مجازر الاحتلال تُدخل الإعلام الأميركي في “الكوما”!

زهراء جوني

بعد حملة القصف الإسرائيلي ضد قطاع غزة العام الماضي، قال 500 صحفي أميركي في رسالة موقّعة “إن التغطية لـ”إسرائيل” وفلسطين تصل وبشكل منتظم إلى سوء التصرف الصحفي، ولا يتوقف الأمر عند عدم التماثل في السياق، بل يمتد إلى اللغة المستخدمة والقصص التي تضخم وبطريقة غير متناسبة الروايات الإسرائيلية وتقمع الروايات الفلسطينية، بالإضافة إلى التعتيم على الاضطهاد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ما يخرق معايير الموضوعية للصحافة”.

 

لا تنفكّ الولايات المتحدة الأميركية عن اعتماد مبدأ “اكذب اكذب اكذب.. حتى يصدّقك الناس” في إداراتها المتعاقبة وعبر رؤسائها جميعاً، ومن خلال إعلامها الذي تصنعه الحكومات الأميركية وفق أجنداتها ومصالحها في العالم. فكيف إذا ارتبط الأمر بحليفها الأول في المنطقة؛ العدو الإسرائيلي؟

 

في نظرة سريعة، يدخل الإعلام الأميركي في حالة الكوما، كلما شن الاحتلال عدواناً جديداً على الفلسطينيين، أو ارتكب الجرائم بحقهم.

 

في قضية حي الشيخ جراح مثلاً، لم تذكر الصحافة الأميركية الخبر إلا بعد فترة، وذهبت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إلى نشر تقرير صحفي، تصور فيه قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بطرد الفلسطينيين من بيوتهم باعتباره قرار “إخلاء” قضائي، وكأن الأزمة هي صراع بين “مُلاك” و”مستأجرين” وليست عملية تطهير عرقي ممنهج للأحياء الفلسطينية في القدس. وعمدت صحف أخرى إلى نشر الرواية الإسرائيلية بشكل رئيسي، وأخذ مصدر فلسطيني واحد للظهور بمظهر الإعلام الموضوعي.

 

وعندما قُتلت الصحافية في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة برصاص الاحتلال، أصرّ الإعلام الأميركي على نشر الرواية الإسرائيلية وتبني التحقيق الاسرائيلي الذي ينزع أي مسؤولية عن العدو في قتله أبو عاقلة.

 

وكذلك في المواجهات التي لا تتوقف بين الفلسطينيين والعدو الإسرائيلي في الضفة والقدس المحتلتين، يجد الإعلام الأميركي نفسه غير معنيّ بما يحصل، أو يتحوّل إلى مجرّد وسيلة تستنسخ تصريحات جيش الاحتلال وتروّج لها. وقد يصل الأمر ببعض وسائله إلى تحميل الفلسطينيين مسؤولية القيام بعمليات الطعن أو الدهس، مما يساهم بانتشار أعمال العنف بحسب تعبيرها.

 

لكنّ الأفظع من كل ذلك، هو إصرار الإعلام الأميركي بكل وسائله، إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي، على التعتيم على كل جرائم الاحتلال ومجازره بحق الأطفال والنساء المدنيين. وقد نشر موقع “ذي انترسيبت” تقريراً بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، على خلفية ردّ حركة الجهاد الإسلامي على اغتيال أحد قادتها، قال فيه “إن وسائل الإعلام الأمريكية عادة ما تتجنب نشر الصور المروعة والموت في غزة وتقوم بتقديم صورة “معقّمة” عن العدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وبطريقة ما تحرم الأمريكيين من مشاهدة الوجه الحقيقي للقصف الإسرائيلي على غزة”. وبذلك تُقتل الطفلة الاء قدوم ابنة الخمسة أعوام، ويوسف قدوم وأحمد عزام وحازم سالم ومحمد زقوت وخالد ياسين وداليا النباهين وغيرهم من الأطفال والنساء والمدنيين وعائلات بأكملها يقوم الاحتلال بإبادتها وهدم منازلها، لكنها لا تشكّل بالنسبة للإعلام الأميركي أي معنى أو أهمية، لأنّ تسليط الضوء عليها يؤكد للرأي العام فظاعة الاحتلال وحقيقته في سرقة الأرض وقتل المدنيين الأبرياء بأفظع الوسائل والطّرق.

 

إن قراءة بعض الدراسات والتقارير التي صدرت عن مؤسسات تهتم بالتغطيات الإعلامية للأحداث، وعمل وسائل الإعلام فيما يخص القضية الفلسطينية، تُظهر أنّ الاعلام الغربي ورغم كل محاولاته لتصنّع الموضوعية في أدائه، إلاّ أنه في النهاية يكشف للعالم حقيقة واحدة؛ هي التحيّز الواضح للعدو الإسرائيلي، وحتى عندما  يعرض أخباراً عن الوضع الفلسطيني ويحاول إعطاء صورة الحيادية والسماح للطرفين بعرض رؤيتهما حول ما يحصل، فإنه يقدم ذلك من دون سياق ولا أرضية تاريخية، وعادة تكون اللغة غامضة ومخادعة.

 

لا شكّ أنّ السياسة في الولايات المتحدة الأميركية لا تنفصل عن الإعلام؛ الأداء واحد والكذب نفسه.

 

يكفي أن نستذكر ما فعلته أميركا في العراق عام 2003، ونستعيد جرائمها في أفغانستان، ونراقب اليوم أداءها اتجاه ما يحصل في أوكرانيا، لنتأكد أنّ ما تفعله اتجاه الفلسطينيين على المستوى السياسي والإعلامي ما هو إلاّ امتداد لفكر أميركي واحد يقوم على الكذب والاحتيال.

‎2022-‎08-‎13