ما رأيكم بتقبيل الحذاء؟

ابو زيزوم
بعد ثلاثة اشهر من غرق طفلها ذي الخمس سنوات عثرت على حذائه الصغير عند شاطىء النهر. كانت قد بدأت تخرج من غلالة الحزن السوداء وصار بوسعها التحدث بأمور الحياة العادية عندما خرجت لشأن عابر عند حافة الماء تحت منزلها فلمحت احد النعلين كما يلمح قلب الانسان وجه الحبيب ويهش اليه من بين الجموع. خفّت اليه بلا وعي كأنه الطفل وليس حذاءه. واختطفته من الارض وطفقت تتأمله بخشوع وعيناها تذرفان بأغزر مما ذرفتا يوم رحيله المشؤوم.
شغلها عن رؤية الفردة الثانية متوارية وراء العشب، فلم تلحظها الا بعد ارتواء روحها من التحديق بالفردة الاولى. ما زالتا انيقتين كأنما يحاذر الغبار تدنيسهما. انهما آخر من رأى ذلك الطفل الوديع قبل انجرافه مع التيار الغاشم. لا شك انه هو من وضعهما بهذا الشكل؛ احداهما مستقرة بعناية فوق الرمل والاخرى ملقاة على عجل بين الاعشاب. وبالقرب منهما كوم من الحصى كوّمه كما كان يلعب دائماً قبل ان تحدثه نفسه العذبة بدخول الماء وهو لا يدري انه سيكون آخر عهده بالحياة.
ضمت النعلين الى صدرها بحنان جبار، وعادت بهما كمن يعود بكنز ثمين. كان احدهما يحتاج اصلاحاً منذ ان كان صاحبه حيّاً، وكانت تماهله في اصلاحه، أما الان فأحضرت الابرة والخيط ورتقته بخليط من اللذة والحزن. ففي نفسها احساس شفيف بأنها تخدم طفلها الحميم كما يجب. وانتبهت الى انها كانت تغني للحذاء بأمومة طاغية حتى فرغت من اصلاحه. ثم قبّلته بكل ما في صدرها من شجون، ووضعته على رف قريب لتراه حتى وهي مستلقية على السرير.
ما ان تدخل الغرفة حتى تتجه عيناها لا ارادياً الى ذلك الرف. وفي الليل تفيق احيانا من نومها فتتفقد النعلين كما كانت تطمئن على نوم طفلها فيما مضى.
( ابو زيزوم _ 1306 )
‎2022-‎08-‎19