الدفع باتجاهِ الحرب الأهليةٍّ
بديلاً للمواجهةِ مع الإحتلال


سعادة مصطفى أرشيد
يقتربُ موعد الانتخاباتِ التشريعية (الإسرائيلية)، ويقتربُ أكثر بدء الأعيادِ اليهودية، حيث يترافقُ عامليّ السياسة والدين المذكورينِ آنفاً مع ازدياد اقتحاماتِ المستوطنين لرحابِ المسجد الأقصى، فيما تحذر شخصياتٌ مقدسيةٌ غير رسمية من تطور هذه الاقتحامات وصولاً إلى تقسيم المسجد الأقصى مكانياً وزمانياً بين الفلسطينيين واليهود، من جانبٍ آخر يتغولُ الاستيطان ويتسارع كما اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين بأرواحهم، وممتلكاتهم، وأراضيهم، وحرق مزروعاتهم، وسرقةِ كرومِ الزيتونِ الذي حلّ موسمُه، والردُّ الفلسطينيّ غيرُ الرسميّ جاءَ بارتفاعِ وتيرة التصدي للعدوان بعملياتٍ ضدَّ الجيشِ والمستوطنين.

اتساعُ رقعةِ المناطق التي تجري فيها أعمالُ المقاومة ونجاحها في إيقاعِ الأذى بجيشِ الاحتلال، دفعَ فضائياتٍ عبريةٍ ووزيرَ الدفاعِ وقائدَ جيشِ الاحتلال للحديثِ عن عمليةٍ عسكريةٍ واسعةٍ في شمال الضفة الغربية، وخاصةً في جنين ومخيمها ونابلس ومحيطها، بهدفِ سحق المقاومة، كما أنّ التهديدات شملت السلطةَ الفلسطينية والرئيس محمود عباس الذي تتهمهُ (إسرائيل) بالتقاعسِ والعجز هو والسلطة التي يرأسها، لأنها لا تقومُ حسبَ قولِ قائد الجيش بكبح المقاومة، وأضاف: “الرئيسُ الفلسطيني لا يقومُ بواجبهِ والتزاماتهِ، وأنّ عليه أنْ يَشْرعَ بعمليات اعتقال المقاومين ومصادرة أسلحتهم وحتى قتلهم كما طلبنا منه”.

يبدو أنَّ السلطةَ الفلسطينية قد أخذت التهديد (الإسرائيلي) على محملِ الجد أكثر مما كانت تفعل بالسابق، فقامت باعتقالِ اثنينِ من الشباب المقاوم المطلوبين للاحتلال في نابلس، وهما من أصدقاءِ ورفقاءِ الشهيد إبراهيم النابلسي، فثارت ثائرةُ المجموعاتِ المقاومة ومعها المدينة وهددوا بالعصيان المدنيّ وقاموا باقتحام دوائر السلطة الرسمية وأشعلوا الإطارات بالشوارع، الأمر الذي تحول سريعاً إلى فوضى عارمةٍ طالت مؤسساتٍ ومراكزَ تجاريةٍ وأتلفت ممتلكاتٍ لبلدية المدينة، تضامنت جنين ومخيمها مع نابلس فأطلق المقاومون النار بكثافة على مراكز السلطة، ثمّ لحقت بها مدينةُ طوباس حيثُ أُغلقَتْ الطرقُ وامتدت هذه الحالة لتشملَ مناطقَ عديدةٍ في وسط الضفة وشمالها، أدت الاشتباكات في نابلس إلى مقتل مواطن وإصابة عدد آخر بإصابات بعضها حرجة.

أوقاتٌ عصيبةٌ مرت بها نابلس وشمال الضفة، مورست خلالها الفوضى بأقبح أشكالها والقوة المفرطة بديلاً للحوار، توقفت الاشتباكاتُ بعد جهد جهيد ووساطاتٍ من أهل المدينة وكبارها حيث تم الاتفاقُ على شروطٍ يشكُّ الجميعُ أنّ أحداً سيلتزم بها، وبناءً على ذلك عادت الحياة إلى طبيعتها، ويبقى السؤال، هل ما جرى كان حدثاً عابراً تطوّرَ إلى ما شاهدناهُ؟ أمْ أنّ تراكماتٍ وأسبابَ قادت إليه؟ وأنّ المعالجاتِ القشريةِ لم تَنفُذ إلى أعماقِ الأسباب؟

هذا قرعٌ لجرس إنذارٍ وعلى قيادة السلطة الفلسطينية قراءة هذه الرسالةِ بجديةٍ وبعيداً عن الرغبوية والاتهامية وعن حججٍ ومفرداتٍ لم تعد تقنعُ أحداً كاتهام جهاتٍ بأنّها وراءَ المؤامرة الخارجية أو جهاتٍ معارضةٍ ذات أجنداتٍ غير وطنيةٍ وما إلى ذلك من خطابٍ أكلَ الدهر عليه وشرب.

لا يمكنُ إدارة الشؤون الفلسطينيةِ بهذه الطريقة، ولا يمكن قيادةُ الضفة الغربية على هذا النحو، بعيداً عن المشاركةِ وعن الانتخابات التي تم تأجيلها لأسبابٍ كانت قائمةً عندما تم الإعلان عن مواعيدها وقد أصبح واضحاً أنها لن تجري في القريب، حتى قراراتُ المجلس المركزي الذي ينوب عن المجلس التشريعي ويشملُ الكل الفلسطيني، أصبحت حبراً على ورق وفَقَدَ مبررات اجتماعاتهِ القادمة ما لم تنفذ قراراتُ اجتماعاته السابقة.

عمليةُ ترحيلِ أمور اليوم الخطيرةِ إلى الغد، وسياساتِ الانتظار من شأنها تعميقُ المأزق في وقتٍ لم يعدْ للسلطةِ من مشروعٍ وطنيٍّ إلا تدبيرُ بعض الشؤون الحياتية اليومية كالطّلبِ من (الإسرائيلي) إصدارَ أذوناتِ عملٍ لأهل الضفة الغربية في الاقتصاد (الإسرائيلي).

خلاصةُ القول، إن ما جرى كان انتفاضةً قصيرةً ولكنها في هذه المرّةِ كانت ضدَّ السلطة لا في مواجهة (الإسرائيلي)، وتم وقفها في معالجةٍ قسريةٍ لا تعالج أسبابها الموجبة، وهي مرشحةٌ لأن تتكرر، فـ (الإسرائيلي) يريدُ دفعنا نحو الحرب الأهلية كبديلٍ للمواجهة معه.
جنين- فلسطين المحتلة
‎2022-‎09-‎26