الفكر التنويري بمفهومه الحقيقي!
رنا علوان

في كثير من الأحيان يتم تمييع بعض المصطلحات الفلسفية بسبب مكان نشأتها ، ففي القرن الثامن عشر رأى بعض العلماء والفلاسفة بأنه من الضروري ان يتم دحض فكرة الخرافة والخيال واستبدالها بقوة العقل وقدرته ، محدثين بذلك منعطفاً تاريخياً مُهماً ، لإنتشال أوروبا من جهلها الكنسي ، إن صح التعبير ، والذي كان يُشكل عقبة أمام عجلة التقدم ، خلافاً للدين الإسلامي الذي كان يقوم على إحترام نهضة الانسان وضرورة تقدمه على كافة الاصعدة

وليس من الموضوعية في شيء القيام بأي مُقارنة بين التنوير الذي فرضه الغرب وبين التنوير الاسلامي بمفهومه الصحيح
وعليه فإن التنوير الاسلامي هذا ما هو إلا دعوة لفهم القرآن الكريم من دون اللجوء الى أي من الخرافة لإستنباط معانيه لأن قوة العقل هي الأحق بذلك

النظرة السلبية للفكر التنويري

ما حدث أن النظرة السلبية لعصر التنوير بدأت من فلسفة هيغل وصولاً إلى مدرسة فرانكفورت وذلك في منتصف القرن العشرين ومروراً بالنظرية النقدية ، وأعتبر الخلل في هذا الفكر المُعاصر هو تشتيته ليصبح مُهيمناً على الطبيعة وبشكل يصل إلى ذروته مع النازية والمحرقة ، بحسب ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو

لكن الإعتقاد بأن التنوير هو حركة عقلانية نابذة للعواطف ، تجعل من المدافع والناقد سواسية ، ويصبان في نفس الخانة ، لأن ذلك يؤدي إلى الصورة النمطية السائدة على أنه عصر العقل المُجرد

والحقيقة هي عكس ذلك فالتنوير ظاهرة مُتنوعة وبعيدة كل البعد عن الكانطية

فمثلاً فلسفة رينيه ديكارت ، تُبين أن الجسد هو نقطة الإنخراط العاطفي مع العالم ، فالتنوير الفرنسي أنتج فلسفة دون ان تكون عقلانية في مركزها وهذا بمثابة انحراف كبير عن مفهوم التنوير

الفكر التنويري العربي

في المُقابل يجد الكاتب أحمد بن عطا الله السكندري في كتابه الشهير التنوير في اسقاط التدبير ، أن التنوير يدفع بنا الى اسقاط التدبير مع الله عز وجل ، ويعلمنا كيف نفوّض أمورنا الى الله وكيف نتوكل عليه دون سواه ، وأنه لا حول لنا ولا قوة إلا به
وعليه فإن إسقاط التدبير يريح انفسنا من كدرها لنصل الى الرضى بما هو مقسوم لنا ، وأن مقامات اليقين تسعة ، هي التوبة ، الزهد ، الصبر ، الشكر ، الخوف ، الرجاء ، التوكل ، المحبة والرضى

وهذا يعني بأن التنوير هو تنوير الاذهان ونبذ كل ما هو خرافي وخيالي
ولكن البعض جعل ما تقدم به السكندري أقرب الى الفكر الصوفي منه الى التنويري

أما ما جاء على لسان العرب لإبن منظور ان التنوير هو بمعنى النور المُشتق من بزوغ الفجر
وفي المُعجم الوسيط فإن التنوير هو من معنى الإستنارة أي الإضاءة والهداية
{ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ}

{أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}

هذا وإن دل على شيء فهو يدل على الإختلاف الكبير بمفهوم الفكر التنويري بين ما هو غربي وما هو إسلامي ، لأن المفهوم الاسلامي يُبنى على شعار

[ لا سلطان على العقل إلا العقل ]  

بيد أن الغرب جعل منه طريق سهل للوصول إلى الإلحاد عبر افشاء الشعائر اللاهوتية والتبشير بأفول التدين

وفي الحقيقة ما هو إلا مفهوم يحمل في طياته الكثير من الشجاعة لإستخدام العقل وتجاوز العقائد الغيبية ، وعدم تفسير النص الديني تفسيراً بعيداً عن الموضوع الحقيقي والمنطق العقلي

إختلف الباحثون والمؤرخون حول تسمية هذا الإتجاه الفكري

فهناك من قام بربط التيار التنويري وانتشاره بالحملة الفرنسية البونابارتية على مصر عام ١٧٩٨ ، بسبب ما أحدثته هذه الحملة من [ صدمة ثقافيه، وحضارية ، ووعي فكري ]
وبما أن التنوير هو مصطلح أوروبي النشأة ، وانبثق في محيطه كنتيجة للهيمنة الكنسية الغربية على الحياة العقلية والفكرية ، وجاء كرد فعل طبيعي على الجبروت الذي كان يُمارس آنذاك ، وكما هو معروف تاريخياً ، ولا يخفى على أحد أن موقف الكنيسة وارائها في العصور الوسطى كانت تُمثل الجهل والخرافة ، وكانوا يطلبون من المسيحيين الإيمان الأعمى والخضوع لتنفيذ جميع آرائهم وأوامرهم ، دون أي تفكر ، ومن يجرؤ على مخالفة التعاليم ، يُطرد من رحمة الكنيسة

لكن المعضلة ، ان العلماء لم ينتبهوا إلى ضرورة التفرقة بين آراء رجال الكنيسة وبين التعاليم المسيحية الحقيقية

وان هذه الكوكبة من العلماء التي عايشت تلك المرحلة كان ينقصها التدبر بتعاليم الدين الصحيح
وهذا نفسه ما حدث عند دُعاة التنوير الإسلامي الذين أعلنوا الحرب على الإسلام ورجاله مُعلني انفسهم كتيار تنويري إسلامي جديد ، وان الاسلام القديم ما هو الا صراع بين الاسلام والعلم ، وبين الدين والعقل ، وذلك كله بسبب الإنبهار بالفكر الغربي

الخلاصة ، إنما التنوير مصطلح من نور وهو بمثابة البحث عنه والسعي إليه ، والذي ينبغي لهذا النور ، أن يشق غياهب كثيفة من التخلف والفقر والتبعية ، ودحض كلي للجهل والخرافة
‎2022-‎08-‎14