تقارب مبرر: لماذا يتغير موقف أردوغان تجاه الأسد؟

صورة وردة عبد الرازق
وردة عبد الرازق
انشغل مراقبون بتصريح مفاجئ للرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مشاركته في قمة شنغهاي الأخيرة المنعقدة في أوزباكستان، والذي أعرب فيه عن رغبته في لقاء الرئيس السوري بشار الأسد فيما لو حضر إلى سمرقند، في تحول واضح في موقف أردوغان تجاه الأسد، بعد أن وقفا لسنوات على طرفي نقيض من الحرب السورية. وعليه، تساءل مراقبون عن أسباب هذا التغير المفاجئ في الموقف التركي من النظام السوري، والأهداف التركية من وراء هذا التغير.

مبادرة تركية:

حقيقةً، لم يكن حديث الرئيس التركي خلال قمة شنغهاي، هو الإشارة الأولى التي قد تنم عن تقارب محتمل بين أنقرة ودمشق، إذ سبقته سلسلة من التطورات بين المسئولين الأتراك والسوريين، والتي قد تجعل مسار التقارب التركي السوري يسير بوتيرة متسارعة. فقد سبق وأكد وزير الخارجية التركي على “ضرورة تحقيق مصالحة بين المعارضة والنظام في سوريا بطريقة ما”، وأكد على أنه “لن يكون هناك سلام دائم دون تحقيق ذلك “، وفقا لما نقلته وكالة الأناضول التركية الرسمية.

والرئيس التركي أيضا، الذي أفادت مجمل تصريحاته بتأكيده أنه من الضروري اتخاذ خطوات دبلوماسية أكثر تقدما مع دمشق، وأنه لا يعنيه تحقيق أي انتصار على الرئيس السوري، إذ قال عقب عودته من أوكرانيا “يتعين الإقدام على خطوات متقدمة مع سوريا من أجل إفساد مخططات ضد المنطقة “، لأن الأمور أضحت تفرض أن يكون هناك تعاون وتنسيق مشترك في مواجهة التهديدات الإرهابية المشتركة لكلا البلدين.

كما أشار الرئيس التركي إلى أن بلاده ليست لديها شروط مسبقة للتقارب مع دمشق، وأن المحادثات مع سوريا لابد وأن تكون لها أهداف محددة، يتم تحقيقها بتنسيق مشترك، كما صرح أيضا بأن الرئيس الروسي قد اقترح عليه تعاوناً بين تركيا وسوريا في مواجهة أعمال الإرهاب على حدودهما المشتركة. هذا فضلا عن لقاء رئيسي جهاز استخبارات كلا البلدين في أواخر أغسطس الماضي، وفقا لرويترز، والتي اعتبرها البعض تمهيدا للقاءات على مستويات أعلى. وغيرها من الاجتماعات المعلنة وغير المعلنة، ولذلك لم يعرف، أو يُعلن حتى الآن المرحلة التي بلغتها المفاوضات التركية مع نظام الأسد.

وتتزامن تلك التصريحات والمؤشرات الإيجابية بخصوص مستقبل العلاقات التركية السورية في الفترة القادمة مع احتمالية وجود قرار أو تعليمات من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بمنع مسؤوليه من التطرق إلى ملف تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق على وسائل الإعلام خلال الفترة الحالية.

تقارب مبرر:

قد يرجع التقارب المحتمل بين أنقرة ودمشق إلى عدة أسباب، لعل أبرزها:

(*) تحركات إيرانية: هناك من يري أن ثمة مؤشرات لتسوية بين تركيا وسوريا بدأت تظهر بعد تحركات من قبل طهران لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وتأمين حل سياسي من شأنه أن يوقف العملية العسكرية التي تنوي أنقرة شنها في منطقة الشمال السوري، بهدف إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كيلو متراً في المنطقة المذكورة، تضمن لها التخلص من الخطر الذي يسببه حزب العمال الكردستاني، كما يزعم المسئولون الأتراك. وعلى هذا الأساس، كانت مبادرة وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان الذي زار تركيا وسوريا في محاولة للتوفيق بين الطرفين في هذا الشأن. ثم قمة طهران الثلاثية التي جمعت بوتين وأردوغان ورئيسي في يوليو المنصرم، والتي وضعت سوريا بنداً أول على جدول أعمالها، خاصة مع حضور وزير الخارجية السوري فيصل المقداد أيضا.

لذا أرجع البعض الفضل في كثير من الانفراجات السياسية والأمنية التي حصلت مؤخرا بين أنقرة ودمشق إلى مبادرة عبد اللهيان، الذي كان قد أعلن في وقت سابق أن مبادرة بلاده تقوم على أساس حل المشكلات الحدودية، ومحاولة تسوية ملف الأكراد، مع إنهاء وجود المجموعات الإرهابية التي تهدد أنقرة في شمال سوريا. الأمر الذي دفع البعض إلى اعتبار المبادرة الإيرانية قد تمهد الطريق إلى تسوية نهائية بين البلدين، استنادا إلى أنه من بعدها تم الإعلان عن لقاء بين وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو ونظيره السوري فيصل المقداد على هامش قمة عدم الانحياز العام الماضي في صربيا، هذا بالإضافة إلى التحركات واللقاءات الأمنية رفيعة المستوى بين مسؤولي الطرفين في دمشق.

(*) ضغط روسي: وهناك وجهة نظر أخرى، ترجح أن التقارب المحتمل بين الحكومة التركية ونظيرتها السورية ناتج عن مجموعة من الضغوطات الدولية أيضا؛ فهناك من يري أن المغازلة التركية الأخيرة إلى سوريا جاءت في سياق تفاهمات تركية روسية، فأروغان نفسه سبق وصرح بأن موسكو اقترحت تعاونا بين أنقرة ودمشق في مواجهة التهديدات الإرهابية المشتركة. كما أتت زيارة وزير الخارجية السوري إلى موسكو يوم 23 أغسطس الماضي، لتشير إلى أن ثمة اتصالات تُجرى قد تنم عن وجود دوراً روسياً واضحاً للتوفيق بين أنقرة ودمشق، وتحقيق انفراجة أو تسوية للعداء القائم بينهما، بحيث يتم التركيز على وجود نوع من التعاون المشترك في مواجهة التطورات في شمال سوريا، خاصة وأن أردوغان والأسد كلاهما ضد أي توسع لحزب العمال الكردستاني في سوريا.

ولكن من غير الواضح حتى الآن، هل ستكون الوسيلة لذلك سماح روسيا لأنقرة بتنفيذ عمليتها العسكرية التي سبق وأعلنت عنها، كمقابل تطبيع العلاقات مع الأسد، أم أنها _ موسكو _ ستحاول إيجاد أرضية مشتركة لتعاون الطرفين ضد حزب العمال الكردستاني، مقابل وقف العملية العسكرية؟، ولكن من المهم أن تكون مرضية ومقنعة لأنقرة، وهو ما سيتضح خلال الفترة القادمة.

(*) السياسات المتغيرة للرئيس أردوغان: فقد أصبح معتادا أن يُغير أردوغان مواقفه بصورة كبيرة دون أي تحفظات، الأمر الذي يعكسه بوضوح موقف أردوغان الذي تغير تجاه بعض ملفات ودول المنطقة، مثل العلاقات التركية مع إسرائيل وانتقالها من العداء إلى تأسيس علاقات كاملة بينهما مؤخرا، والعلاقات التركية الخليجية، وغيرها. وبالتالي النظر إلى أسلوب عمل أردوغان وطريقة تعاطيه مع التطورات التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية، يجعل من التحول في الموقف التركي تجاه دمشق أمرا ليس ببعيد أو مفاجئ، في ظل التطورات التي يشهدها الموقف التركي على المستوي الإقليمي بالتحديد، كما ذكرنا.

هذا إلى جانب استعصاء الحل العسكري والسياسي وفق المعطيات الحالية في سوريا، فمن الواضح أنه لم تعد هناك إمكانية لمواجهة عسكرية بين المعارضة والأسد، وبالتالي إمكانية قضاء أحدهما على الآخر أصبحت غير قائمة، وكذلك الحل السياسي وفق موازين القوى الداخلية حاليا في سوريا، والتي تصعب من الاتفاق على فترة انتقالية أو تشكيل حكومة جديدة، الأمر الذي يعد انتصارا للرؤية الروسية؛ والتي تؤيدإجراء إصلاحات في سوريا، ولكن تحت مظلة نظام الأسد نفسه.

أهداف تركية:

أياً كانت الأسباب والتطورات، أو الأطراف، التي دفعت أنقرة إلى إعادة النظر في علاقاتها بنظام الأسد، فالأمر لا يخلو من محفزات وأهداف تركية بحتة، أهمها:

(-) الانتخابات التركية المقبلة: في حال توحد المعارضة التركية في الانتخابات المقبلة في ٢٠٢٣؛ قد تشكل تهديدا جديا لأردوغان وحزبه، وعليه سيحاول أردوغان التركيز على أهم الملفات التي قد تسهم في تسويقه داخليا، كما قد تسهم في استعادة شعبيته التي تضاءلت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة نتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية. ولهذا، سيكون على رأس أولويات أردوغان إعادة ما يقارب مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، باعتباره من أهم الملفات التي تستخدمها المعارضة ضد أردوغان، خاصة بعدما بدت تظهر بعض المشكلات الداخلية بين الأتراك والسوريين، بسبب تكاليف المعيشة والتنافس على فرص العمل. أما عن ملف الأكراد؛ فإن قيام أردوغان بتحجيم او التخلص من الخطر الذي يسببه حزب العمال الكردستاني على الحدود، قد يكسبه تأييد القوميين الأتراك، الذين يرون في الكرد خطرا على أمن الدولة. ولهذا يمكن القول أن سياسة أردوغان في سوريا تسترشد إلى حد كبير بالحسابات المحلية للانتخابات.

(-) سياسة التحالفات: قد يكون الموقف التركي الجديد تجاه سوريا تجاوبا واسترضاءً لروسيا وبوتين، لأن أردوغان سيحاول بشتى الطرق الاستفادة من الحرب الأوكرانية، في ظل الضغوطات الدولية التي تواجهها موسكو على إثر حربها في أوكرانيا، والبقاء إلى جانب موسكو رغم موقفها الحساس باعتبارها عضو في حلف الناتو، ولكن أنقرة تأمل في الحصول على مكاسب اقتصادية، خاصة في قطاع الطاقة، وأيضا دعم العملة التركية، والاستفادة من مباردة روسيا والصين بالاستغناء عن الدولار في المعاملات بينهما، فقد سبق وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن بلاده تدعم استخدام العملة المحلية بدلا من الدولار في تجارتها مع تركيا، وهذا من شأنه أن يساعد العملة التركية على التعافي، عقب تهديد الغرب بعقوبات على تركيا جراء دعمها لروسيا خلال الحرب. بالإضافة إلى الدعم السياسي والعسكري.

وبالتأكيد روسيا تدرك ما تفكر فيه أنقرة، ولهذا قد تكون سببا رئيسيا في محاولة أنقرة تلطيف الأجواء مع النظام السوري، ووقف العملية العسكرية في سوريا، الذي من شأنه أن يرفع الضغوط على الجنود الروس الموجودين هناك، أو تنفيذها بالتنسيق مع دمشق، حتى يتسنى للأخيرة مزيدا من السيطرة على الأكراد.

وجدير بالذكر، منذ محاولة الانقلاب الفاشل في ٢٠١٦، اتسمت سياسة أردوغان الخارجية بـ “مسك العصا من المنتصف ” والتعامل بالقطعة مع مختلف الشركاء الدوليين والإقليميين. وبخصوص الملف السوري، قد يكون أردوغان أدرك أن وقوفه وراء الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في سوريا لم يكفل له الغطاء السياسي أو العسكري الذي كان يتوقعه، ولهذا قد يكون التنسيق مع روسيا وإيران في سوريا مربحا من الناحية السياسية والاقتصادية والاستراتيجية كذلك، حتى على صعيد بعض الملفات الأخرى المشتركة وليس الملف السوري فقط، ولكن هذا كله لن يعني أيضا التخلي أو الابتعاد تمام عن العباءة الأمريكية، وإنما محاولة أردوغانية أصبحت معتادة للاستفادة من شتى الجوانب.

أضف إلى ذلك، أن التقارب التركي السوري إن تم رسميا، سيخدم ويقوى العلاقات التركية الخليجية التي استعادت حيويتها مؤخرا على سبيل المثال، وبالأخص الإمارات، كما قد تكون خطوة إضافية لتطبيع العلاقات مع القاهرة، التي اعتبرت أيضا الملف السوري على رأس مطالبها للتصالح مع أنقرة.

(-) مجال الطاقة: كما يتطلع الأتراك إلى عودة العمل بخط الغاز العربي، الذي أنشئ بهدف نقل الغاز المصري والعراقي إلى أوروبا، ليمر عبر الأردن وسوريا، ثم إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، وقد يضاعف الرغبة التركية عودة الحديث عن نقل الغاز المصري إلى لبنان الذي طرحته السفيرة الأميركية، وإمكانية تفعيل هذا الخط الذي توقف بسبب الحرب السورية. وهذا كله في إطار الاستفادة من الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة، لكي تدخل ضمن صفقات خطوط نقل الغازإلى أوروبا.

وختاماً، تعد العلاقات بين القوى الداخلية أو الأطراف الإقليمية والدولية في سوريا معقدة إلى حد كبير، وبالتالي لا يتصور أن تسفر التطورات الأخيرة عن تغير جذري في العلاقات التركية السورية، ويصبح احتمال تطبيع العلاقات كاملة غير مرجح في الوقت الراهن على الأقل، خاصة وأن أردوغان والأسد تجمعهما خلافات عدة، لا يمكن محوها أو التغافل عنها بسهولة، على رأسها ملف محافظة إدلب، والمساندة التركية للمعارضة السورية، والتي من الصعب أن تتخلى عنها أنقرة كلية، باعتبارها الورقة الأقوى في يد أنقرة، وليس من المبالغة في شئ القول بأنها سبب وجودها في سوريا من الأساس. ولكن إذا تم ترتيب لقاء بين الرئيسين أردوغان والأسد ربما تهدأ حدة المواجهة بينهما، خاصة مع عدم وجود اعتراض أمريكي صريح في هذا الشأن.
‎2022-‎09-‎27