هل  تستعد كوريا الشمالية لحرب الولايات المتحدة الأمريكية؟

عميرة أيسر

تعتبر كوريا الشمالية من أكثر الدول كرهاً وعداوة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث خضعت شبه الجزيرة الكورية تاريخياً للاحتلال الياباني طوال فترة الحرب العالمية الثانية، ولكن بعد نهاية هذه الحرب تم تقسيمها على غرار ألمانيا لمناطق أدارية شمالية خاضعة للاتحاد السوفياتي، والتي تمّ تأسيس جمهورية اشتراكية شيوعية فيها، حيث سيطرت أسرة كيم على الحكم بصورة منفردة سنة 1950م، ومنطقة جنوبية خاضعة للولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت سنة 1948م، جمهورية ديمقراطية تتبنى النظام الليبرالي الرأسمالي، وتغيرت الكثير من المعطيات السّياسية بعد نهاية الحرب الكورية سنة 1953م، حيث حمّلت كوريا الشمالية الولايات المتحدة الأمريكية نتائج تلك الحرب، التي اعتبرتها عدواناً أمريكياً صارخاً على كوريا الموحدة، ومنذ تلك الفترة والصراع محتدم بين الكوريتين، حيث كادت المناوشات الحدودية بينها أن تتحول لحرب طاحنة جديدة، إذ سعت كوريا الشمالية في مرات كثيرة لاستفزاز جارتها الجنوبية عسكرياً، وخاصة بعدما أصبحت دولة نووية يوم 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2006م، وذلك بعدما أعلنت عن تمكنها من إجراء أول اختبار نووي بنجاح، وقد تمّ رصد وقوع الانفجار تحت الأرض، ونتج عنه اشعاعات باطنية، كما أن النظام الكوري الشمالي أكد مجدداً في 6جانفي/ يناير 2007م، حيازته للأسلحة النووية التي حصل عليها بفضل دعم علماء سوفيات ثم باكستانيين ومنهم عبد القدير خان الذي يلقب بأب القنبلة النووية الباكستانية، وذلك في خرق  واضح لاتفاقية الحدّ من انتشار الأسلحة النووية التي صادقت عليها بيون يانغ  في سنة 1985م، وعلى مدار 15عاماً التي أعقبت إجراء تجربتها النووية الأولى كدست البلاد حوالي 60 قنبلة نووية، مع ما يكفي من المواد الانشطارية لبناء ست قنابل نووية أخرى على الأقل سنوياً، وعلى الأغلب فإن هذه الأسلحة تستطيع الوصول للأراضي القارية للولايات المتحدة الأمريكية، ولدى كوريا الشمالية بالفعل صواريخ باليستية طويلة المدى قادرة على ضرب السّاحل الشرقي الأمريكي. كما ذكر موقع قناة الجزيرة، بتاريخ 20جوان/يونيو 2022م، في مقال بعنوان (العائلة النووية……..كيف حصل حكام كوريا الشمالية على القنبلة؟).

فنظام كوريا الشمالية الذي تحدى الإدارة الأمريكية لسنوات، لم تنجح كل السّياسات التي اتبعتها واشنطن في ارغامه  على التنازل أو تجميد برنامجه النووي، ضمن سياسة ” الصبر الاستراتيجي”، التي اتبعتها كل الإدارات الأمريكية منذ عهد جيمي كارتر، مروراً باتباع واشنطن لاستراتيجية ” الغضب الأقصى”، التي اتبعت في عهد جورج بوش الابن وأوباما وختاماً بسياسة ” الغضب والنيران”  التي اتبعتها إدارة دونالد ترامب، إذ  فشلت في إقناع هذا النظام الديكتاتوري حسب التوصيف الأمريكي، بضرورة الجلوس  علطاولة المفاوضات مع الغرب للتخلي عن ترسانته النووية الفتاكة، وبرنامج الصواريخ الباليستية  البعيدة المدى، والقادرة على الوصول لأبعد نقطة في أمريكا، وذلك في مقابل الحصول على تسهيلات اقتصادية، بالإضافة لرفع كامل للعقوبات الاقتصادية والمالية، والسماح للشركات الأمريكية والغربية الكبرى بالاستثمار في كوريا الشمالية، ودمجها في النظام الدولي الجديد، وربما جعلها مستقبلاً من أهم شركاء واشنطن التجاريين والاقتصاديين، بل وحتى العسكريين في القارة الآسيوية، وهذا ما ترفضه كوريا الشمالية التي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 2002م الشيطان الأكبر، وذلك بعدما تم إدراجها ضمن دول محور الشر الراعية للإرهاب الدولي، بالإضافة للعراق وليبيا من طرف نظام المحافظين الجدد، فالنظام الكوري الشمالي الذي فقد ثقته في جميع الرؤساء الأمريكان، وهو المناصر للقضايا العادلة كالقضية الفلسطينية، والكاره للهيمنة الغربية الرأسمالية على المجتمع الدولي، والذي  لا يعترف بالكيان الصهيوني، قد هدد بمعاقبة إسرائيل بلا رحمة سنة 2017م، وذلك بعدما وجه افيغدور ليبرمان الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع الصهيوني أنذاك، انتقادات لاذعة لكوريا الشمالية، حيث وصف قادة كل من كوريا الشمالية وايران وسوريا وحزب الله ب” المتطرفين والمجانين”،  الذين يعملون على تقويض الاستقرار في العالم، لترد وزارة الخارجية في كوريا الشمالية بأن ” إسرائيل تشكل عائقاً في منطقة الشرق الأوسط، وتحتل مناطق عربية، وتنفذ جرائم ضدّ الانسانية”، وأضاف البيان ” ان وجهة نظر كوريا الشمالية تقوم دوماً على العدالة والسّلام، لذلك موقفنا واضح تجاه الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، هو أن الفلسطينيين على حق في نضالهم لنيل حقوقهم في الأراضي المحتلة، وإقامة دولتهم الخاصة بهم”، وأشار أيضاً إلى أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية بحماية الولايات المتحدة الأمريكية. كمل ذكر موقع العربية، بتاريخ 30أفريل/ نيسان 2017م، في مقتل بعنوان ( كوريا الشمالية، تهدد إسرائيل ” بعقاب لا يرحم”).

 ويبدو بأن إدارة جوزيف بايدن قد أصابها اليأس ولم تعد قادرة على تحمل تصرفات كيم جونغ أون، وذلك بعد رفضه لكل الإغراءات المالية والاقتصادية التي عرضت عليه من قبل كوريا الجنوبية، فالجيش الأمريكي على  أهبة الاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية استباقية لتدمير مراكز السيطرة والتحكم لدى جيش كوريا الشمالية، بالرغم من إدراك البنتاغون لحجم التكاليف الباهظة لهذه الحرب، إذ أن جيش كوريا الشمالية الذي يصل تعداد قواته لحوالي 5مليون مقاتل، والمزود بأحدث أنظمة الردع الاستراتيجي التكتيكي، بالإضافة لامتلاك بيون يونغ صواريخ فرط صوتية  عالية الدقة،  سيشكل تهديداً لكل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في شرق وجنوب شرق وغرب أسيا، وحتى تلك المنتشرة في دول الشرق الأوسط وأوروبا، حيث وحسب تأكيدات المسؤولين في إدارة بايدن فإن كوريا الشمالية أصبحت على أتم الاستعداد للدخول في حرب كبرى مع دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، معتمدة في ذلك على ما تمتلكه من ترسانة نووية مرعبة، وعلى أمريكا بالتالي إيقافها عند حدها قبل أن تفكر في شنّ أي عمل عداءي ضدّ مصالحها في المنطقة، وترسخت هذه الفكرة في أذهان صناع القرار في البيت الأبيض عندما هدد كيم جونغ أون علناً باجتياح سيول، رداً على التدريبات العسكرية المشتركة التي أجرتها مع واشنطن، حيث قال: بأن التدريبات العسكرية التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية، تقود العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية إلى المواجهة، والقرب من نقطة اللاعودة، وأكد بأن بلاده مستعدة لأي صدام عسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية. مثلما ذكر موقع CNNبالعربي، بتاريخ 28جويلية/ يوليو 2022م، في مقتل بعنوان ( كيم جونغ أون، يتوعد أمريكا وكوريا الجنوبية، ويلوح بالنووي).

فكوريا الشمالية التي تحالف استراتيجياً مع روسيا والصين، قد تلجأ لشنّ عمل عسكري ضدّ كوريا الجنوبية، بإيعاز من بكين و موسكو، لتوتير الأجواء في المنطقة، وهذا ما سيسمح للقوات الصينية باستغلال الفرصة وإعلان الحرب ضدّ تايوان، وهذا ما سيدفع واشنطن وحلفاءها في حلف الناتو، وفي منطقة جنوب شرق أسيا لدخول هذه الحرب، والتي ستجد موسكو نفسها ضمنها، وستستغلها لتوسيع جبهة الحرب لتشمل كل دول حلف الناتو في أوروبا، وخاصة تلك الدول التي تعتبرها موسكو تاريخياً جزء من أراضي الاتحاد السوفياتي سابقاً، فالحرب التي تريد كوريا الشمالية شنها ضدّ واشنطن ستكون لها تداعيات وخيمة على الأمن العالمي، وهذا ما تدركه واشنطن التي ستحاول احتواء نظام كوريا الشمالية مستقبلاً، أو حتى العمل على اسقاطه كما فعلت مع الكثير من الأنظمة التي لا تخضع للهيمنة الغربية، ولكل يبدو ذلك سيكون  صعباً بوجود رئيس مثل كيم جونغ أون، والذي يختلف عن كل القادة والزعماء الذين عرفتهم شبه الجزيرة الكورية طوال تاريخها، فهو مستعد للتضحية بنفسه في سبيل محو الولايات المتحدة الأمريكية من الوجود وسيلجأ لاستخدام السلاح النووي إن تطلب الأمر ذلك، وهذا يعني إجبار الولايات المتحدة الأمريكية على أن ترد بالمثل، وبالتالي إشعال فتيل حرب نووية، ستكون لها نتائج كارثة على كل أطرافها بكل تأكيد.

– كاتب جزائري

2022-09-04