في رحيل وليد دماج.. رواية التصوّف والجنون!

في رحيل وليد دماج.. رواية التصوّف والجنون
ضفة ثالثة
صدام الزيدي
متأثرًا بنوبة قلبية، غيّب الموت في مدينة عدن (جنوبيّ اليمن)، فجر الجمعة 19 آب/ أغسطس 2022، الروائي اليمني وليد دماج صاحب الروايات: “ظلال الجفر” (2013)؛ “هُم” (2016)؛ “أبو صهيب العزي” (2019)؛ “وقَش/ هجرة الشمس” (2022)، ليدفن في اليوم التالي في مدينة صنعاء، حيث عاش معظم حياته بوصفه الابن الأكبر للشاعر الراحل أحمد قاسم دماج.
ومع أنه يكتب الشعر والقصة القصيرة إلا أن وليد دماج عُرِف كاتبًا روائيًا في الوسط الثقافي اليمني الذي تتوالى عليه الأنباء الأسيفة ولا يجد مساحة كافية للنعي سوى منصات التواصل الاجتماعي بعد أن شرّقت الحرب وغرّبت بالكثيرين منذ ثمانية أعوام.

والراحل من مواليد العام 1973. تخرج في جامعة صنعاء عام 1996، قسم المحاسبة. شغل عددًا من الوظائف في الإدارة الثقافية حيث عمل رئيسًا للمكتب التنفيذي لصنعاء عاصمة للثقافة العربية 2004، ومديرًا لصندوق التراث والتنمية الثقافية.

ينوه الناقد اليمني، عبد الحكيم باقيس، رئيس نادي السرد- عدن، بتجربة دماج الروائية، واصفًا إياها بـ”التجربة المتفردة” في الكتابة، التي تصنع عوالمها الخاصة وتعبر حدود الأفكار وسجن الأيديولوجيات إلى ما يهم الإنسان وحيرته في زمن تحيطه الالتباسات.

ووفقًا لباقيس: كان دماج يبحث دائمًا عن التجديد في الموضوعات وأساليب الكتابة، وظل في كل أعماله الروائية من المشتغلين على الفكرة ودراستها والبحث فيها وتقليبها على موقد الإبداع قبل أن يُلقي بها في عالم التخييل، فتصبح الرواية ثمرة بحث طويل قبل أن تخرج في كتاب، وهذا سرّ من أسرار كيمياء الكتابة عنده.

ومما كتبه باقيس في صفحته على فيسبوك: حين كتب وليد دماج رواية (هُم) التي تتحدث عن شخصية المجنون وعوالمه الخاصة الموازية، ظلّ يذكر في شهاداته في معايشته لبعض المجانين ومراقبتهم لمدة عامين، وفي قراءة لعديد من الكتابات في علم النفس والاضطرابات الذهنية. وفي روايته (وقش أو: هجرة الشمس) انكبّ على قراءة العديد من المصادر التاريخية حول فرقة “المطرفية” ومأساتها في القرن السادس الهجري قبل أن يتناولها في عمله التخييلي الأخير. وفي أثناء تناوله لموضوع الإرهاب في (أبو صهيب العزي) كان يثير التساؤلات عن أسباب الإرهاب ودوافعه، ولم يقع في فخ التعاطي وفق نموذج القالب الجاهز الذي يتكرر في العديد من الأعمال العربية مع صورة الإرهابي.
رحيل مبكر
“رحل وليد دمّاج مبكرًا قبل أن تكتمل أحلامه في الكتابة الروائية والشعرية”، وفقًا للروائي المقيم في فرنسا، علي المقري، الذي عدّ رحيل دماج، وهو في أوج عطائه، خسارة للأدب في اليمن وفجيعة لأصدقائه الذين عرفوا في شخصه المثابرة والتفاني من أجل العمل في سبيل تحقيق الذات، والتي كان يراها تتكامل مع استقرار اليمن وخروجه من محنته الطويلة.

وفي شهادة سريعة عن الروائي دماج، يتذكر المقري، متحدثًا ل”ضفة ثالثة”: كنّا نجده دائمًا وهو في حال كتابة لرواية جديدة، وفي الوقت نفسه، يتحدث عن مشاريع أخرى يفكّر ويخطط لها. وهو إذ انشغل في الإدارة الثقافية كثيرًا، كان يمضي وقت استراحاته في القراءة والكتابة، “ومن ذلك جاءت رواياته متنوعة في اختباراتها الأدبية من التصوف والجنون إلى التاريخ اليمني القديم والحديث”.

غير بعيد، يقول الروائي وجدي الأهدل: “شعرت وكأن الموت يختطف قطعة من روحي”، مبينًا أنه برحيل وليد، فقد صديقًا عزيزًا له مكانة خاصة في نفسه، “وفقدت اليمن أديبًا قدّم الكثير من الروايات البارزة، ومَعْلَمًا من معالمها الحضارية”، على حد تعبير وجدي.

وينوه الأهدل أن ثمة علاقة روحية تنشأ مع أشخاص محددين دون سبب ظاهري واضح: لم نكن محتاجين لأن يثني أحدنا على أعمال الآخر، كان كلانا يعلم أن الآخر يبذل ما في وسعه لإنجاز أعمال روائية في أفضل صورة ممكنة، وكنت أعلم ذلك عنه بدون كلام، لأنني مع الأيام صرتُ أتعرف بسهولة على أولئك الذين يعذبهم البحث عن الكلمات وكأنها أحجار كريمة.
البرزخ بالكلمات وبالجسد

ما بين “الرؤية الأولى” حيث “تحتدم الأشياء حين لا يكون ثمة وعي”، والبرزخ الرابع “الانبعاث”، ظل الراوي الذي يقف خلفه الروائي دماج يدوّن مراحل التكوين ورحلة الحياة والموت، في رواية (ظلال الجفر)، أو ما يقول عنه الناقد عبد الحميد الحسامي: “حياة البرزخ بالكلمات وبالجسد المضرج بالوجع اليمني الممتد.”

ويتوقف الحسامي أمام “الإحساس المبكر بالموت”، والشعور المفعم بخيبة الحياة حين يسودها النكران، مقتبسًا لدماج في السياق نفسه: “إلى ظلي اللذين غدرا بي برحيلهما المباغت… أمي وأبي، إلى كل ظل أتى وغادر دون أن يشعر به أحد”. وها هو يلحق بظليه بصمت مفاجئ – يستدرك الحسامي- دون أن يشعر به أحد. 

إلى ذلك، ينوّه الحسامي، أن الروائي، مثل راويه، تمكن في رواية (ظلال الجفر)، أن يحوّل ما يدور في ذهنه من أفكار إلى كلمات مكتوبة، وتدوين ما مر به من أحداث وهو يدرك “عواقب عمل كهذا، لكن الأمر لدي سيان؛ فلا فرق في النهاية بين آلام ناجمة عن لسعات نيران، أو لسعات جليد، كما أن العذاب المفضي إلى الموت خير من حياة ملؤها الخوف…”…. هكذا يكتب وليد دماج عوالمه، وهكذا يفلسف عناء الكتابة، ويكتب ذاته المكلومة في تحدٍ لحياة الخوف والوجل.

وينوه الحسامي في حديثه لـ”ضفة ثالثة” أن وليد دماج صوت روائي حقيقي غادر الساحة الأدبية الروائية مبكرًا في زمن الخوف والحرب والموت، هنالك في معتزله في عدن، وكأنه يترجم ما كتبه على لسان راويه حيث يقول: “تمر الشهور والأيام وأنا في معتزلي الكئيب أدوّن ما أملته عليَّ الفكرة، هذا الذي لو سمعته من شخص آخر لظننته محض هراء، أو تخرصات متخيل واهم، انفصام ما أمر به، حتى لكأن حياتي، بل الحياة برمتها وهم كبير.”

ومن ناحيته، يلفت الناقد فارس البيل الانتباه إلى أن وليد دماج لم يكن روائيًا بالاكتساب فحسب لأنه سليل أسرة ثقافية وروائية بامتياز، تكاد تكون الأشهر في اليمن، كما لو أنها بيت للرواية. فالاكتساب وحده والتأثر وامتداد الموهبة لا يكفي، وفقًا للبيل، ليصنع روائيًا جادًا، وحقيقيًا، حتى الموهبة الفطرية تحتاج لعملية إنضاج محرقة: “ذلك ما تمثله وليد، الذي لم يركن فقط لموهبته الفردية البارعة في الصوغ والحكي، بل أراد أن يتجاوز فكرة المحيط الروائي حوله، ليقدم رواية لا تنتجها أيًا من هذه العوامل”.

ومتحدثًا لـ”ضفة ثالثة” عن منجز دماج الروائي، يتابع البيل: “رواية تصنع نفسها ببراعة الروائي الذي يحفر في كل اتجاه بلا توان”، ليقدم صوتًا سرديًا جادًا وكثيفًا، محملاً بكل أسى اليمن وعنفوانه، بكل أوجاعه وممكنات نهوضه، منقبًا في موروثه وتاريخه ومراهنًا على النجاة والخلاص من الضمور الموحش: رواية قبل أن تكون فنًا أدبيًا أو شكلًا من أشكال الجمال؛ فإنها وثيقة متلفعة بكل حس اليمني ووجعه وشهامته وقيمه في الحياة.

كما يرى البيل أن لدماج بصمته الخاصة ومثابرته المتحركة: “كأنه يستلهم روايته من حماسه ومشاعره وتفاعلاته المتصاعدة ورغبته الملحة في النجاة”.
23 أغسطس 2022