ما الذي يثير الدهشة إذا أدمن المرء ؟!

محمد الوزيري
قبل ستِّ سنوات اشتغلت حارسا ليليا في أحد المصانع، يبدأ دوامي من الخامسة مساء حتى السابعة صباحا. كنت أغالب طول الزمان و وحشته بالكتاب صاحبا و مؤنسا. ذات رمضان هُديت إلى رزمة من مؤلفات “علي شريعتي” قرأتها كلها في خمس ليال. كنت أقرأ كتابين في الليلة بمختلف الأحجام و عدد الصفحات، و أحيانا ثلاثة إذا لم تزد عن الحجم المتوسط. و ما كان في ذلك عجب ولا استغراب البتَّة لمن أدمن القراءة في سن السابعة! … فكان الحال كذلك.
عندما تشير إلى القمر لتدل عليه من حولك مبشرا، فلا ريب أن يكون من بين الجَمعِ من ينظر إلى إصبعك دون القمر. و ليس في ذلك عجب، فقد يكون لغرابة الإصبع أو لجماله أو لقبحه!.
الشاهد أني نشرت مساء أمس -معقبا على من يجدف على العلوم بغير كتاب منير- أن العملاق عباس محمود العقاد قرأ سبعين ألف كتاب بمختلف الأحجام و المواضيع، و تساءلت -مستنكرا- عن مراتب رويبضة العصر من مرتبة العقاد الرفيعة و هم يخوضون اليوم في ما كان يخجل أن يخوض فيه دون علم و هو العالم!.
و لما أصاب بعض الإخوة ما أصابهم من الدهشة و الاستنكار من هول العدد (المبالغ) فيه، أقول :
إن المراد لم يكن العدد قط، و إنما ما سِيقَ من أجله. أما العدد فلم يكن مبالغا فيه، لأنه لم يكن وصفا و إنما خبرا منقولا من كلمة للدكتور العظيم “عدنان إبراهيم” عن عمر آدم و ربطه بالورود عند “محمد شحرور” أو “العقاد”. فكان أن قال بأن العقاد هو أول من قاسه فكان شحرور ناقلا و حسب. ثم أضاف بأن العقاد قرأ سبعين ألف كتاب و مع ذلك كان إذا استشكل عليه شيء في الشعر يرجع إلى العلامة محمد محمود شاكر و هو يصغره بعشرين سنة و نيف، و ذاك ينم عن تواضعه الجم و إنزاله لمن يحمل علما منزلة تليق به..
ثم ذكر طيب السريرة “عدنان إبراهيم” أن العقاد لديه ثلاثمئة كتاب قرأها في علم الحشرات و لم يؤلف فيها قط، و لما سئل قال “أردت أن أعرف غرائز الحيوان لأفهم غرائز الإنسان”.. و العقاد لم يتزوج قط و لم يفكر فيه بسبب انشغاله بالكتاب، و طلبا للحرية و المزيد من الزمان، حتى إنه قال ” وددت لو أوتيت عمرين أستنفذهما في الاطلاع، لأن عمرا واحدا لا يكفي” أو كما قال..
و أما العدد فلا يثير مقدار ذرة من ريب أو دهشة إذا أخذنا سبعين ألفا ثم قسمناها على ستين سنة عمرا، إذا افترضنا أنه رحمه الله بدأ يقرأ في الرابعة عشر من عمره، ثم نأخذ الخارج و نقسمه على عدد الشهور ثم خارجه في عدد الأيام، ليعيطنا مقدار ثلاثة إلى أربعة كتب في اليوم بمختلف الأحجام.
فما الذي يثير الدهشة إذا شَرِهَ السِّكّير إلى الخمر فَكرِعَ منها قِربةَ جديٍ ؟!!. و ما الغريب في أن يقرأ المرء ما يزيد عن الناس إذا وَله و هام بعشق الكتاب ؟!!.. إن الإنسان بطبيعته البشرية يسعى إلى تكثير ما شب فيه و عليه.. فإذا شب في سلطة، سعى لها طول عمره، و إذا شب في الثراء فإنه يفني العمر في كنز الذهب و الفضة، و إذا شب في بيت الحريم فإن ولهه يكون بالنساء أشد من غيره…
أما من انتشى طربا بما تحويه دفات الكتب المخبرة عن الزمان الماضي و المبشرة أو المنذرة بالمستقبل فإن العمر المكتوب له لن يكفيه في مطالعة صفحاتها و تقليب دفاتها…
و لو كانت العبرة ليست بالعدد، و لكن العدد يفعل بعقل العالم ما تفعله الخمر بعقل الصعلوك إذا زاد عن رغبته عكسا .. و السلام عليكم.
__________
محمد الوزيري
23-7-2022