يجب أن تقود الاتحاد الأوروآسيوية، وعليه فقد أسس الحركة الأوروآسيوية الدولية لتحقيق هذا الهدف.. ولكن الحرب الأوكرانية وضعت أسفين بين روسيا وأوروبا مما سيحول دون التحالف الأوروبي الآسيوي تحت مظلة روسية وبالتالي سقوط هذا الهدف -اكتفت روسيا بانضمامها إلى مجموعة بريكس التي أنشئت عام 2011 وتضم بعضويتها خمس دول قوية اقتصادياً هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا-.

لذلك حاول الغرب اغتيال دوغين لاجتثاث فكره من راس بوتين؛ إلاّ أنه نجا بعد أن قتلت ابنته داريا عوضاً عنه، في حادث انفجار سيارة في الثلث الأخير من أوغسطس الماضي. وظلت أفكاره تشكل المنطلق الفكري لسياسة الكرملين الاستراتيجية، والنهج الذي سيوفر للشعب الروسي معطيات الكرامة والأمان، حتى يتبرمج العقل الروسي على مبادئها في سياق روسي شديد الخصوصية، ووضعت على أساس الديغونية العقيدة العسكرية الروسية وبخاصة النووية، لأن الحرب الأوكرانية وضعت التجربة الروسية على المحك.. في سياق حرب ضروس شاملة مع الليبرالية التي يقودها العم سام المتغطرس، والذي يمثل الرأسمالية المتوحشة،.. وتتيح العقيدة النووية الروسية اللجوء إلى الخيار النووي إذا تعرض الوجود الروسي للخطر.

لقد تحولت الديغونية إلى رسائل أخلاقية وسياسية في خطابات بوتين، وخاصة الخطاب الذي القاه قبل أيام بمناسبة ضم الأقاليم الأوكرانية الأربعة إلى الاتحاد الروسي.. والذي لخص فيه بوتين فحوى الرسالة الديغونية دون الإشارة إليها من خلال محاورها، كما سيتبين للقارئ الحصيف من خلال هذا الاستعراض المختصر لنص الخطاب.

تحدث بوتين بإسهاب عن ضم المناطق الأربع الجديدة للاتحاد الروسي في أن قرار الضم إنما يعبّر عن الإرادة الشعبية للملايين، وأنّ سكان تلك المناطق باتوا مواطنين روسيين إلى الأبد، داعياً نظام كييف إلى التوقف فوراً عن القتال، ووقف جميع الأعمال العدائية، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وأضاف بوتين أن روسيا ستقوم بكل شيء للدفاع عن أراضيها، أي أن الأقاليم الأربع باتت جزءاً من العمق الروسي داعياً نظام كييف، إلى احترام ما وصفه بالإرادة الشعبية، مشددا على أن “القوة هي التي ستحدد المستقبل السياسي في العالم” وهو تهديد مبطن.. فهل سينفذ بوتين وعوده إزاء الإعلان الأوكراني الذي اعقب خطاب الضم باحتلال مدينة ليمان الروسية! الرهانات لا شك مفتوحة على كل الاحتمالات، وخاصة بأن الحرب هي مع الناتو وتحديداً الليبرالية الغربية .

وكان بوتين قد أشار في خطابه إلى أن الغرب يحاول تغيير أسس النمو في العالم، ويمنع المجتمعات من التطور بوسائلها ومن الدفاع عن سيادتها. وكأنه بذلك يتحدث عن منظمات المجتمع المدني التي يدعمها الغرب في إطار المشروع الليبرالي الحداثي الذي يحاول الغرب من خلاله ضرب القيم كقاعدة للتغيير نحو الحرية المطلقة والانقلاب على الثوابت الدينية والأخلاقية؛ لذلك قال بوتين في خطابه بأن الغرب “تخلى عن قيم الأسرة”، وأوضح أن “المجتمع الروسي لن يتقبل التوجهات الغربية والأنماط السلوكية الشاذة” وهي إشارة غير مباشرة إلى زواج المثليين حينما تساءل كيف يكون للأسرة الواحدة رأسين “ذكرين”.

وانطلاقاً من محاولة الدوغينية تهميش الدولار، اتهم بوتين في خطابه الولايات المتحدة بفرض سلطة الدولار على العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ورأى أن “الغرب يريد تصنيفنا عدواً -يستوجب قتاله وتفكيكه- وأوروبا لا تريد حلاً عملياً لأزمة الطاقة، الغرب لا يتراجع عن نشر الدعاية الكاذبة ضدنا، لكن هذه الأكاذيب لن تدفئ الأوروبيين في الشتاء”.

وكأنه يذكر المجتمعات الغربية بالشتاء القادم وأزمة الطاقة التي تسبب بها الغرب بسبب فرض عقوبات “جائرة” على روسيا ، وفي ذلك أيضاً رسالة ضمنية إلى الشعوب الأوروبية لتتولى زمام الموقف بتغيير سياسات الزعماء الأوروبيين الرعناء التي تتجاهل مصالح شعوبهم المغبونة.

كما هاجم بوتين السياسات الأوروبية قائلاً: إن أوروبا “تقبل بالخطط الاستعمارية الأميركية الجديدة، والغرب يستهدف شركاءنا والدول المجاورة لنا”، وأكمل قائلاً بأن “القيام بعمليات تخريبية وتفجيرات في خطوط الغاز في البلطيق هو ضمن وسائل مواجهة روسيا، والغرب هو المستفيد” وهذا اتهام ضمني لأمريكا في إشارة منه إلى تفجير خطي نورد ستريم 1،2حيث تحوم الشبهات حول أمريكا توافقاً مع ما ذكره المقدم في في قناة فوكس نيوز، تاكر كارلسون، بأنّ “بايدن قال قبل ثلاثة أسابيع من بدء العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا، إنه لن يكون هناك نورد ستريم 2″، مؤكداً “سنضع حداً له، أعدكم بأننا نستطيع القيام بذلك” وهل يعني ذلك غير تفجيره كأحد الخيارات!.

وإمعاناُ منه في اتهام الغرب، أخذ بوتين متابعي خطابه ضمنياً إلى موضوع أشد سخونة، يتعلق بدور أمريكا في حروب الإبادة التي ساهم في إشعالها، ودور الغرب (من خلال الرأسمالية المتوحشة) في الحروب البيولوجية ونشر الأوبئة ربما في إشارة ضمنية إلى تفشي وباء كورون.

حيث اتهم الرئيس الروسي الغرب بإنتاج أسلحة بيولوجية، واستخدام البشر في أوكرانيا حقول تجارب، كما أكد على أن الولايات المتحدة وبريطانيا “حوّلتا دولاً ومدناً بكاملها إلى ركام، وواشنطن خلّفت وراءها جثثاً في بلدان عديدة” دون حسيب او رقيب.. وكأنه يشير إلى هيروشيما وناكزاكي والعراق وأفغانستان وفلسطين.

ومن منطلق الرؤية الديغونية نحو الغرب، شدد بوتين في خطابه على أن روسيا بلد عظيم ولن يقبل أن يعيش على أساس “قواعد دولية مزورة”، وأنه ليس لدى الغرب أي حق أخلاقي في إملاء إرادته على الآخرين في حين يقسم العالم إلى دول متحضرة وأخرى متوحشة،

هذا اتهام ضمني للغرب وكيف أنه يمارس التمييز العنصري والكيل بمكيالين، وكان على بوتين أن يربط بين موقف الغرب إزاء أوكرانيا والقضية الفلسطينية، حيث تدان روسيا عندما يسكت الغرب عن الاحتلال الإسرائيلي، ويدان الشعب الفلسطيني المظلوم حينما يدافع الغرب عن الشعب الأوكراني..وهذا تمييز عنصري بامتياز، وهي العقدة التي ما فتئت تشكل أهم دوافع بوتين نحو تحدي الغرب، ليس شعوراً بالنقص بالنسبة لبوتين الذي يرأس دولة عظمى بحجم روسيا، بل من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب، يقوم على العدالة.

مقابل كل ذلك، الغرب يرد اتهامات بوتين إليه ويرجمه بنفس التهم،. في إطار حرب إعلامية تضليلية يسعى كل طرف فيها إلى حرق أوراق الآخر.

ويتهم بوتين باحتلال أوكرانيا وضم أراضيه بالقوة،

فهل يظل التصعيد المتبادل قائما بن روسيا وأوكرانيا التي تخوض حرباً بالوكالة عن الناتو، باتجاه حرب نووية يشتد احتمال نشوبها، ولو في نطاق الأسلحة النووية التكتيكية كما يطالب القوميون الروس، وهو الخيار الذي طالب به حليف بوتين الأشد إخلاصاً، الرئيس الشيشاني رمضان قديروف رداً على احتلال مدينة ليمان الروسية، التي تعد وصمة عار في جبين روسيا ما لم يأت الرد بالمستوى المطلوب.

2 أكتوبر 2022