لا تستغربوا ما فعلته حماس!


محمد محفوظ جابر

في الوقت الذي يتداول فيه العالم، ما يتحدث به قادة سياسيون وعسكريون ورجال دين ومفكرون اسرائيليون، حول ازمة خانقة يعيشها الكيان الصهيوني واقتراب زوال “اسرائيل”، كان على حماس ان تقرأ المشهد جيدا، وان تشارك في الرد على العدوان لتعميق الازمة وتصبح الاقوال افعال حول الزوال، لا ان تتهرب من مسؤوليتها في حماية أهل غزة وبندقية المقاومة وتترك العدو يعيث قتلا ودمارا في غزة، ويخرج من ازمته، وكأنها تعيش في عالم آخر من عوالم هوليود.

– منذ الاحتلال عام 1967 وحتى الانتفاضة الأولى، لم تقم جماعة الاخوان المسلمين، بأي عمل مقاوم ضد الاحتلال، ولم يعرف لهم أسير او شهيد بل تركزت نشاطات الجماعة على الناحية الاجتماعية والتربوية، وهداية الناس الى الدين الاسلامي، ولأن برنامج “المجمع الاسلامي” لم يتضمن أي بعد وطني، حصل على تصريح من الادارة المدنية الاسرائيلية بالعمل سنة 1979، وقد قامت الجماعة بدور تخريبي ضد الانشطة الوطنية لفصائل منظمة التحرير طوال تلك الفترة، وبعد انطلاق الانتفاضة 1987، أطلقوا اسم حركة المقاومة الاسلامية “حماس” على ذراعهم ضد الاحتلال، حتى إذا فشل بقيت الجماعة كما هي في الساحة سالمة، ورفضوا المشاركة في “القيادة الوطنية الموحدة” للانتفاضة ولم يأخذوا بقراراتها، بل عملوا بشكل منفرد اضعف الانتفاضة بتضارب مطالب القيادة الموحدة ومطالب حماس من الجماهير وانقسم الشعب الفلسطيني بينهما.

انطلقت “حماس” كحركة تحرر فلسطينية، ولكن الأمور تغيرت عندما وصلت السلطة في غزة في العام 2006، وأصبحت تعمل على تثبيت إمارة إسلامية في غزة، وأصبح شعارها السلطة وليس المقاومة، وإن لبست ثوب المقاومة، ولا أنكر دورها المقاوم فقد ساهمت في قلب موازين القوى في ساحة الصراع. وقد اكد عضو القيادة السياسية في حماس محمود الزهار بأن “حركة حماس ليس هدفها إقامة دولة فلسطينية ذات حدود وطنية بل هدفها خلافة إسلامية عالمية وأستاذية العالم كما هي أهداف جماعة الإخوان المسلمون ومؤسسها حسن البنا التي ننتمي لها”.
– صدرت دعوات مبكرة عن قيادات من “حماس” تدعو إلى الهدنة مع دولة الاحتلال، كان أولها تصريح محمود الزهار في العام 1988، وتصريح محمد نزال في كانون الثاني 1993، كما صدرت مبادرة رسمية عن المكتب السياسي للحركة في نيسان 1994. رأت “حماس” في ذلك الوقت أن الحل الأفضل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يكمن في التوصل إلى هدنة، تُحدد بسقف زمني على أراضي العام 1967، بعد أن تنسحب إسرائيل منها، وتفكك المستوطنات، وتطلق سراح الأسرى، مقابل وقف “حماس” للعمل المسلح ضد إسرائيل.[مسارات/ أحمد التلولي بتاريخ 05 آذار 2019]. ماذا يعني ذلك ؟

قبل ان تكمل الانتفاضة الاولى سنة من عمرها، ارادت حماس التي لم تكمل سنة من مقاومتها، ان تقطف ثمارها، فطرحت عقد هدنة مع العدو الصهيوني ضمن شروطها مقابل وقف حماس للعمل المسلح، وتكررت التصريحات والبيانات حول الهدنة بعد 1988- أي قبل اوسلوا وبعدها، مما يؤكد ان هناك سباق قد جرى بين حماس وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، للاتفاق والوصول الى السلطة. وفي مقابلة صحافية مع صحيفة “السبيل” الناطقة باسم الإخوان المسلمين، في الأردن، في نيسان 1994، قال موسى أبو مرزوق، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” آنذاك، “إنه يمكن أن تكون هناك معاهدة سلام أو هدنة (…)…..

وقد طرح الشيخ أحمد ياسين أكثر من مرة هدنة طويلة مدتها 10 سنوات شرط انسحاب دولة الاحتلال من قطاع غزة والضفة المحتلة والقدس، وأشار ياسين في العام 2003 إلى أن حركته على استعداد لدراسة كل العروض ثم تقرر بعد ذلك. وهو تأكيد على الاستعداد للمفاوضات مع “بياض الوجه” كما تقول المقولة الشعبية، أليست هذه مؤشرات باتجاه تبني فكرة التسوية السياسية على حدود 1967.

حسب موقع البوابة 10 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2005، قال محمود الزهار في حديث للإذاعة الاسرائيلية العامة ان “المفاوضات ليست في نيتنا بل هي وسيلة واذا كانت تسمح لنا بتحرير اراضينا وتحرير معتقلينا في اسرائيل واعادة بناء ما دمره الاحتلال الاسرائيلي فسيكون بإمكاننا المناقشة فعلا”. ان حديثه لإذاعة العدو تطبيع، واعتبار المفاوضات وسيلة نضالية هو مقدمة للتفاوض.
ورأى غازي حمد رئيس تحرير صحيفة “الرسالة” القريبة من حماس ان “موضوع التفاوض مع العدو لا يشكل حرمة دينية اساسا والجوهر يكون في كيفية ادارة التفاوض (…) اعتقد ان حماس اصبحت الان تطرح شعار المزج بين المقاومة وبين العمل السياسي”. هكذا اصبح موقف الزهار واضحا المقاومة من اجل التفاوض.

– صرّح مصدر مسؤول في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بتاريخ 8 تموز (يوليو) 2006م، المكتب الاعلامي:
كنا نتمنى من السيد عباس أن يطالب فصائل المقاومة بالتكاتف والتعاون فيما بينها لصدّ العدوان الصهيوني المتواصل، عوض مطالبته بوقف إطلاق الصواريخ.
بينما اعتبر القيادي في حركة المقاومة الاسلامية حماس محود الزهار في تصريح خاص لقناة العالم الاخبارية بتاريخ 20 آذار :2010اطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المستوطنات الاسرائيلية بأنه عمل مشبوه يهدف الى افساح المجال امام الاحتلال للاستفادة من ذلك اعلاميا وحرف الانظار عن جرائمه في الاراضي المحتلة.

خاضت “حماس” بعد الهحمات العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة، بالمشاركة مع الفصائل الفلسطينية مفاوضات غير مباشرة مع “إسرائيل”، من أجل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
وعقدت أول “هدنة” في العام 2008، وكانت مطالب “حماس” حينها وقف العدوان وفتح المعابر. (المسار مصدر سابق)

– عادت “حماس” بعد عدوان العام 2014 إلى القاهرة كجزء من وفد فلسطيني بقيادة منظمة التحرير للتفاوض مع إسرائيل بوساطة مصرية، في محاولة للتوصل إلى اتفاق هدنة في قطاع غزة. ونلاحظ هنا قبولها ان تكون ضمن وفد المنظمة التي وقعت اتفاق اوسلو.

– صرح موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، خلال مقابلة على قناة “دريم” المصرية بتاريخ 10/9/2014، “بإمكانية التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني، وأنّه من الناحية الشرعيّة لا غبار على مفاوضة الاحتلال، وأنّ الظروف التي تمر بها الحركة قد تدفعها إلى ذلك”، مبررًا أنّ التفاوض مع الاحتلال “أصبح مطلبًا شعبيًا الآن”.
– مفاوضات بين إسماعيل هنية، ووفد مصري، وميلادينوف، مبعوث الأمم المتحدة، تضمنت فتح جمهورية مصر العربية لمعبر رفح، مقابل ضبط حركة حماس للمظاهرات على الحدود، وعدم السماح بحدوث أعمال عنف. [جريدة الشرق الأوسط، 3/2/2019].

صحيح أن العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية “حماس ” لم تشارك في معركة “وحدة الساحات “ولكن رأس المقاومة “الجهاد الاسلامي” وأطراف جسدها الشعبية والديمقراطية وغيرهما قاموا بدورهم على أكمل وجه، تماما مثل مرات سابقة تخلت فيها حماس الإسلامية عن الجهاد الإسلامية وهم المؤمنون أن “المسلمين اخوة ” علما بأن جميع الفصائل وقفت الى جانب حماس في كل مرة استهدفت فيها. ولكن جسد المقاومة أثبت أنه بخير حتى بدون حماس حيث أجبر العدو على طلب الهدنة عبر وسطاء لم يكونوا يوما محايدين، وبكل اسف اصبحت حماس وسيطا ايضا، فإذا المقاومة تخدم سلطتها تمارسها والا تخلت عنها.
‎2022-‎08-‎13