ملكوت اللغة وإلهة الخصب الفكري، والهندسة العقلية، والشباب الدائم .. العربية

 

د. عمر ظاهر

 

إلى أين أنا ذاهب؟ سؤال يمكن أن يطرحه بنفس الدرجة من الحيرة اثنان، من يركب سفينة فضائية، ويغادر الأرض نحو أعماق الفضاء، ومن يمسك بالقلم، ويريد أن يكتب عن اللغة. أراد الخالق أن يجعل ملكوت السماوات في متناول يد الإنسان كي يجعله يتيقن من عجزه، فأعطاه على الأرض صورة عن الملكوت لا ينفذ بين أقطاره إلا بسلطان، فيدور ويدور، ثم لا يملك إلا أن يقول {أسلمت وجهي لله}. اللغة! منها على وجه الأرض ما يقارب الستة آلاف ينطق بها سبعة مليارات إنسان. وأعطينا السلطان لنتعلم منها واحدة، ثم سلطانا لنتعلم ثانية، وثالثة، ورابعة. ومنا من يتعلم سبعا، أو حتى عشرا منها، وفضّل بعضنا على بعض في الرزق، فأعطى سليمان السلطان لفهم لغة الطير، ولغة النمل.

عجيب هو تعلم اللغة الأولى، وعجيبة القدرة على تعلم أخرى، ولكنْ، لا عجب أن سلطاننا ينتهي عند حد، فليس بين البشر من يعرف مئة لغة، أما أن يحيط أحدنا علما بكل اللغات فأشبه بالحلم بالسفر إلى خارج مجموعتنا الشمسية. وتلك الأربع، أو السبع، أو العشر التي نتعلمها لا يمكن أن نتقنها بنفس الدرجة، فالعلاقة بين كل لغة جديدة نتعلمها وبين ما سبق أن تعلمناها جدلية، بمعنى أننا عندما نتعلم لغة جديدة نأخذ شيئا من وقتنا، ومن جهدنا، وبالتالي من قدرتنا على مواصلة تعلم المزيد من القديمات، وتطوير إتقاننا لها، لكن الجديدة تغني في الوقت نفسه معرفتنا عن اللغة، إذ تقوى في عقولنا نزعة المقارنة بين هذه وتلك، فيزيد وعينا بها، ولكن ليس اتقاننا لها. فقط اللغة التي نتعلمها أولا لا تتأثر سلبا بالجديدة، سواء كانت الثانية أو العاشرة.

 

نحن نتكلم عن تعلم اللغة وإتقانها وحسب. وهنا فإن الأغلبية الساحقة من الناس لا يتعلم الواحد منهم إلا لغة واحدة، ولا يتقنها كل الإتقان، بل يكتفي باستخدام ما تيسر له منها لتلبية حاجاته إلى التواصل اليومي مع بيئته الاجتماعية. وفي حالات كثيرة لا تبلغ حدود معرفة هكذا شخص بلغته إلا نسبة محدودة من الإمكانات المتوفرة في تلك اللغة، ناهيك عن الوعي بها، وبإمكاناتها. وهذا الواقع يشمل المتكلمين بكل اللغات، ففي ألمانيا، وفي فرنسا، وفي انجلترا، كما في أي بلد عربي، أغلبية مطلقة تتكلم لغتها بطلاقة، دون أن تلم بكل شيء فيها، أو بكل جوانبها، ونخبة تتقن اللغة على مستوى عال، ونخبة أصغر تبحث في اللغة، وتعرف الكثير عن جوانبها المختلفة.

 

التعلم والإتقان شيء والبحث في اللغة، أو اللغات، شيء آخر تماما. في التعلم والإتقان نعرف أننا لن نستطيع في يوم من الأيام بلوغ مكان خارج مجموعتنا الشمسية، بعدد كواكبها وأقمارها. أما في جانب البحث فنتيقن تماما من التشابه بين ملكوت اللغة وملكوت السماوات. في أي شيء نبحث؟ في أية نجمة، في أية مجرة، في أي سديم؟ إن البحث في اللغة الواحدة يتطلب، عادة، أن شخصا، عربيا مثلا، لديه موهبة واهتمام باللغة، فيبدأ بدراستها في الجامعة، ثم يجرب أساليب البحث في رسالة ماجستير، ويتقدم إلى التخصص في جانب ما من اللغة بأطروحة دكتوراه تكون بداية للتخصص الحقيقي في ذلك الجانب، وسيقضي عمره في البحث في نفس الجانب من العربية دون أن يصل إلى نهاية لما يمكن البحث فيه. وإذا أراد شخص موهوب يتقن لغتين أن يبحث في اللغتين معا فإنه يفتح على عقله في الترجمة أبوابا يدخله كل منها إلى دهاليز لا يصل إلى نهايتها مع نهاية عمره.

هذا ناهيك عن البحث المقارن في الأدب، وعن البحث في فروع علمية يجري ربطها باللغة مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، وغيرها. وعندما يحاول بعض اللغويين الطموحين تطوير نظرية في الترجمة فإن نظرياتهم لا تتعدى ضرب الأخماس في الأسداس فيما يتعلق بالترجمة بين لغات معدودة تنتمي إلى نفس العائلة اللغوية.

 

أين نحن من تعلم ستة آلاف لغة، وإتقانها، ومن ثم البحث فيها معا؟ لو كنا قادرين على ذلك لفهمنا ملكوت السماوات أيضا، ونحن على الأرض، لأن في ملكوت اللغة تكمن كل أسرار ملكوت السماوات، إن تحقيق مثل هذا الهدف المعجز أشبه بمحاولة راكب السفينة الفضائية الوصول إلى تلك الأقطار في السماوات التي تبعد عنه، مثلا، مئة مليون سنة ضوئية. ولهذا فإننا نحاول التغلب على هذا التعجيز بوضع فرضيات وحسب، تماما كما يفعل علماء الفضاء، فمنا من يقول إن كل لغة ينتجها عقل معين لمجموعة تعيش في بيئة معينة، ثم تعود اللغة لتتحكم بذلك العقل، وبتفكير أصحابه، وبثقافتهم، وبفهمهم للحياة.

 كثيرون يرفضون هذا الافتراض لأنهم يشمون منه رائحة العنصرية، فيأتينا أناس ذوو نزعة إنسانية، ويقولون لنا إن هناك "منشأة" لغوية كونية في الدماغ البشري، في كل دماغ، يجري حثها، وتنشيطها بطرق مختلفة في المجتمعات المختلفة. هؤلاء يقولون بكونية اللغة، أي بانتمائنا جميعا إلى جنس بشري واحد. والنظريات تبقى نظريات، فليس هناك بعد دليل علمي لا على هذا الافتراض ولا على ذاك.

 

على أن سؤال البحث الذي لم تفلح في الإجابة عنه إجابة مقنعة أية دراسة، أو نظرية، هو السؤال عن نشوء اللغة أصلا، أو اختراعها. كيف نشأت؟ هل علم الله آدم الأسماء كلها، أم أن إنسان الغابات كان يقلد أصوات ما حوله من ظواهر، فأنشأ من تقليدها الكلمات؟ كيف قسم الكلمات، إذن، إلى أسماء وأفعال، وصفات، وحال؟ وكيف فعل ذلك بحيث أن الكلمات وتراكيبها خضعت لقواعد؟ إن من اخترع اللغة وطورها هم البشر الذين نعتبرهم بدائيين، وكانوا يعيشون في مجتمعات بدائية، فكيف أصبح اختراع الإنسان البدائي أداتنا في طرق مسالك الفكر، والأدب، والعلم، والشعر، والفلسفة، ووسيلتنا في الكذب، والغش، والمخادعة، والمراوغة أيضا؟ نحن اليوم، رغم كل إمكاناتنا العلمية والتكنولوجية، عاجزون عن اختراع لغة جديدة.

 

في ملكوت اللغة نجد أنفسنا أمام أسئلة محيرة تماما كما فيما يخص ملكوت السماوات. وواحد من الأسئلة التي لم ننته بعد من الإجابة عنه، رغم البحث المضني، هو تأثير اللغة الأولى فينا، تلك التي نبدأ بتعلمها ونحن في  بطون أمهاتنا، ثم في حضنها، وفي فصامنا عنها. هي قدرنا الذي لن نفلت منه. نسميها لغة الأم، أو اللغة الأم. هي الحبل السُري الذي لن يقطع أبدا بيننا وبين ما ولدنا فيه، فهي تتفاعل مع وجود الإنسان تجذبه إليها فتجعل شعوره بذاته لصيقا بها، كما هي الحال مع أي كوكب قد يكون عليه الكائن الحي، وغير الحي، فتلك اللغة هي هويته.

 إنها اكسير الحياة الذي يسكب على الخيوط في نسيج عالمه الداخلي والخارجي، فتتشبع به، وتبقى تنبض بالحياة والحيوية طالما بقي هو، في فهمه للعالم من حوله، وفي تخاطبه مع من حوله، وهي ذاكرته، وهي الغذاء الذي ينمي عواطفه ومشاعره، وهي تاريخ كل خلية تنشأ في كيانه ثم تتلاشى.  ولكن كيف ولماذا؟ ما نزال نبحث في ذلك.

 

ومثل الروح في مفهوم الصوفيين فإن اللغة لها حياتها المستقلة عن الجسد، فهي حرة عن إرادتنا إلى حد بعيد، تتفاعل مع ما حولها من لغات أخرى، وتتأثر بها، فتأخذ منها، وتؤثر بها فتعطيها، لكنها لن تفقد كيانها المستقل أبدا. وهي مثل الكائن الحي أيضا، ومثل النجوم، والمجرات، تولد، وتتتطور، وتشيخ، وتموت، وأعمارها كأعمار الكائنات الحية، تطول وتقصر، خاضعة لقوانين الطبيعة، والعلل التي قد تصيبها. وعللها، تماما مثل التي تصيب الكائن الحي، يمكن أن تعالج، فتتعافى منها، أو تترك فتستفحل، وتقضي عليها. ومثل الجسد الحي فإن اللغة لها مناعة، وهي قادرة على التعامل مع الكثير من العلل دون تدخل من طبيب أو دواء.

 

إنه الملكوت الذي لا حدود له، نرى تجلياته أينما نولي وجوهنا، وحتى في السياسة، وفي الحرب والصراعات بيننا، بل وهناك حروب لغوية. وكم من حرب انتصرت فيها لغة على أخرى، وسلبتها الحياة!

 

ومثل كل شيء في دائرة وجوده، فإن الإنسان ميال إلى إلحاق اللغة بنفسه واعتبارها ملكية له، بل ولقبا ينابز به، فلغة كل منا، ليست فقط هويته، ونسيج حياته، وكوكبه الذي يجذبه إليه، والحبل السري الذي يربطه بأمة من الأمم، بل هي ملكه أيضا، وهي الأفضل، والأجمل، والأكمل. وكلنا نقول هذا عن لغاتنا، إذ ليس هناك شعب لا يعتز بلغته، وفي أحيان كثيرة إلى حد التعالي على الآخرين، واستصغار لغاتهم. ولكن الاعتزاز شيء والتعالي شيء آخر.

 

حقا ما الذي يفضل لغة على أخرى، أو يرفعها درجة عن غيرها؟ العربية، مثلا، تتعرض، كما يرى بعض الناطقين بها إلى حرب عنصرية شعواء، فبعض الناس يستصغرونها، ويعيبون عليها هذه أو تلك من خصائصها. وبعض العرب يواجهون هذه الحرب العنصرية بمثلها، فبينما يحاول أعداء العرب إلصاق صفة التخلف بالعربية نجد على الطرف الآخر ادعاءً بأن العربية لغة مقدسة، فهي التي أنزل الله بها كتابه المبين، وهي لغة أهل الجنة، إلى آخر ذلك.

 

هناك بعض الأوهام عن لغتنا العربية نحن بأمس الحاجة إلى تبديدها، ونبدأ بأنفسنا فنطلب من الهائمين عشقا بالعربية الابتعاد عن التشنج، فالله أوحى القرآن بالعربية، ونقرأ في القرآن المجيد {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}، وهذا ينبغي لنا أن نفهمه ببساطة، إذ لا تشير الآية إلى تفضيل للعربية بشكل مطلق، بل هو أمر منطقي أن ينزل القرآن بلغة القوم الذين ظهر فيهم النبي الأكرم، فهم يُعملون عقولهم في نطاق هذه اللغة.

 العربية ليست لغة الله المفضلة. وفي القرآن نفسه نقرأ {وكلّم الله موسى تكليما}، ونعرف يقينا أن موسى لم يكن ناطقا بالعربية، ولذلك لا بد أن الله كلمه بلغته، فهل يعني هذا أن لغة موسى هي لغة الله؟ إن من يحاول أن يسبغ قدسية على أية لغة بربطها بهذا الشكل أو ذاك بتفضيل الله لها، جدير بأن يرسم على شفاهنا ابتسامة سخرية لا غير. العربية لغة بشرية، بينما في القرآن الكريم {قل لو كان البحر مداد لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}، و{ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم}. أين من هذا لغات البشر التي كلمات أغناها تنفد بقلم واحد ولتر أو، في أقصى تقدير، برميل من المداد؟ لغاتنا قد تكون مجرد زاوية من مجرة في ملكوت اللغة الربانية.

 

أما الوهم الآخر الذي يجب أن نبدده، فهو تعرض العربية إلى حرب شعواء. نعم، هذا شيء ربما يراد لنا أن نشعر به، ولكن مهلا، فنحن، العرب، نتعرض إلى حرب نفسية، وهذا الأمر جزء من تلك الحرب. ليس هناك حرب عالمية على اللغة العربية. على العكس، هناك إقبال على تعلم العربية، واحتضانها، وتقديرها على مستوى العالم. هل الصين أو الهند، أو روسيا، أو غيرها تعادي اللغة العربية؟ لا، ولا حتى أمريكا، بل إن أرقى مراكز تعليم العربية ونشرها تقع في أمريكا، جامعة جورج تاون، مثلا.

وفي بلد صغير مثل الدنمارك جرى مؤخرا إدخال العربية في برامج المدارس الثانوية للغات التي يمكن للطلبة أن يختاروا دراستها. لا ينبغي لنا أن نقبل الإصابة بالبارانويا، ونظن أن العالم يحارب لغتنا. هناك في العالم حروب لغوية، لكنها ليست موجهة ضد العربية تحديدا، فالفرنسيون يحاولون فرنسة كل مكان يحلون فيه، وهم مصابون بمرض العصاب اللغوي، ويعتقدون أن النطق بالفرنسية هو دليل الصحة العقلية! هناك اكتساح صيني (لغة الماندرين) للعالم، والانجليز يخشون أن تحل الصينية محل الانجليزية كلغة عالمية. وفي هذا المجال قد يكون من الأدق أن نستخدم عبارة "منافسة" بدلا من عبارة "حرب".

 

لا حرب عالمية على العربية، لكن هناك فقط بؤرتان للتشويش على العربية، والزعم بأنها ضائعة بين اللهجات والفصحى، والإيحاء بأنها على وشك الانقراض، وأنها الرجل المريض بين اللغات، إلى آخر هذه الاسطوانات البائسة. البؤرة الأولى هي إسرائيل. الإسرائيليون يعرفون أكثر من غيرهم أن العربية عصية على سحرهم ودجلهم، ويبثون السموم ضدها كحرب نفسية جوفاء، لا غير. أما البؤرة الثانية فموجودة ضمن الناطقين بالعربية نفسها، والدائرون في هذه البؤرة هم فصيل من المحبطين الذين لا يتكلمون عن علم، بل عن تمنيات، ولديهم عقد نفسية تجاه العربية، فيتمنون موتها، وزوالها، ويمنون أنفسهم بأن العربية مصابة بالضعف، وستنقرض خلال هذا القرن، إلى آخر هذه الهلوسات.

 وهؤلاء لا يستحقون الاهتمام، بل لا بد للعربية أن ترأف بحالهم، وتتركهم منتشين بسكرهم، والزمن كفيل بجعلهم يصحون على الحقيقة المرة كالعلقم في أفواههم، حقيقة أن العربية هي لغز من ألغاز ملكوت اللغة، يستعصي حله على عقولهم الصغيرة .. الأولى بهم أن يعتبروها إلهة، مثلا إلهة الخصب الفكري، وإلهة الهندسة العقلية، وإلهة الشباب الدائم. ألا هل أطلعكم على سر من أسرار العربية؟

 إن أمما غير عربية تتمسك بهذه اللغة، وترعاها، وتسقيها، وتحافظ عليها لأن العربية، بقدرة قادر، تدخل في هويتها سوية مع لغتها الأم. اسمعوني، هل كنا سنتعلم الانجليزية لو لم يستعمرنا الانجليز؟ بالتأكيد لا. لماذا لغتنا العربية حية يسعى إليها الناس في ماليزيا، واندنوسيا، مثلا؟ لماذا تدخلها جمهورية إيران الإسلامية كمادة إلزامية في العديد من برامجها الدراسية العلمية؟ لماذا يقبل على تعلمها الأتراك مع انبعاث النزعة العثمانية فيهم؟

 

معذرة، إلى أين أنا ذاهب؟ ما أزال في الغلاف الجوي للأرض في سفرة إلى اللانهاية. أعود لأقول إن العربية لا خوف عليها، ولكن مشكلة العرب معها هي أنهم، كما هي الحال مع كل ثرواتهم، يقصرون عن الاستفادة من كل كنوزها، واستثمار كل طاقاتها وإمكاناتها.

 إنها ترعى نفسها بنفسها، وتشكو من قلة اهتمامهم بها. العربية وعلومها ما تزال تحتل قسما، وقسما فقط، في كلية الآداب في جامعاتهم، بينما علومها من السعة والأهمية بحيث تستحق جامعة مستقلة لدراساتها في كل بلد عربي.  ولكنْ حمدا لله، فالعربية ليست ملكا للعرب وحدهم. إنها ليست في ملكوت السماوات كالأرض يتصارع الناس في دفاع مستميت كلٌّ عن جزء منها، بل هي الشمس، نورها ودفؤها متاح للجميع، إنها ملك للإنسانية وللحياة.

 

‏26‏/12‏/2014