افكار بين شقي الرحى

ابيقور واطروحة لذة السلام والطمأنينة

ا.د.عامر حسن فياض

ظهرت اول افكار المدرسة الابيقورية في اثينا في حدود عام 306 ق.م على يد الاثيني “ابيقور” الذي اخذت عنه اسمها، وامتدت منه افكارها الاساسية، وغلبت عليها نزعته العملية والفردية، وافكاره التي تبناها تلامذته، والداعية الى الاكتفاء الذاتي، والايمان باله رحيم، والسعي لحياة هادئة وهانئة، يتحاشى فيها المرء الصراع والالم، وينال اللذة المتجسدة في الطمأنينة النفسية، وانعدام الالم الحسي، وعدم الاسراف في اللذات الحسية، والتفكير الواعي العقلاني.

اعلن ابيقور ان شرط تمتع الانسان بلذة السلام والحياة الهانئة وعدم الخوف من الموت او الالهة اللذان رأى فيهما اهم مصادر الخوف في الحياة الانسانية،لذلك سعى عبر نظريته المادية الذرية لتخليص الناس من تأثيراتهما، وكل ما يرتبط بهما من خرافات، ترعب الناس بالالهة والشياطين والموت وعذاب العالم السفلي.

لذلك فأن على من يريد الايمان بالالهة ان يعبدها عبادة منزهة عن كل غاية وهدف، والانسان عنده مالك لأرادته وسيد نفسه.

وتقوم فلسفة ابيقور السياسية على ضرورة مزدوجة لتكوين النظم السياسية ووجود السلطة الحاكمة المسئولة فيها عن ضمان الامن والطمأنينة للناس وحمايتهم من الظلم والعدوان. لأن الحياة السياسية في رأيه مرهقة، وعلى العاقل الا يشارك فيها الا اذا اجبرته على ذلك مصالحه الشخصية، عندها عليه ان يخضع كليا لارادة سلطة حاكمة تحقق النظام والسلام.

واعتقد ابيقور ان الانسان كائن اناني بطبيعته، تحركه مصالحه الذاتية ومنافعه واهدافه الشخصية، ورأى انه اذ ما اراد العيش مع الاخرين، فلا خيار لديه الا ان يتفق معهم ولو بشكل غير مباشر على عدم الحاق الاذى ببعضهم لتكون الانانية والخوف من نتائجها الضارة هي علة اتفاق الناس في عقد اجتماعي على تأسيس المجتمع واقامة السلطة الحاكمة ومؤسساتها لتأمين سلامة اطراف العلاقة التعاقدية بما يجعل المجتمع والنظام السياسي الذي يحكمه، كيانا اجتماعيا-سياسيا تعاقديا، محدد الاهداف والمسؤوليات، والادوار والوظائف.

وبذلك،فأن النظام السياسي عند الابيقوريين، ينشأ عن(عقد اجتماعي)، يتعاقد فيه الناس على احترام حقوق بعضهم، وانشاء سلطة حاكمة، تتولى مهمة كف اذاهم، ومنعهم من العدوان على بعضهم، وتسن التشريعات لتنظيم علاقاتهم ومعاملاتهم، ولو لم ينبعث هذا العقد الضمني والسلطة الحاكمة الناشئه عنه، لا نتفى وجود العدالة، ومن ثم، امتنع قيام المجتمع السياسي وسلطته الحاكمة. في ضوء نظرية الابيقوريين عن العقد الاجتماعي المؤسس للمجتمع والحكومة، تتحدد قيمة القوانين والانظمة عندهم ، بل وقيمة النظم السياسية والحكومات ومؤسساتها ووظائفها كلها.

وعليه، فأن علة تعاقد الافراد لاقامة المجتمعات وانشاء الحكومات، وقبولهم بالخضوع لما تفرضه عليه من قوانين واحكام، ترجع الى ادراكهم ان قبولهم بهذا اكثر نفعا لهم واقل ضررا مما لو اختارو العيش من دونه، ليقضوا حياتهم في صراع دائم مع الاخرين، ومعرفتهم بالدور الايجابي لهذه السلطة الحاكمة والقوانين في تحقيق مصالحهم وحمايتها والدفاع عنها، واشباع حاجتهم للأمن وتنظيم علاقاتهم وتعاملاتهم وهذا هو الاصل الفكري التأسيسي الاول لك نظريات العقد الاجتماعي التي اعاد المفكرون الغربيون احياءها منذ عصر النهضة الاوربية الحديثة . حتى يومنا فكم نتلهف يا ساستنا الى لذة السلام والطمأنينة .

‎2022-‎09-‎03