الجهاد وغزة والوسيط المصريّ!

سعاده مصطفى أرشيد

كانت معركة سيف  القدس  في رمضان قبل الماضي مثلت ذكرى مجيدة وعلامة فارقة في زمن التردّي من النوع الذي لا يحدث إلا في أوقات متباعدة. فالمعركة كانت نتائجها انتصاراً مؤزّراً افترضنا أنه أرسى معادلات رعب لصالحنا، وترافقت الحرب مع وحدة غير مسبوقة للشعب الفلسطيني في كامل فلسطين المحتلة، من أعالي الجليل الى أقاصي النقب، شاملة الضفة والقدس وغزة، توحّدت فيها البنادق والصواريخ لكافة فصائل العمل الفلسطيني التي انخرطت في القتال بالروحية ذاتها بما فيها تلك التي ابتعدت عن العمل الكفاحي، ولكنها أبت إلا ان تكون في قلب المعركة للدفاع عن غزة وفي معركة بقاء المقاومة، لكن مع الانتصار المذكور سابقاً وعلى أهميته، إلا انّ الاعتماد على الوسيط المصري وضماناته بما يتعلق بإنهاء الحصار وفتح المعابر وإعادة الإعمار لم يكن الا كسابقاته، أيّ كان شيكاً من غير رصيد، أثارت هذه الحرب قضايا بحثية عديدة ولكن المقال سيتوقف عند اثنتين منها الأولى ما له علاقه بالمعركة، والثانية ما له علاقة بالدور المصري.

 

في رمضان الماضي، توعّد الاحتلال حكومة ومستوطنين المسجد الأقصى بالتدنيس والاقتحام، وتوعّدتهم المقاومة بالويل والثبور وعظائم الأمور في حال تمّ الاعتداء على المسجد الأقصى، الأمر الذي جعل الفلسطيني يراقب السماء باحثاً عن صواريخ المقاومة التي تعهّد بها قائد حماس الشيخ السنوار في نهاية معركة سيف القدس، تعامل الاحتلال مع تهديدات المقاومة باستخفاف مريب، فقد تمّ السماح لعضو الكنيست المتطرف بن غفير بأن يقود أعداداً كبيرة من المستوطنين الى المسجد الأقصى وباحاته بحماية الشرطة، وأقاموا الصلوات التلمودية والشعائر اليهودية، ثم أدلى من هناك بتصريحاته المتحدية والمتهكّمة، واعتدى ومن معه على حراس المسجد والمرابطين والمرابطات فيه في غياب واضح للأسماء والشخصيات المعروفة من السلطة أو من قبيلها المقاوم، الأمر الذي يقود الى تقسيم المسجد الأقصى مكانياً وزمانياً بين اهله وسدنته وبين اليهود.

 

منذ مطلع آب الحالي سادت أجواء التصعيد بين الاحتلال والفلسطينيين بدءاً من اعتقال الشيخ بسام السعدي، لكن معظم التحليلات ذهبت باتجاه انّ جولة التصعيد هذه ستنتهي دون اشتباك، فالتقديرات كانت تقول إنّ هناك اتصالات  قطر ية ومفاوضات برعاية مصرية ثم انّ (الإسرائيلي) غير راغب او قادر على الدخول في اشتباك غير مضمون النتائج مع غزة في ظلّ حكومة تصريف أعمال، ثم انه مُقدِم على انتخابات عامة في مطلع تشرين الثاني المقبل وقد تكون نتائج الاشتباك في غير صالحه انتخابياً، لكن وفي حين كانت الوساطة المصرية تؤكد لغزة انّ جهودها مثمرة باتجاه نزع فتيل الحرب حسب قائد الجهاد الإسلامي الذي أضاف أنهم لم يكلفوا المصريين بالوساطة وانما «الإسرائيلي» من كلفهم، قام (الإسرائيلي) بمفاجأته غير المتوقعة بأن انطلق في عدوانه معلناً أنه يستهدف حركة الجهاد الإسلامي دون غيرها من فصائل المقاومة، في حين يكاد الجهاد الإسلامي أن يقول بأنّ (الإسرائيلي) استخدم مصر كحصان طروادة.

 

دار القتال على مدى أربعة أيام ونيّف قصف بها (الإسرائيلي) وأحرق واغتال قادة وقتل مدنيين، فيما حشود مستوطنيه تجتاح الأقصى بما يزيد على ألفي مستوطن مدنسين ومقيمي شعائرهم ومعتدين على المرابطين والمصليين، وجيشه يقتحم قرية رمانه في شمال الضفة لهدم بيوت منفذي إحدى العمليات الفدائية، ولاحقاً يجتاح نابلس ويوقع ثلاثة شهداء وأعداداً كبيرة من الجرحى.

 

أربعة أيام قرّر (الإسرائيلي) بعدها إنهاء المعركة بعد أن استنفذت العملية أهدافها ولخوفه من انّ استمرارها قد يؤدّي الى أخطاء انْ حصلت فستحوّل مكاسبه الى خسائر. تدخل المصري لإنقاذه ولتحقيق رغبته، فيما الفلسطيني يطرح أسئلة تكاد تستنفد حالات النشوة والتفاؤل التي عاشها قبل عام ونصف العام في أيام معركة سيف القدس! ونستذكر ما ورد في خطاب الانتصار بعد انتهاء معركة سيف القدس والذي ألقاه الشيخ السنوار واعتبر فيه انّ حماس باعتبارها قائدة المقاومة هي المدافعة عن فلسطين وأقصاها ووليّة الدم لما يجري في الضفة الغربية. الشعب الفلسطيني قبل هذا التعاقد مع حركة حماس والمقاومة كانت له تعبيراته وتجلياته في أكثر من موقع منها انتخابات مجلس طلبة جامعة بير زيت، فماذا يقول الشيخ السنوار اليوم؟ إنه سؤال مشروع ستجيب عنه قادمات الأيام.

 

في كلّ معركة جرت بيننا وبين (الاسرائيلي) في غزة يتدخل الوسيط المصري مباشرة والقطري بطريقته الخاصة، تتعهّد مصر فيها بفتح المعابر وإنهاء الحصار وإدخال السلع الضرورية وإعادة تشغيل الكهرباء وتوسيع مساحات الصيد وإعادة إعمار ما دمّرته قوة العدوان الهائلة وإعادة إسكان آلاف الأسر الذين أصبحوا في العراء، وفي كل مرة لا تنفذ هذه التعهّدات.

 

هذا الدور المصري له من العمر ست وثمانون سنة ولا تزال اللعبة ذاتها تنطلي على الفلسطيني، في عام 1936 انطلقت الثورة الفلسطينية مترافقة مع إضرابها الشهير، وامتازت بضراوتها وقوميتها، فشارك فيها الكلّ الفلسطيني ومعه مئات المجاهدين من العراق والشام ولبنان، بقيادة العسكري المحترف ابن طرابلس فوزي القاوقجي وابن دمشق الشيخ محمد الأشمر وابن المتن الدكتور امين رويحة صاحب كتاب التداوي بالأعشاب والصحافي الشاعر ابن حماة نجيب الريس ناظم نشيد يا ظلام السجن خيّم… نحن لا نخشى الظلاما، خاضت الثورة معاركها المجيدة وفي أحيان كثيرة في أرض مكشوفة وألحقت الخسائر بالجيش الإنجليزي الذي اضطر الى استعمال سلاح الطيران، شعور بريطانيا بفداحة الأمر اضطرها لإرسال لجنة بيل الملكية التي لم تفلح في وقف الثورة فلجأت الى أصدقائها العرب، خاصة مصر والسعودية اللتين لهما نفوذ وصداقة مع رئيس الهيئة العربية العليا أمين الحسيني، فأصدروا نداءهم الشهير يطالبون به الشعب الفلسطيني بفك الإضراب وإلقاء السلاح والسكينة متعهّدين بان الصديقة الصدوق بريطانيا العظمى قد وعدت بتلبية المطالب الفلسطينية. وافقت الهيئة العربية العليا ورئيسها على النداء وتوقفت الثورة في مرحلتها المجيدة، وطلبت القيادة الفلسطينية من المجاهدين غير الفلسطينيين مغادرة البلاد وترك فلسطين لأهلها الأدرى بشعابها، ولتنتقل الثورة الى حالة من الفوضى في مرحلتها الثانية، لم تنفذ بريطانيا وعودها ولم تنفع أهل فلسطين ضمانات الحكومة المصرية ومن شاركها النداء، واكتشف الشعب الفلسطيني بعد فوات الأوان انه تعرّض لحيلة دنيئة شاركت فيها قياداته الباحثة عن بقائها لا عن الوطن.

 

هكذا يُلدغ الفلسطيني من الجحر ذاته المرة تلو المرة، وفي كل معركة تخوضها غزة المحاصرة مع الاحتلال تتدخل مصر لإنهاء القتال عندما يعجز (الإسرائيلي) او يستنفد بنك أهدافه، وفي كلّ مرة لا تلتزم (إسرائيل) بوعودها كما كانت تفعل منشئتها بريطانيا، وفي كلّ مرة لا تجدي التعهّدات المصرية او انها لا تبذل جدية في إلزام (الإسرائيلي) بها، في مؤتمره الصحافي عند إعلان وقف إطلاق النار قال قائد الجهاد إنّ الوسيط المصري أبلغه انّ (الإسرائيلي) وافق على إطلاق سراح الأسيرين الشيخ بسام السعدي وخليل عواودة، في ظني وأنا غير آثم إنّ ذلك لن يحدث.

 

هكذا في كلّ معركة يدفع الفلسطيني ثمن ثقته في الوسيط المصري، انه استبداد الجغرافيا ولعنتها التي لا بدّ من إيجاد طريقة للنجاة منه، ستة وثمانون عاماً تكفي…

سياسي فلسطيني مقيم في فلسطين المحتلة

‎2022-‎08-‎12