عندما يكون الادب موضوعاً أدبيًا!

ابو زيزوم

قطب الضيف حاجبيه وهو يرى العدد القليل من المقاعد المهيأة لسامعيه. آتٍ من المهجر ليلقى جمهوره الوفي في مدينته الام الموصل، وربما طافت بذهنه خلال الطريق صور عطرة لجماهير حاشدة تزفه من مدخل المدينة الى مقر اتحاد الادباء ليسكب عواطفه المقفاة على قلوب المحبين مباشرةً هذه المرة بعد عقود من التواصل الافتراضي. احلام لم تلق ما يوازيها من عدد الكراسي المتراصفة بانتظار المعجبين. لم تكن تزيد على ثلاثين كرسياً لذلك قطب حاجبيه وزاده تقطيباً ان الغرفة الشحيحة لا تسمح بالاستماع وقوفاً بعد امتلاء المقاعد. وكان مضيفوه لا يقلّون عنه حرجاً، ليس لقلة المقاعد وانما لعدم وجود جمهور يشغلها.

مع ان الموعد المضروب للشاعر المرموق معلن عنه منذ اسبوع فإن المقاعد الثلاثين سيبقى بعضها شاغرا كأماكن اسنان رحلت من فم انسان. وعملت الهواتف بنشاط لاستثارة شهامة غائبين كي ينقذوا الموقف بحضورهم، وطُلب من موزع الشاي والمصور ان يجلسا ايضاً لإكمال العدد.

هل نقول ان أبناء هذه البلاد منزوعو ملكة الاهتمام بالاداب والفنون؟ أبداً، لا يوجد شعب على وجه البسيطة معدوم الاحساس بها لكن لشعبنا فنونه وآدابه المختلفة عما نعنيه نحن بالادب. ولو جاء فنان شعبي لإحياء حفلة لأقيمت حفلته في العراء لعدم وجود قاعة تستوعب المتحمسين للحضور. ولن يكون لبطاقات الدعوة مهما غلا ثمنها اثر في الحد من الطوفان الشعبي.

هل الخلل في الادب ام في الجمهور؟ هل المطلوب من الجمهور ان يرتفع الى مستوى الابداع الراقي ام المطلوب من الادب ان يهبط الى مستوى الناس العاديين؟. محزن ان يكون احضار المبدع اسهل من احضار عشرة اشخاص يستمعون اليه في مدينة يربو عدد سكانها على المليونين .. ومع الأطراف تناهز الاربعة ملايين.

النتاج الادبي في مدينتنا رائع، ينافس مثيلاته في ارجاء الدنيا، الا انه يشبه شركة تنتج سيارات فخمة بنسخ لا تستعمل الا للعرض. يعترف المختصون بتطورها المذهل لكن المستهلك لا يعبأ بها لعدم تواجدها في الاسواق. فتكون بمعزل عن الجمهور.

قد يقول قائل ان الفن الرفيع منذ القدم الى اليوم يعني النخب ولا يعني الطبقات الدنيا! هذا صحيح بقدر، ولكن ما هي حدود النخبة من غيرها؟ أيكون النخبة في مدينة بحجم الموصل مئة او مئتان فقط!. في الجاهلية وبعدها كانت القصيدة غذاءً للجميع بمنزلة الاغنية اليوم. وكان قيس بن الملوح وقبله عنترة ابطالاً شعبيين تسير بأشعارهم الركبان. والى وقت قريب في اواسط القرن الماضي كان الشعراء يقودون الرأي العام وحركة التحرر من الاستعمار. فماذا حدث لكي تتخلى امة الشعر عن هويتها الثقافية فلا تسمع بأسماء مبدعيها الا وهم يُكرّمون في عواصم اجنبية!.

ادري ان هذا الموضوع ممجوج لكثرة النفخ فيه منذ عقود، لكن جميع النافخين وانا منهم لم يقدموا جواباً شافياً حتى الان.

( ابو زيزوم _ 1305 )

‎2022-‎08-‎13