مُعاناة العراق ليست وليدة الحاضر!

رنا علوان

المُعاناة الدستورية

لقد عانى العراق بحسب أغلب الأراء من عدم وجود معنى للدولة منذ ظهوره بإدارة بريطانية عام ١٩٢١ ، وإستُنزف على مدى العقود التسعة الماضية

كما ويَعتبر البعض بأن العراق يُعاني من ضعف في البناء الدستوري ولا ينسجم مع مُقتضيات وجود الدولة خصوصاً أنه قد خرج من رحى حروب مُتعددة وأزمات مُتتالية

فالدولة كما هو العُرف السائد هي كائن غير محدد الأبعاد المادية ، إلا أنها شخصية معنوية يتم التعامل معها من خلال سلطاتها ، التي تَعارف الفرد عليها من سُلطة الحكومة ، التي فرضت نفسها على أرض وشعب مُحدد

الحكومة المُؤقتة

بعد أن سمحت الولايات المُتحدة الأميركية بتشكيل حكومة مؤقتة في ٢٨حزيران ٢٠٠٤ ، تُدار من قبل عراقيين تم إختيارهم بالتعاون معها ، ليؤسسوا بعدها نٍظاماً سياسياً ، ما زال مُستمراً لليوم

ومنذ أن تبلور هذا النظام والعراق يعيش مُعضلة حقيقية ، كما وأن ما تم وضعه في إطار دستوري لم يسهم في حل هذه المُعضلة بل على العكس زادها تعقيداً ، وتشعب منها ما هو مُتعلق بالنظام السياسي الذي أدى إلى ضياع الدولة بين أتون النصوص الدستورية

تغيير النظام

إن تغيير النظام السياسي في العراق ينطوي على مرحلتين

أولها ، إزالة النظام السياسي وهي مرحلة سهلة نسبياً

وثانيها ، إحلال نظام سياسي آخر محله ، فالعراق لا يصلح له إلا النظام التوافقي ، وفي إطار النظام البرلماني الفيدرالي ، كون حدة الإختلافات الايديو لوجية بين التيارات السياسية والمُجتمعية من الصعب التوفيق بينها

وهناك من بين العلمانين ، من يحلم بعراق ليبرالي ، طالما أن الدولة في الأساس هي مشروع علماني ، والإجراءات فيها ذات صبغة علمانية وليست دينية

وهناك القبليون الذين ليس لهم حلم سوى العيش بعيداً عن كل ما تقدم من اطروحات ، وهؤلاء يمثلون أغلبية صامتة وغير مُنظمة ، كما لم تظهر بعد إلى العلن

التدخل الخارجي

إن الدولة هي مشروع سياسي وإقتصادي وإجتماعي داخلي ، وهي هوية يُعرّف بها الإنسان نفسه

كما وهي مشروع سياسي مُوّجه نحو الخارج أيضاً ، فالمواطن يعيش في كنف مؤسساتها وبالتالي تضمن له سلامته وغده

وعلى الرغم من صوّر الديمُقراطية التي يتمتع بها النظام السياسي العراقي كالإنتخابات ، إلا أنه لا يُمثل طموحات المواطن العراقي كون الصياغات الخاطئة للدستور ، الذي كُتب على عجل ، مما جعله عُرضة للتأويلات والتفسيرات ، التي من شأنها أن تُدخل البلد في حلقة مفرغة من الازمات ، فالمعضلة الحقيقية تكمُن في التدخل الخارجي الذي يمنع تحقيق التوافق السياسي الداخلي بين التيارات السياسية

فتفاعلات التغيير وأبعاده قد دفعت دول الجوار أيضاً إلى الإنخراط وبشدة في الملف العراقي ، والإستفادة من إشكاليات ما بعد التغيير ، وهذا ما منحهم فرصة كبيرة من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية في ساحة خصبة ، تُسهّل إمكانية التوسع الإقليمي على حساب أرض وشعب العراق الشقيق

الإحتلال الأميركي

لقد ظهر الفساد بشكل جلي وواضح بعد الإحتلال الأميركي للعراق في عام ٢٠٠٣ ، إذ ساعد الإحتلال في استشراء ظاهرة الفساد

إن الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط ، تقوم بشكل عام على تحقيق مصالح الولايات المُتحدة في المنطقة ، يإستخدام كافة الوسائل ، وبغض النظر عن شرعية تلك الوسائل أم لا ، وبِغضّ النظر أيضاً عن مصالح دول المنطقة

وقد مثّل الغزو الأميركي للعراق نمطاً جديداً ، لتعامُل  الولايات المُتحدة مع دول المنطقة من خلال فرض الهيمنة على دول المنطقة ، ثم على النظام العالمي ، بما يسمح لها تحقيق مصالحها ، كما وقد أظهر العدوان الأميركي على العراق مدى هشاشة النظام العربي ، وكذلك دول المنطقة في صد العدوان الأميركي بل أن هناك دول سهّلت الإحتلال الأميركي للعراق من خلال السماح بإستخدام أراضيها كممرات للعدوان

لقد قامت الولايات المُتحدة بإتخاذ مجموعة من القرارات مما أسهم بشكل كبير في إفشال الدولة العراقية ومن هذه القرارات حل الجهاز البيروقراطي ، وجهاز الشرطة والقضاء ، وكان لتلك القرارات أثار بعيدة المدى ، ساهمت في تحويل الدولة العراقية من دولة هشّة إلى دولة مُنهارة كُلياً

ونظراً للوضع التي تتمتع به الولايات المتحدة في المنطقة من نفوذ خصوصاً في حالة التدخل الأميركي في العراق سنة ٢٠٠٣ ، حيث كان النظام العالمي يتُم في تلك المرحلة بالأحادية القطبية ، وكان لهذا تأثير كبير في قرار التدخل في العراق ، وقامت الإدارة الأميركية بإتخاذ القرار رغُم المواقف الدولية والإقليمية المُعارضة لهذا القرار ، وفي حالة ثورات الربيع العربي

تعزيز وضمان أمن اسرا.ئيل

لقد حقق هذا الإحتلال الأميركي فرصة ذهبية للعدو ، حيث أنه يعتبر العراق دولة مُعادية له ، وتُمثّل خطر عليه

وذلك لِمَ وقعت بينهما من مواجهات في الماضي ، منها حرب ١٩٧٣ وقصف الكيان الغاصب المفعل النووي العراقي عام ١٩٨١ ، وقصف العراق للعدو بالصورايخ عام ١٩٩١

لذلك كان للتدخل الأميركي في العراق مصلحة تخدم العدو كونها أسقطت عدو مباشر له من وجهة نظره

ففي خطاب لجيمس ووليس المدير السابق لوكالة الإستخبارات الأميركية كشف عن دور العراق في ترسيخ الهيمنة الأميركية عالمياً ، وقدرتها على ترتيب الأوضاع إقليمياً ، إذ نجحت الولايات المتحدة في إقامة نظام ديمقراطي في العراق ، فإنه سوف يكون النموذج الذي يحتوي المنطقة

الإنتخابات الحالية

أما اليوم فإن إنسحاب الصدر بشعبيته الواسعة ، أدى إلى خلط الأوراق وظهور ثغرات هذا القانون ، كما وأن رفض الأخير لأي شراكة سياسية مع قوى الإطار التنسيقي على الرغم من رغبت شركائه في التحالف الثلاثي ، وقناعاتهم بأفضلية خيار الشراكة والتوافق والتوازن ، وهذا ما دعا إليه رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني ( مسعود البارزاني )

ولكي يتم هذا الأمر ، لا بد من وجود تنازلات وترضيات ومساومات ، ومن الطبيعي أن يُعيد ذلك إنتاج التوازنات السابقة مع إختلافات بسيطة ، وحينذاك سوف تكون الخيارات أمام زعيم التيار الصدري المُنسحب مفتوحة ، فالحراك الذي أسقط حكومة عادل عبد المهدي في أواخر عام ٢٠١٩ ، سيكون قادر على إسقاط أي حكومة أخرى

يبقى لنا أن نتمنى للعراق الشقيق التوفيق ، وأن يعوا حقيقة المُخطط الذي حيك لهم منذ قرون ، وأن يعيدوا حساباتهم كما ويعتنوا بالأسس الصحيحة والمُناسبة لحماية مصالح دولتهم ، تاركين لذوي الألباب الفطنة ، والنفوس الحرة والسوية ، فرصة الغوص أكثر ، وكُلٍ حسب تخصصه وإهتمامه ، لا سيما إذا أدركنا ، بأن عملية بناء الدول والمُجتمعات الحديثة تُعد من أعقد المهام ، وأكثرها صعوبة في جميع بُلدان العالم

احتجاجات العراق..هل تعيد الهوية الوطنية الجامعة للعراقيين؟ (تحليل)

‎2022-‎08-‎13